تحديث عقيدة أوباما: لا عزاء لـ«الحلفاء السُنّة»!

خلال حديثه المتلفز الأخير مع توماس فريدمان، المعلّق في صحيفة «نيويورك تايمز»، استخدم الرئيس الأمريكي باراك أوباما صفة «السُنّة» مراراً؛ فتحدّث عن «العرب السنّة»، و»الحلفاء السنّة»، و»الشباب السُنّة». ولأنه سعى إلى تبيان الحال الراهنة لعقيدته، في ضوء التوصل إلى اتفاق إطار حول برنامج إيران النووي ـ على غرار ما فعل، في آب (أغسطس) السنة الماضية، حين استدعى فريدمان ذاته، لإيضاح موقف العقيدة من صعود «داعش ـ فإنّ من المشروع افتراض إدراج هذا العنصر الجديد، صفة «السُنّة»، على العقيدة إياها، الآن إذ يوشك عمرها الزمني على بلوغ السنة السابعة.
عنصر ثانٍ ملازم يقتضي، من باب المنطق البسيط، افتراض وجود مقابل «شيعي» للعنصر السنّي، في ذهن أوباما؛ خاصة حين يشير إلى الأخطار التي يمكن أن يتعرّض لها «الحلفاء السنّة»، ليس من جانب سنّة آخرين استطراداً، بل من إيران تحديداً (زعيمة الصفّ الشيعي، في يقين الرئيس الأمريكي؟).
ورغم التوبيخ الضمني للحلفاء هؤلاء، الذي انطوى عليه التلميح إلى الأخطار الأخرى الناجمة عن «التحديات السياسية الداخلية»، وخاصة «السخط» الذي يكتنف أوساط الشباب؛ فإنّ أوباما تكهن على الفور بأنه سوف يجري «حواراً صعباً» مع الحلفاء السنّة، في الخليج تحديداً، حول طبيعة ما وعد به من «دعم أمريكي قوي ضدّ الأعداء الخارجيين».
هذا الانزياح نحو اعتناق صفة «السُنّة» يمثّل انحطاطاً جديداً في مفاهيم «العقيدة»، أو ما تبقى منها في الواقع؛ لأنه يبداً من ترقية المذهب الديني إلى مصافّ الجيو ـ سياسة، ويختزل مضامين الصراعات المركبة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، بما يتقاطع فيها وحولها من شبكات المصالح، إلى تصنيفات ومسميات غائمة، وعائمة متحركة. ويصعب على المرء أن يخمّن هوية ذلك المستشار الأريب الذي اقترح على أوباما استخدام صفة «السنّة» في تشخيص صراعات المنطقة، أو بالأحرى ليس ثمة ضرورة لتخمين كهذا ما دام الانحطاط المضطرد هو سمة ثابتة في العقيدة هذه، ربما منذ إطلاقها خلال الأسابيع الأبكر من حملة أوباما الرئاسية الأولى.
هل ينهل هذا المستشار من نبع الاستشراق، الضحل والجاهل والقاصر، الذي نهل منه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف؛ حين صرّح، قبل ثلاث سنوات، أنه «فى حال انهار النظام القائم في سورية، فسيغري هذا بعض بلدان المنطقة لإقامة نظام سنّي في البلد»؛ وأنّ هذا المآل سوف «يؤثر على مصير المسيحيين والأكراد والعلويين والدروز، وهو الأمر الذى قد يمتدّ إلى لبنان والعراق»؟ ليس بالضرورة، طبعاً، لأنّ مستشار أوباما، مثل وزير خارجية روسيا، لا ينظر إلى حال البشر على الأرض وفي واقع الحياة اليومي؛ ولا يتبصّر في المعنى خلف اللفظ، وفي المحتوى أسوة بالشكل، بقدر ما يقفز إلى خلاصات تصنيفية قاصرة، يجري توارثها كابراً عن كابر، وتُستخرج من ثلاجة المصطلح جاهزة للتسخين!
وفي كلّ حال، حين تكون عناصر كهذه هي «الجديد» الطارىء على عقيدة أوباما، فليس ثمة جديد في الواقع؛ أو هو، في معنى آخر، مجرّد تحديث لمبادئ سابقة ناظمة، اتضحت معالمها في السياسات الخارجية والدفاعية والأمنية، منذ الولاية الأولى.
ومن حيث اعتماد هذا الطراز من التحديث، كان أوباما ـ قبل ثلاث سنوات، خلال مؤتمر صحافي مع ليون بانيتا، وزير دفاعه آنذاك ـ قد خطا خطوة كبرى حاسمة (اعتبرها الكثيرون مجازفة، ورأى عتاة الجمهوريين أنها تهوّر غير محسوب)، باتجاه إسقاط ستراتيجية البنتاغون الكلاسيكية؛ التي ظلت مركزية وسارية المفعول، منذ اعتمادها خلال عقود الحرب الباردة: أن يكون الجيش الأمريكي مستعداً لخوض حربَيْن إقليميتين في آن معاً.
سياسة التقشف فعلت فعلها، بادئ ذي بدء، وكانت التخفيضات في ميزانية وزارة الدفاع تخضع لمقتضيات الاقتصاد، قبل السياسة والدفاع والأمن والعقائد والستراتيجيات، خاصة وأنّ ولايتَيْ جورج بوش الابن شهدت تضخماً غير مسبوق في أرقام تلك الميزانية.
عنصر آخر أوضحه أوباما، آنذاك، وتمثّل في هذه الثنائية التي تكاد أن تختصر «العقيدة» بأسرها، وتُراجع مفهوم «الحملة على الإرهاب» كما استقرّ خلال العقد الأخير، وبعد هزّة 11/9 بصفة خاصة.
أوّلاً: «بقدر ما نتطلع إلى ما بعد العراق وأفغانستان ـ وإنهاء بناء الأمم المترافق مع ترك آثار أقدام عسكرية هائلة، فإننا سنكون قادرين على ضمان أمننا عن طريق قوّات تقليدية برّية أقلّ»؛ وثانياً: «سوف نواصل الاستثمار في الإمكانات التي سنحتاجها في المستقبل، بما في ذلك الاستخبارات، والرصد والاستطلاع، ومناهضة الإرهاب، ومجابهة أسلحة الدمار الشامل». والناظم، خلف هذين العنصرين، هو «إيضاح مصالحنا الستراتيجية في عالم متسارع التغيّر، وهداية أولوياتنا الدفاعية والإنفاقية في العقد القادم».
وفي خريف 2009، عندما ألقى أوّل خطبة له أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، أشار أوباما إلى أولويات أربع سوف تهتمّ بها إدارته (الحدّ من التسلّح النووي، سلام الشرق الأوسط، التغيّر المناخي، ومعالجة الفقر في البلدان النامية)؛ فكانت هذه عناصر عقيدة قديمة العهد، معادة، مكرورة، شهد هذا المنبر النطق بها على لسان رئيس أمريكي تلو آخر، مع تنويعات في الصياغة الخطابية وحدها، وبراعة أو رداءة الأداء الخطابي عند رونالد ريغان، أو جورج بوش الأب، أو بيل كلنتون، أو جورج بوش الأبن، أو أوباما نفسه… وحين ألقى خطبة استلام جائزة نوبل للسلام، خريف 2009، انتهى فحوى «العقيدة» إلى خلاصات أبسط، مثل هذه مثلاً: الحرب ضرورية من أجل السلام، وثمة حروب عادلة من الطراز الذي تخوضه بلدي في أفغانستان وفي العراق؛ وإني، وإنْ شاركت أمثال نلسون مانديلا ومارتن لوثر كنغ وآنغ سان سو كي في حمل جائزتكم الرفيعة، لآتٍ بالسلام عن طريق الحرب وحدها، حتى إشعار آخر؛ وما كنتم ستمنحوني الجائزة هذه لولا أنني رئيس القوّة الكونية الأعظم، القائد الأعلى لجيوشها الجرّارة التي تنتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وآمِر حربها وسلامها… ولم تكن قد أزفت، بعد، أطوار مباركة البربرية الإسرائيلية في غزّة؛ واصطياد الخصوم بطائرات من دون طيار، في اليمن والصومال والباكستان وأفغانستان؛ وقصف البشر كيفما اتفق، في العراق وسوريا، تحت لافتة محاربة «داعش».
وفي مواقف عقيدة أوباما إزاء «الربيع العربي»، لم تكن خافية طبيعة التحركات التي قام بها مبعوثون للبيت الأبيض، من أمثال وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، ووزير الدفاع روبرت غيتس، ورئيس أركان القوات المسلحة الأدميرال مايكل مولن، ومساعد وزيرة الخارجية جيفري فلتمان، والسفير روبرت فورد… وهؤلاء لعبوا، في تونس ومصر واليمن والبحرين والسعودية بصفة خاصة، ثمّ في سوريا بعدئذ، سلسلة أدوار مباشرة لم تكن تهدف البتة إلى الوقوف على الحياد إزاء الإنتفاضات المشتعلة، فكيف بمساندتها. كلّ هذا قبل أن يختار النظام السوري، بمساندة وإقرار من موسكو وطهران، العنف الأقصى، والأسلحة كافة، لكسر الحراك الشعبي؛ على مرأى ومسمع أوباما، صاحب «الخطّ الاحمر» الكيميائي الشهير.
«تسأل عن عقيدة أوباما. العقيدة هي التالية: سوف ننخرط، ولكننا نحتفظ بكلّ إمكانياتنا»، يقول الرئيس الأمريكي، في حواره مع فريدمان. لكنها، في رأي هننغر، عقيدة تحويل حكمة تيدي روزفلت (تحدّثْ بنعومة، واحمل عصا ضخمة)، بحيث تصبح هكذا: تحدّثْ بنعومة، وتظاهر بأنك تحمل عصا ضخمة، لا يكون في نيّتك استخدامها! وبين هذه وتلك، أو سواها، لا عزاء لـ«الحلفاء السًنّة»… حتى يشاء الله!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

صبحي حديدي

القدس العربي