تحرير كوباني والصراع السياسي على ثمراته

38

يشكل تحرير بلدة كوباني الكردية، في أقصى الشمال السوري على الحدود مع تركيا، أول هزيمة عسكرية كبيرة لتنظيم الدولة على الأراضي السورية. وتتحدث تقارير صحافية عن انتقال «قوات حماية الشعب» الأوجلانية الولاء، بمؤازرة البيشمركة البارزانية، إلى الهجوم في القرى القريبة من كوباني الواقعة تحت سيطرة داعش.
هذا تحول مهم في الإطار الكردي، وإن كان تفصيلاً صغيراً في إطار الحرب الدولية على الدولة الإسلامية. فهذه الحرب ميدانها واسع يمتد على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية والسورية، ولا يمكن تحقيق تقدم مهم فيها قبل إيجاد حلول لمشكلات سياسية كبيرة في البلدين: مشكلة التمثيل السياسي للسنة ومشاركتهم في الحكم، والوضع القانوني لمدينة كركوك والنزعة الاستقلالية لدى كرد العراق من جهة، وتغيير النظام الكيماوي في دمشق كمقدمة لا بديل عنها لوقف الحرب الأصلية التي بدأت قبل ظهور داعش بسنوات. ووراء مجموع هذه المشكلات تبرز مشكلة الدور التخريبي لإيران عبر الاقليم الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن والبحرين وغيرها من مناطق النفوذ الامبراطورية. ويتوقف وضع ترتيب جديد للقوى ومناطق النفوذ في هذا الاقليم المنكوب، بطريقة غير مباشرة، على مصير المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية الست.
بعيداً عن هذه التعقيدات الاقليمية – الدولية الكبيرة، تبدو فرحة الكرد بتحرير كوباني كما لو كان هذا منعطفاً بارزاً في رحلة الاستقلال الكردي عن الدول المحيطة بهم، أي تركيا وسوريا والعراق وإيران. لا يقلل من هذه الفرحة حجم الدمار الذي لحق بالبلدة الصغيرة فباتت غير قابلة للعيش فيها، ولا التنمر المحتمل لحزب الاتحاد الديمقراطي بوصف القوات المسلحة التابعة له القوة الرئيسية التي قاومت هجوم داعش ثم حققت التحرير. الأهم من كل ذلك هو الحظوة التي حصل عليها الكرد – عموم الكرد – لدى «المجتمع الدولي» إياه الذي يشعر سائر السوريين بخذلانه لهم وتجاهله لمأساتهم الفظيعة المستمرة منذ أربع سنوات.
هذا التفاوت الحاد في الحظوة الدولية، إضافة إلى مسالك الشركاء المحليين في التعاطي مع مأساة كوباني، من المحتمل أن يؤسسا معاً لمزيد من الانفصال النفسي للكرد عن جيرانهم العرب في سوريا والأتراك في تركيا. هذا الانفصال الذي كان موجوداً بالفعل منذ سنوات، بسبب أحداث مأساوية كبيرة أخرى (حلبجة والأنفال في العراق، انتفاضة 2004 في سوريا) سيتعزز اليوم أكثر في ظل شروط الحظوة الدولية المذكورة، مما يرفع من منسوب الآمال الكردية في الاستقلال السياسي.
هذه الوضعية الموصوفة دفعت رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان إلى التعبير الصريح عن استيائه من تحرير البلدة، ومن انعكاساته المحتملة على الداخل التركي. فالانتخابات البرلمانية على الأبواب، ويخشى أردوغان أن ينجح الممثل السياسي الرئيسي للكرد، حزب الشعوب الديموقراطي، في التحدي الذي طرحه على نفسه بتجاوز حاجز العشرة في المئة من أصوات الناخبين ودخول البرلمان كحزب (وليس كمرشحين مستقلين) للمرة الأولى في تاريخ تركيا وتاريخ الحركة السياسية الكردية فيها. الأمر الذي قد يشكل ضربة موجعة لأحلام أردوغان بتمرير دستور جديد يؤسس لنظام رئاسي كامل يجمع بين يديه كل خيوط السلطة.
ومن جهة ثانية، بوصف أردوغان الممثل الأول للمصلحة القومية التركية والدولة التركية، فقد عبر صراحةً عن خشيته من ظهور كيان كردي في الشمال السوري على غرار الاقليم الفيدرالي في كردستان العراق، تكون القوة المسيطرة فيه، فوق ذلك، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. الأمر الذي من المحتمل أن يزيد من قوة شريكه اللدود في مشروع الحل السياسي للمشكلة الكردية، وأن يرفع سقف الطموحات الكردية في تركيا وصولاً إلى المطالبة بوضع قانوني جديد كالحكم الذاتي أو الفيدرالية. على الجانب الآخر من الحدود، يعيش السوريون في جحيم الحرب المفتوحة ومتعددة الجبهات. ولم يعد هناك ممثل موحد للاجتماع السوري الذي تفكك إلى حد كبير. فالدولة المركزية تقلصت حدودها كثيراً وفقدت قيمتها ومشروعيتها كقطب موحد للسوريين، حتى لو كان ذلك بواسطة نظام دكتاتوري دموي. والثورة السورية افتقدت منذ البداية إلى قيادة سياسية مركزية تشكل بديلاً عن النظام الساقط. أما الجسم السياسي الرئيسي للمعارضة، الائتلاف الوطني المعترف به دولياً، فهو يعاني من مشكلات بنيوية على رأسها فرط التجاذبات في داخله المعبرة عن المصالح المتنافرة للدول الداعمة. ويمكن القول أنه دخل في طور من الهزال الشديد قد يؤدي إلى تحلله. وفيما يتعلق بالموضوع الكردي، بخاصة، فشلت المعارضة السورية، قبل الثورة وفي أثنائها، في استقطاب المجتمع الكردي وحركته السياسية، كما في تفهم الخصوصية الكردية بمظلومياتها وتطلعاتها.
في امتحان كوباني، وقعت هذه المعارضة في الفخ التركي واتخذت مواقف متسقة مع مواقف الحكومة والرئاسة في تركيا. لا شك أن حجم النفوذ التركي في المجلس والائتلاف المعارضين، من خلال جماعة الإخوان المسلمين المحظية لدى حكم العدالة والتنمية، كان مؤثراً بهذا الصدد.
غير أن تحرير كوباني التي «انسحبت منها قوات الدولة الإسلامية لأنها باتت خراباً» كما أعلن إعلام التنظيم، سيفتح أيضاً السجال الداخلي الكردي – الكردي. منذ الآن ارتفعت أصوات، في الرأي العام الكردي، تحذر من تجيير حزب العمال الكردستاني للحدث لمصلحة أجندته الداخلية في تركيا. واقع الحال أن البيئة الاجتماعية – السياسية للكردستاني في تركيا تعاملت، منذ بداية حصار كوباني في أيلول/سبتمبر الماضي، كشأن داخلي كردي (تركي) وشهدت شوارع المدن التركية صدامات عنيفة، في 6-7 تشرين الأول/اكتوبر وخلفت أكثر من 14 قتيلاً، على خلفية الحرب في كوباني، للضغط على الحكومة التركية بموازاة الضغط الأمريكي. فكان أن سمحت الحكومة التركية بمرور البيشمركة عبر الأراضي التركية مع سلاحهم لمؤازرة المقاومة الكردية في كوباني.
مشاركة البيشمركة هذه، كما مشاركة فصائل من الجيش السوري الحر، حتى لو كان ذلك بأعداد رمزية، من شأنهما التخفيف من غلواء الكردستاني وفرعه السوري في احتكار النصر الذي ما كان ممكناً لولا الضربات الجوية لطيران التحالف الدولي والسلاح الذي أسقطته على كوباني الطائرات الأمريكية.

٭ كاتب سوري

المصدر : القدس العربي