تحقيق للمرصد السوري حول ملف “السمسرة” واستغلال ظروف المدنيين من قبل رموز وأزلام النظام لتحصيل ثروات على حساب أبناء الشعب السوري

المرصد السوري يجدد مطالبته بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات بحق المدنيين السوريين وتقديمهم لمحاكم دولية

يواصل النظام السوري عبر أركانه وأزلامه وشخصياته النافذة، وبشتى الأساليب والطرق، تحصيل المزيد من الأموال وجمع الثروات على حساب السوريين، مستغلاً حاجتهم المتعددة مثل الخروج من سوريا عبر طرق تهريب رسمية أو “غير شرعية” واستخراج جوازات للسفر أو الكشف عن مصير المعتقلين وغيرها، حيث يقوم “سماسرة” يتبعون غالباً للنظام السوري بإيقاع المدنيين في شباكهم وسرقة أموالهم بحجة تقديم هذه الخدمات لهم.

استثمار طموح الشباب بالبحث عن واقع أفضل
يستثمر النظام السوري حركة الهجرة التي بدأت تتزايد خلال الآونة الأخيرة للمدنيين ضمن مناطق سيطرته الذين ينشدون حياة أفضل في دول أوروبا ودول عربية بسبب الأحوال المعيشية الصعبة التي وصلت إليها مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له، حيث يقوم “سماسرة” يتبعون للنظام باستغلال حاجة المدنيين الراغبين بالهجرة ولاسيما من فئة الشباب ليسرقوا منهم الأموال بحجة استخراج الجواز للهجرة بشكل رسمي أو تأمين طرق للهجرة بشكل “غير شرعي”.
الهجرة بحراً إلى “قبرص” عبر القوارب عن طريق البحر هو واحد من بين العديد من طرق الهجرة “الغير شرعية” التي يقع فيها السوريون ضحية “للسماسرة” المرتبطين بالنظام السوري وأجهزته الأمنية، حيث تنشط الرحلات البحرية عبر سواحل مدينة طرطوس باتجاه “قبرص” وبتكلفة قد تصل لنحو 2000 دولار أمريكي، وبغطاء وتغاضي من قبل أجهزة النظام الأمنية التي تحصل على القسم الأكبر من عائدات هذه الرحلات البحرية، وبدورها تقوم قوات خفر السواحل القبرصية بإلقاء القبض على الكثير من المهاجرين وإعادتهم.
أما عن طرق التهريب البرية فتنشط حركة المهربين إلى مناطق الشمال السوري التي تعد الوجهة الأبرز إضافة لوجهات أخرى مثل دولتي الأردن ولبنان.
ويتعاون سماسرة ومتنفذين لدى قوات النظام السوري مع المهربين في مناطق الشمال السوري لتأمين طرق تهريب للمدنيين بتكاليف مرتفعة جداً قد تصل لنحو 3500 دولار أمريكي وتختلف ما بين المرأة والطفل والرجل، و يكمن دور المتعاونين بتأمين الطريق للمدنيين الهاربين وضمان عدم توقيفهم عبر الحواجز التابعة لقوات النظام والميليشيات المساندة له أثناء رحلة الطرق باتجاه المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في الشمال السوري، وغالباً ما يتم تقاسم تكلفة التهريب بين المهرب والشخص الذي يقوم بتأمين الطريق من جهة مناطق النظام بعد وصول الهاربين إلى مناطق الشمال السوري، ويفضل البعض أيضاً ممن يملكون القدرة المالية مواصلة طريقهم باتجاه تركيا ومنها إلى دول أخرى مثل دول الاتحاد الأوروبي أو دولة بيلاروسيا أو دول عربية، وذلك بتنسيق مع ذات المهربين في غالب الأحيان.
كما وتعد دولة مصر العربية على قائمة أكثر الدول التي يطمح لها السوريون ضمن مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له بالتوجه إليها نظراً لحسن استقبال الشعب المصري للسوريين وانخراط السوريين في سوق العمل، ويأتي بالدرجة الثانية إقليم “كردستان العراق” فهو وجهة أخرى يقصدها السوريين، حيث يستغل “السماسرة” هذه الرغبة في الهجرة بطرق شرعية لكل من مصر و إقليم “كردستان العراق” لسرقة الأموال بمبالغ كبيرة بحجة تأمين تأشيرات سفر لهم حيث يتم استخراج هذه التأشيرات من مكاتب سياحية عبر جواز السفر السوري بتكلفة تتراوح مابين 700 إلى 1200 دولار أمريكي.
استخراج جواز السفر أيضاً هو باب آخر “للسماسرة” في مناطق سيطرة النظام، حيث تشهد دوائر الهجرة والجوازات التابعة للنظام أزمة تكمن في العدد القليل من الجوازات التي تستخرج للمدنيين مقارنة بالأعداد الكبيرة من المدنيين المتقدمين للحصول عليها وتبرر حكومة النظام تأخرها في استخراج الأعداد الكافية من الجوازات بشح المواد الأولية التي تصنع منها الجوازات بسبب ما تصفه “بالحصار” الذي يفرض عليها من المجتمع الدولي، وعمدت مؤخراً إلى فتح منصة عبر الإنترنت تمكن المدنيين من التسجيل على دور لاستخراج جواز السفر تجنباً لحدوث طوابير أمام مباني ومراكز الهجرة والجوازات.
وبحسب مدير إدارة الهجرة والجوازات التابعة لحكومة النظام اللواء” خالد سليم حديد”، فإن حكومة النظام تفرض رسوم مالية تقدر بنحو 50 ألف ليرة سورية عن الجواز العادي لمن هم داخل سوريا و 75 ألف ليرة سورية عن الجواز المستعجل، بينما تفرض مبلغ 300 دولار أمريكي عن الجواز العادي لمن هم خارج سوريا و مبلغ 800 دولار أمريكي عن الجواز المستعجل.
لكن في المقابل يشتكي المدنيون من تأخر استخراج الجوازات ما يدفعهم للتوجه “للسماسرة” الذين يأخذون مبالغ كبيرة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة ملايين ليرة سورية مقابل تسريع الدور واستخراج الجوازات خلال فترة قصيرة جداً ويضطر الكثير لدفع هذه المبالغ الكبيرة رغبة منهم بالخروج والخلاص من الواقع المعيشي الصعب الذي تعاني منه جميع مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له.
ويتحدث ( س.م) من منطقة ريف إدلب الجنوبي ويقيم في الشمال السوري للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً، أنه يعمل في موضوع تسيير أوراق ثبوتية في الشمال السوري ويتعاون معه العديد من “السماسرة” ضمن مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له، حيث يقوم بشكل دائم عن طريقهم باستخراج جوازات سفر وكشوفات لعلامات الدراسة وغيرها من الأوراق مقابل دفع مبالغ مالية.
ويضيف، أن “السمسارة” يكون دوره في متابعة استخراج هذه الأوراق المطلوبة بأسرع وقت ممكن بمساعدة موظفين يقدم لهم الرشاوي المالية، مؤكداً أن “السماسرة” يجنون أرباحاً كبيرة في عملهم هذا واستغلالهم لحاجة السوريين للحصول على جوازات السفر أو أي أوراق ثبوتية أخرى.
ويلفت إلى أن هناك الكثير من الموظفين في الدوائر الحكومية يتعاونون مع السماسرة الذين يدفعون لهم الرشاوى المالية لتسهيل استخراج هذه الأوراق الثبوتية، فهو لوحده يقوم شهرياً بإستخراج عدة جوازات سفر عن طريقهم والعديد من الأوراق الأخرى التي تبدأ أسعارها بنحو 300 دولار أمريكي لتصل لأكثر من 1500 دولار، علماً أن هناك الكثير في الشمال السوري يعملون بذات المهنة، ويتضح أن هناك نوع من التنسيق بين “السماسرة” والمسؤولين في حكومة النظام وان هناك شبكات “سمسرة” تجمعهم.

ذوي المعتقلين ضحية سماسرة النظام
وفي طريقة أخرى لملء جيوب ضباط النظام ومسؤوليه يعمل الكثير من “السماسرة” على استغلال رغبة ذوي المعتقلين بالكشف عن مصير أبنائهم أو زيارتهم أو إطلاق سراحهم، فلم تكتف الأجهزة الأمنية التابعة للنظام بممارسة سياسة الاعتقالات التعسفية بحق المدنيين، بل عملت مؤخراً على نشر “السماسرة” التابعين لها للتواصل مع ذوي المعتقلين في السجون وعرض المساعدة عليهم في تأمين إطلاق سراح أبنائهم أو الكشف عن مصيرهم مقابل مبالغ مالية كبيرة مستغلين مشاعرهم.
ويتنوع أشكال هؤلاء “السماسرة” ما بين مدنيين متنفذين لدى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام وضباط برتب مختلفة في صفوف قوات النظام، بل إن من بينهم قضاة ومحاميين متعاونين مع الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، وقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مؤخراً قصصاً لعشرات الناجين والناجيات من سجون النظام وكانت غالبيتها تنتهي بإطلاق سراح المعتقل بعد دفع ذويهم مبالغ كبيرة من المال للقضاة والمحامين و”السماسرة” كرشاوي لأجهزة الأمن التابعة للنظام من أجل تسريع إصدار قرارات إخلاء السبيل.

آخر ما سمعنا عنه أنه اعتقل بسبب محاولته الانشقاق
وفي شهادته للمرصد السوري لحقوق الإنسان يتحدث (ع.ع) ” 60 عاماً” من مدينة حماة ويقيم في تركيا قائلاً، إن أحد أبنائه اعتقل على يد أجهزة المخابرات السورية في العام 2012 أثناء محاولته الانشقاق عن جيش النظام حينما كان يؤدي “الخدمة الإلزامية” في دمشق، وانقطعت أخباره منذ ذلك اليوم ولم تصل أي معلومة عنه لدرجة أنه تم إقامة عزاء له.
مضيفاً، أنه وأثناء وجوده في مدينة حماة وقبل خروجه لتركيا حاول التواصل مع ضباط ومسؤولين لدى قوات النظام و”الأجهزة الأمنية” ودفع مبالغ كبيرة لمعرفة مصيره لكن دون فائدة وكل ما علمه أنه اعتقل على يد قوات النظام بعد محاولته الهروب من مكان تأديته “للخدمة الإلزامية”
ويوضح بأنه دفع مبالغ مالية عدة مرات لأشخاص متنفذين لدى قوات النظام و”أجهزته الأمنية” وتقدر المبالغ التي دفعها بأكثر من ثلاثة ملايين و600 ألف ليرة سورية، ورغم ذلك لم يتمكن من معرفة مصير ابنه حتى اللحظة ولكنه فقد الأمل بعودته ويجزم بأنه قد قتل بعد هذه المدة الطويلة من غيابه.
ويحذر بدوره جميع ذوي المعتقلين من عدم الانجرار خلف “السماسرة” والضباط التابعين للنظام ودفع المال لمعرفة مصير المعتقلين فهم يتخذون من هذا الملف مصدر للتمويل وجمع الثروات فقط ولا يعنيهم أبداً مساعدة المدنيين في الاطمئنان على حياة أبنائهم.

أسباب انتشار هذه الظاهرة..
وعن الأسباب التي ساهمت في انتشار ظاهرة “السمسرة” ضمن مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له، تشير مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى أن النظام أساساً هو من يدير هذه الشبكات من “السمسارة” عن طريق ضباط ومسؤولين وقد عمد لهذا الأسلوب في ابتزاز المدنيين واستغلالهم وسرقة أموالهم لعدة أسباب من أبرزها العجز المالي الذي لحق به طيلة السنوات الماضية من الحرب والتي أضعفت اقتصاده وتراجع لحد كبير.
كما أن هناك نوع آخر من “السماسرة” الذين لا يعملون تحت مظلة النظام وقد امتهنوا هذه المهنة لجمع الأموال في ظل غياب الدور الرقابي والفلتان الأمني وسهولة الوصول للضحايا الذين يقعون في مصيدتهم، إضافة لذلك سهولة الإيقاع بالضحايا الذين هم أساساً يبحثون عن من يقدم لهم هذه الخدمات ومستعدين لدفع الأموال.
يضاف إلى أن اتساع نطاق العمل عبر الانترنت في سوريا كان له دوراً هاماً في سهولة عمل هؤلاء “السماسرة” لاسيما عبر منصة “فيسبوك”، ولكن في جميع الأحوال هناك ضباط ومسؤولين وموظفين يتعاونون مع هؤلاء السماسرة ولولاهم لما استطاعوا أساساً العمل وبكل تأكيد فإنهم أيضاً يحصلون على الحصة الأكبر من هذه الأموال.
يجدر الذكر أن هناك العديد من الأساليب والطرق الأخرى التي يتبعها النظام في سبيل سرقة جيوب السوريين واستغلال أوضاعهم، فضلاً عن موضوع فرض الضرائب والإتاوات المالية التي شملت مؤخراً كل شيء يستخدمه أو يستفيد منه المدنيون ضمن مناطق سيطرته ويصب كل ذلك في مصلحة المسؤولين لدى النظام لجمع المزيد من الثروات على حساب مأساة السوريين وأوجاعهم.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، يحذر من تداعيات تصاعد الأزمات المعيشية والفوضى المصحوبة بالانفلات الأمني ضمن مناطق نفوذ النظام، في ظل تعنت نظام بشار الأسد بالسلطة وهو المتسبب الرئيسي بما آلت إليه الأوضاع ليس فقط ضمن مناطق نفوذه بل في عموم الأراضي السورية، وعليه فإن المرصد السوري يجدد مطالبته للمجتمع الدولي بإيجاد حلول جذرية تقي المدني السوري من سلسلة الكوارث التي تعصف بحياته اليومية وضمان انتقال سلمي للسلطة، ومحاسبة رموز النظام وجميع قتلة أبناء الشعب السوري.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد