ترامب يخذل حلفاءه

25

تتوالى بشكل متسارع مظاهر اتساع الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها. وحتى لو كان هذا التباعد معنوياً، إلا أن وصف الحلفاء له جاء مؤكداً أنه يخص حسابات استراتيجية في المقام الأول. 
قد يكون قرار الرئيس ترامب، بسحب القوات الأمريكية من سوريا، قد ألقى ضوءاً كاشفاً على هذا التباعد، والذي لم يقتصر رد فعله على الحلفاء، بل امتد إلى داخل الإدارة الأمريكية ذاتها، بتقديم وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس، استقالته، احتجاجاً على قرارات ترامب، والذي قال في خطاب استقالته: «إن قوة بلادنا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنظامنا الفريد القائم على التحالفات والشراكات».
كذلك اعتراض كل من ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، على تبرير ترامب، لقراره بالانسحاب من سوريا، بزعم أن الانتصار قد تحقق على تنظيم «داعش»، وتأكيد هذه الدول أن المعركة ضد «داعش» لم تنته بعد. وما أوضحته وزيرة الدفاع الفرنسية، عن وجود التحالف الدولي ضد «داعش»، والذي يضم دولاً عديدة، وأن هذا التحالف لم ينجز مهمته بعد، واعتراضها على قول ترامب: «إن القضاء على «داعش» قد تم». 
بل إن المبعوث الأمريكي للتحالف ضد «داعش» وهو بريت ماكجورك، أكد ضرورة بقاء القوات الأمريكية في سوريا لفترة أطول، لضمان تحقيق هدف هزيمة التنظيم. وما قاله وزير الدفاع البريطاني، من أن رونالد ترامب، كان مخطئاً في قوله أن تنظيم «داعش» في سوريا قد هزم. وإذا كان قرار الانسحاب من سوريا دون مشاورة الحلفاء المشاركين للولايات المتحدة في خطة الحرب على «داعش»، قد جاء بمثابة ضربة لتماسك دول التحالف، ومشاركتها لاستراتيجية واحدة تجاه مختلف الأحداث في العالم، والتي ترى أنها تمس أمنها القومي، إثر سلسلة طويلة من المواقف من الإدارة الأمريكية، التي بدت كأنها تضعف من التماسك التقليدي والتاريخي بين أمريكا وحلفائها، فإن مواجهة «داعش» بالذات، صارت تحتل أولوية لدى الحلفاء الغربيين خاصة في أوروبا، بعد أن تجاوز إرهاب التنظيم الحدود الإقليمية في الشرق الأوسط، متوغلاً داخل أوروبا. 
وحسب تقديرات برنامج جامعة جورج تاون لدراسات التطرف، فإن «داعش» نفذت في أوروبا وأمريكا الشمالية في عام 2015، أربعة عشر هجوماً، وفي 2016 اثني عشر هجوماً، وفي 2017 سبعة وعشرون هجوماً. وطبقاً لإحصاءات أوروبية، فإن التنظيم شن 15 هجوماً في 28 دولة من دول الاتحاد الأوروبي عام 2018. وقد تم إحباط 47 عملية ل«داعش» في المراحل الأولى من تخطيط التنظيم للقيام بها. وفي الوقت نفسه ألقت دول أوروبية القبض على 395 إرهابياً في العام الماضي. 
القرار الأمريكي الذي جاء بعد تصريحات لترامب، قال فيها: «إن على الآخرين أن يدفعوا تكلفة تحقيق الاستقرار في بلادهم»، هو تعبير عن تخلي الولايات المتحدة عن التزاماتها بالقيام بدور رئيسي في مواجهة الأعمال التي تهدد حلفاءها وأصدقاءها. وهو أيضاً يعكس التناقض في حساباته وتقديراته السياسية، التي يمكن أن تقوض ثقة الآخرين في مصداقية الولايات المتحدة والاعتماد عليها، وعلى سبيل المثال كانت الولايات المتحدة، قد اتخذت مواقف داعمة ل«قوات سوريا الديمقراطية» التي تمثل أكراد سوريا، وبعد أن نجح الأكراد في دحر «داعش» في سوريا، بينما يأتي القرار الأمريكي بمثابة طعنة في ظهر الأكراد، لأنه يتيح الفرصة أمام تركيا لتشديد عملياتها العسكرية ضدهم، وهو ما كشفت عنه الحكومة التركية صراحة. وما أعلنه وزير الدفاع التركي -عقب قرار ترامب – مشيراً إلى أكراد سوريا، بأنه سيتم دفنهم في الخنادق التي حفروها في مناطقهم. ويلاحظ أن صحيفة «حرييت» التركية، نشرت أن ترامب، اتخذ قراره بعد مكالمة هاتفية مع أردوغان. 
إن الحلفاء ما زالوا يكتوون بنار إرهاب «داعش»، وهناك اتفاق بين الخبراء المتابعين لسلوكيات التنظيم، بأنه عابر للحدود، وأنه إذا كان قد تلقى ضربات قلصت من وجوده في سوريا، فإنه يسعى للزحف خارجها إلى مناطق أخرى يواصل فيها إرهابه، مثلما حدث في ليبيا على سبيل المثال، من انتقال أعداد منهم من الذين كانوا في سوريا والعراق، إلى الأراضي الليبية. والذين تنهال عليهم وسائل الدعم من تركيا وقطر. وبالتالي، فإن قرار ترامب، جاء مخالفاً للحقيقة، بل إنه يدعم المستفيدين من إرهاب «داعش» وعلى رأسهم تركيا، بأطماعها المعلنة في أراض داخل سوريا.

عاطف الغمري
المصدر: الخليج