المرصد السوري لحقوق الانسان

تخليداً لذكرى مذبحة جميلة

لا يجوز أن نقارن أنفسنا بالدول والشعوب المتقدمة، لسبب بسيط، وبديهي: هم متقدّمون ونحن متخلفون، هم يحترمون الإنسان “الفرد”، ويفعلون كل شيء لإسعاده، ونحن نقدّس الجماعة ونضحّي بالأفراد. هم يفكرون بالحاضر والمستقبل، ويبنون المؤسسات التي تضمن لهم ولأبنائهم حياة طيبة، وآمنة، ونحن ممعنون في تقديس الماضي، نعود إليه دائماً، ننفض عنه الغبار، نتجادل، ونتناقش، ونقتتل، ونتذابح من أجله، فلا نحصد من ذلك سوى الغبار والسعال والدماء. 
تكاد سجلاتنا التاريخية أن تكون خلواً من أيام السعد، والانتصارات، والاختراعات العلمية، والإنجازات التي تستحق أن نعتبرها أعياداً وطنية، ونسمي شوارعنا ومنشآتنا بأسمائها.. وكلما راجعنا تاريخ الشخصيات (أو الرموز) التي مجّدتها كتبُنا التاريخية والمدرسية، وتعمقنا في دراستها، يخيب أملنا ببعضها، ويبقى وضع بعضها الآخر ملتبساً، محيراً، ولا يصمد منها في وجه التاريخ إلا القليل.
لهذا ترانا نهتم بتواريخ المجازر، والخيبات، والنكسات: ذكرى وعد بلفور المشؤوم، ذكرى اتفاقية سايكس بيكو، ذكرى سلخ اللواء، ذكرى تقسيم فلسطين، ذكرى نكسة حزيران، ذكرى ضم الجولان إلى إسرائيل، ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا.. مجزرة الساعة، مجزرة البيضا، مجزرة التريمسة، مجزرة معسكر الطلائع، إضافة إلى احتفائنا بتواريخ اغتيالات شخصيات مهمة نفذها حزب الله، أو مخابرات حافظ الأسد ووريثه في سورية ولبنان.
على سبيل المثال؛ يحفل شهر واحد، هو مايو/ أيار الحالي، بأربع ذكريات حزينة. ففي اليوم الأول منه نشارك شعوب العالم احتفالاتها بعيد العمال الذين قتلوا في شيكاغو في 1886، تأتي بعده ذكرى شهداء 6 مايو التي عُلق فيها الرجال الوطنيون بأعواد المشانق في دمشق وبيروت بأمر من جمال باشا الذي لقبوه بالسفاح، وفي 29 مايو 1945 هاجمت قوات الانتداب الفرنسي البرلمانَ السوري، وقتلت عناصرَ الشرطة المتواجدين لحمايته، وعددهم 28 (أسماؤهم مكتوبة في مدخل وزارة الخارجية والمغتربين السورية الحالية).. ولا شك أن مجموع ضحايا مجزرتي شيكاغو وحامية البرلمان أصغرُ من أصغر مجزرة ارتكبها حافظ الأسد أو شقيقه رفعت أو وريثه بشار أو سهيل الحسن بحق أبناء الشعب السوري خلال نصف قرن.
في 25 مايو/ أيار 2012 ارتكب جيش بشار الأسد وشبيحته مجزرة رهيبة في بلدة تَلْدَوْ، الواقعة إلى الغرب من مدينة حمص بمنطقة اسمها الحولة، قتلوا خلالها 108 أشخاص بينهم 49 طفلا رمياً بالرصاص، أو ذبحاً بالسكاكين.
على إثر مهاجمة البرلمان السوري وقتل حاميته، اندلعت في دمشق وحمص وحماة واللاذقية مظاهرات احتجاج كبيرة، سارع الجيش الفرنسي لقمعها بشراسة، ووقتها تدخل رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل، وطلب من الجنود الفرنسيين العودة إلى ثكناتهم، وهذا ما حصل. وبدأت على إثرها مفاوضات بريطانية فرنسية سورية، أدت إلى الجلاء في السابع عشر من إبريل/ نيسان 1946. وأما مذبحة تلدو/ الحولة، فلم يتدخل أحد من أجلها من العالم كله، ولم نشاهد، نحن السوريين المفجوعين، سوى تصريحات للمنظمات الإنسانية تدين النظام السوري لإقدامه على قتل المدنيين، ثم ظهر موظف صغير في وزارة الخارجية السورية، اسمه جهاد مقدسي، على شاشة التلفزيون المحلي، ليمثل بجثث الشهداء المذبوحين بقوله إن “عصابات إرهابية مسلحة” كانت تتنقل من بيت إلى بيت، وتقتل الرجال والنساء والأطفال!
ما عدنا نعرف كم من السنين مرّت علينا ونحن نموت، بالأصح نُقْتَل، ونستغل، ونستعبد، ولكننا لا نتغير. لم نفعل شيئاً يستحق الذكر من أجل إلغاء المشانق من حياتنا، بل كنا نرحب بها ونهتف: “أهلاً بأرجوحة الأبطال”. لم نسع حتى الآن إلى إيجاد نظام سياسي يحترم الفرد ويحرص على سعادته، ويلغي، من ثم، الاعتقال والتعذيب والإذابة بالأسيد لمنع الرأي.. أبداً، بالعكس، نحن الذين تبنينا أنشودة “يا ظلام السجن خيم، إننا نهوى الظلاما”، وكان آخر شعار رفعناه: الموت ولا المذلة، فتحققا لنا معاً، الموت والمذلة.

 

 

 

 

 

الكاتب:خطيب بدلة – المصدر: العربي الجديد 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول