ترامب ووعد بلفور جديد

31

سياسة إدارة الولايات المتحدة تعيد إلى الأذهان دور بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور المشؤوم. فاليوم يشهد التاريخ وعد بلفور جديداً في الشرق الأوسط من خلال إدارة ترامب، والذي يتمثل باعتراف الولايات المتحدة بسيادة دويلة «إسرائيل» على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، والذي لا يختلف عن مضامين وعد بلفور بإعطاء من لا يملك من لا يستحق، وهي تكملة لما بدأه بعدما اعترف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل»، خارقاً بذلك كل القوانين والأعراف الدولية وقرارات الشرعية الدولية، وقد لقي رفضاً دولياً واسعاً، وخصوصاً من قبل كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.
برغم الاعتراف الدولي بدويلة «إسرائيل» والتي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المغتصبة، فإن احتلالها لمرتفعات الجولان في عدوان 1967 لم يحظَ بمشروعية دولية، وصدرت عدة قرارات من مجلس الأمن والأمم المتحدة تؤكد ضرورة الانسحاب منها، وأنها أرض عربية سورية؛ لأن الاحتلال لا يعطي الحق بالاستيلاء على الأرض، بل إن هذه القرارات تؤكد أن كل إجراءات الاحتلال باطلة، على الرغم من أنها اتخذت قراراً بضمها ووضعها تحت سيادتها في العام 1981.
ولكن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الجولان تحت السيادة «الإسرائيلية»، يمثل سابقة خطِرة وفجّة في خرق القوانين الدولية اذ أن لمرتفعات الجولان أهمية استراتيجية كبيرة في المنطقة، وللأسف يوجد فيها اليوم أكثر من 30 مستوطنة «إسرائيلية»، يعيش فيها أكثر من 20 ألف مستوطن يهودي. وللعلم فإن هناك قرى عربية سورية ما زالت قائمة ويسكنها حوالي عشرين ألف مواطن رفضوا الجنسية «الإسرائيلية»، وما زالوا يتمسكون بجنسيتهم العربية السورية، بل هم يقاومون الاحتلال بشتى الأشكال المتاحة.
ومنذ اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لدويلة «إسرائيل» والشرق الأوسط في تغيرات دائمة، و«صفقة القرن» التي يدعي الرئيس الأمريكي أنها من أجل حل القضية الفلسطينية ما هي إلا بداية لسلب حقوق الشعب الفلسطيني، وها هي نتائجها تتمخض بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، وبالجولان تحت السيادة الصهيونية.
واشنطن تحت ادارة لا تراعي مصالح الولايات المتحدة كما تراعي مصالح دويلة «إسرائيل»، بل إن مصالح «إسرائيل» تتقدم على مصالح الولايات المتحدة وشعبها، ولهذا تعيش الولايات المتحدة في عزلة دولية؛ بسبب القرارت غير الشرعية التي يتخذها ترامب. كما أدت هذه القرارات إلى التوتر في المنطقة والتأثير في الأوضاع السياسية، ما يمثل تهديداً حقيقياً للاستقرار والسلام في منطقة الشرق الأوسط، واليوم بهذا الاعتراف فإن إدارة ترامب تمهد لقيام دولة «إسرائيل الكبرى» على الأراضي العربية.
تشهد منطقة الشرق الأوسط، ومنذ عقود، تغيراً في التوازنات ومراكز القوى، وللأسف تحاول «إسرائيل» أن تغنم أي فرصة لأطماعها التوسعية وتحقيق حلم ما يسمى «أرض الميعاد»، وهي الأرض التي تمتد من النيل إلى الفرات. وعلى الرغم من كل ما تشهده الدول العربية من صراعات وضعف، فإن القرارات الأمريكية التي تواجه بالرفض المطلق من العرب والعالم لن تتمكن من فرض الأمر الواقع على المنطقة؛ لأن القوة لم تتمكن يوماً من الانتصار على الحق، ولدى الشعوب العربية الكثير من الإرادة والعزم على الصمود والانتصار طال الزمان أم قصر.
ستبقى مرتفعات الجولان عربية بشعبها وأرضها وتراثها وأصالتها، وهذا الاعتراف الأمريكي المزيف لا يقدم ولا يؤخر، وهي ستبقى عربية سورية وليست من ممتلكات الرئيس الأمريكي كي يهبها لدويلة مصطنعة. فكل قراراته باطلة وملغاة وغير شرعية، والقرارات الأممية تؤكد ذلك، وحقائق التاريخ والجغرافيا تؤكد ذلك.
هل يا ترى سوف نرى في المستقبل القريب أراضي عربية أخرى يهديها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دويلة «إسرائيل»؟

سلطان حميد الجسمي
المصدر: الخليج

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.