ترامب بعد استقالة ماتيس

51

لم يكن إعلان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس استقالته مفاجئاً. يعرف المتابعون للشؤون الأميركية أنه يختلف مع الرئيس ترامب بشأن بعض اتجاهات السياسة الدفاعية، وكان الخلاف على السياسة التي ينبغي اتباعها في سوريا واضحاً منذ أن أعرب ترامب للمرة الأولى عن رغبته في سحب القوات الأميركية منها آخر فبراير 2018، ثم أجل قراره بعد اجتماع عقده مجلس الأمن القومي برئاسته. وكان واضحاً أنه لم يصرف النظر عن رغبته في الانسحاب، وأن المسألة تتعلق بتوقيت اتخاذ القرار.
وقيل الكثير عن السبب الأساسي وراء اتخاذه هذا القرار الأسبوع الماضي. لذلك نركز هنا على الآثار المحتملة للانسحاب من سوريا واستقالة ماتيس، على وضع ترامب إزاء الحملات الداخلية المتزايدة ضده، والمحاولات المتواصلة لتضييق الخناق عليه، سعياً لعزله. والسؤال هو: هل تضعف هذه الاستقالة وذلك الانسحاب موقف ترامب الداخلي؟ 
صحيح أن ماتيس ليس أول مسؤول كبير في إدارة ترامب يستقيل أو يقال من منصبه، كما أن تغيير كبار المسؤولين فيها يكاد يصبح القاعدة فيها، لكثرة عددهم، لكن للسؤال أهميته من زاوية ارتباطه بحملة تشكيك جديدة في قدرة ترامب على الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة، بسبب الرسائل السلبية التي يوجهها قرار الانسحاب إلى حلفائها الذين يمكن أن يفقد بعضهم الثقة فيها، وإلى خصومها الذين قد يتجرأ بعضهم عليها. 
كما يعتقد بعض المراقبين أن استقالة ماتيس، والحملات المشككة في قدرة ترامب على إدارة السياسة الدفاعية الأميركية، تأتيان في الوقت الذي أصبح وضعه الداخلي أضعف من ذي قبل، وفق ما أوحت به تغريدة قال فيها قبل نحو أسبوعين ما معناه إن إطاحته ستدفع أنصاره إلى الثورة. ويربط مراقبون هذه التغريدة بتطورات حدثت منذ انتزاع الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب الشهر الماضي، واستبدال وزيري العدل والداخلية، ويستنتجون أن موقفه في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية صار أضعف. وذهب بعضهم إلى أن هذا الموقف سيزداد سوءاً لأن قراره الانسحاب من سوريا يدعم نفوذ روسيا المتهم بالاستفادة من تدخلها في الانتخابات الرئاسية، خصوصاً في ضوء خلافه مع ماتيس الذي يرى أن هذا الانسحاب خطأ استراتيجي يحقق ما تريده موسكو وطهران، وليس أنقرة فقط. 
غير أن تأمل التطورات الراهنة في قضية التدخل الروسي في الانتخابات، وآخرها إحالة مايكل كوهين، المحامي السابق لترامب إلى المحكمة، بعد إدانة مستشاره السابق جورج بابا دوبولوس، ومدير حملته السابق بول مانافورت، ومستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين، ربما يقود إلى استنتاج مختلف. فهذه التطورات قد تزيد احتمال إنهاء التحقيقات من دون توجيه اتهام إلى ترامب شخصياً، بخلاف الاعتقاد في أنها تؤدي إلى العكس.
وتفسير ذلك أن التقليد المتبع في التحقيقات القضائية هو إرجاء توجيه الاتهامات إلى المتهمين، ومحاكمتهم، حتى نهاية القضية، إذا أراد المحقق الاستعانة بهم في دعم اتهامه ضد من يعتبره متهماً أول (ترامب في هذه الحالة). أما حين يُوجه الاتهام إلى أشخاص كان يُعتقد أنهم متهمون ثانويون، فقد يعني هذا أنهم المتهمون الأساسيون، وأنه لن يكون هناك متهم أكبر منهم يُستعان بشهادتهم ضده. وربما يكون هذا مؤشراً إلى أن المحقق الخاص في هذه القضية روبرت مولر لا يجد أسانيد كافية لتوجيه اتهام ضد ترامب، أو يعتقد بصعوبةِ إثبات مسؤوليته عن المخالفات التي دفعت إلى اتهامهم.
لذلك، ربما يكون موقف ترامب القانوني أقوى مما يُعتقد، مثله مثل موقفه السياسي، رغم الحملات غير المسبوقة ضده، وآخرها الحملة التي تنطلق من قراره الانسحاب من سوريا، واستقالة ماتيس على أثره، للتشكيك في سلامة إدارته السياسة الدفاعية، والإيحاء بأنها تخدم مصلحة روسيا المشكوك في طبيعة علاقته معها، وحليفتها إيران. وفضلاً عن أنه لدى ترامب ما يحاجج به في الدفاع عن رغبته في الانسحاب الذي لن يقتصر على سوريا، بل سيشمل أفغانستان أيضاً، حيث لا مصلحة لروسيا الآن، فمن شأن هذا الانسحاب أن يعزز موقفه لدى من انتظروا تنفيذ وعده الانتخابي بإعادة الجنود الأميركيين من الخارج. 
وهكذا، لا يبدو أن ترامب اليوم في موقف أضعف من ذي قبل، لكن من دون أن يعني هذا أنه صار في مأمن من المحاولات التي تهدف إلى توجيه اتهام ضده.

وحيد عبد المجيد
المصدر: الاتحاد