تركيا ترحّل لاجئين… عائلات سورية تتمزّق

مؤخّراً، ارتفعت وتيرة ترحيل اللاجئين السوريين من تركيا، وباتت السلطات تستغلّ المخالفات، حتى تلك الصغيرة منها، كذريعة لترحيل اللاجئين إلى المنطقة التي ما زالت تشهد توترات عسكرية، من دون النظر إلى أوضاعهم العائلية أو المشاريع التي يخططون لها. خطوة اعتبرها كثيرون مقدمة لتقليص أعداد السوريين في البلاد قبيل الانتخابات البلدية والرئاسية عام 2023، وهذه رسالة يوجّهها الحزب الحاكم إلى جمهوره، الذي بات يشعر بأن السوري يقاسمه لقمة عيشه في ظل ارتفاع نسبة التضخم وتراجع قيمة الليرة التركية.

“عودة طوعية”
وترتكز مبررات ترحيل السوريين على تنقلهم بين الولايات التركية من دون إذن، إذ يحظر على السوري حامل بطاقة الحماية المؤقتة “كملك” التنقل بين الولايات من دون الحصول على إذن، وارتكاب مخالفات جزائية كالمشاركة في عراك أو نشر صور وتسجيلات مصورة تتضمن محتوى مخالفاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
في هذا الإطار، يقول السوري المرحّل أحمد خالد زيدان، الموجود حالياً في مدينة أعزاز (شمال سورية)، والذي كان يقيم في ولاية قيصري لـ “العربي الجديد”: “عشت سبع سنوات في تركيا، ورُحلت علماً أن بطاقة الحماية المؤقتة التي أملكها ما زالت صالحة، وذلك بعد القبض عليّ قادماً إلى مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا من دون الحصول على إذن سفر. حينها، نقلت إلى أحد مراكز الشرطة وأخبرتهم أثناء التحقيق معي أنني أتيت لزيارة عائلتي، لكنهم لم يتفهموا الأمر وأجبرت على الإمضاء على أوراق التنازل عن بطاقة الحماية المؤقتة ليتم ترحيلي إلى سورية لاحقاً”.
يضيف: “أُجبر الكثير من الذين اختير ترحيلهم على التوقيع على ما يسمى طلب العودة الطوعية”، لافتاً إلى أن “المرحلين  يعيشون في حدائق مدينة أعزاز بريف حلب، ويحاولون العودة إلى تركيا وخصوصاً أنهم تركوا أهلهم وأعمالهم هناك”. ويؤكد تعرّض أشخاص للضرب من قبل الشرطة التركية لرفضهم التوقيع على هذه الوثيقة، مطالباً السلطات التركية بالنظر في أوضاع السوريين قبل ترحيلهم، وخصوصاً أولئك الذين قد جُمعوا بأفراد عائلتهم في تركيا، أو بدأوا مشاريع تجارية بهدف الاستقرار في البلاد.

ويوضح زيدان أن جميع الذين رحلوا لم يرتكبوا مخالفات قانونية أو جرائم، وكانوا يملكون “الكملك”. وفي الوقت الحالي، يقضون أوقاتهم على الطرقات في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بسبب وجود جميع أقاربهم على الأراضي التركية أو خارج سورية منذ سنوات.
بدوره، يقول المرحّل عبد القادر علولو من مدينة دارة عزة بريف حلب الغربي لـ “العربي الجديد”: “وصلت إلى تركيا منذ نحو ست سنوات، وبدأت العمل فيها لإعالة عائلتي. وبعد مرور بعض الوقت، تزوجت في تركيا وزادت حاجتي إلى المال. وقبل نحو شهر، قُبضَ عليّ برفقة أحد أصدقائي من قبل الشرطة التركية من دون سبب، ونقلنا إلى سجن توزلا في ولاية إسطنبول، وبقينا نحو تسعة أيام قبل أن نجبر على التوقيع على ورقة العودة الطوعية ليتم نقلنا إلى الأراضي السورية لاحقاً”.
يضيف: “وجهت إلينا إهانات وتعرضنا للتعذيب لرفضنا التوقيع في البداية”، لافتاً إلى أن سبب ترحيله هو امتلاكه بطاقة حماية مؤقتة قديمة لم يجددها كما أمرت السلطات التركية، وطالب بالسماح له بالعودة لأن جميع أفراد عائلته في تركيا، وكان هو المعيل الوحيد لهم”.

لا إطار قانونياً

إلى ذلك، يقول الناشط الحقوقي الذي يعنى بشؤون اللاجئين السوريين في تركيا طه الغازي لـ”العربي الجديد” إن “صيغة التعاطي مع اللاجئين السوريين من قبل مديرية إدارة الهجرة ووزارة الداخلية التركية لا تستند إلى إطار قانوني ثابت، لأن نظام الحماية المؤقتة استحدث من قبل تركيا عام 2014، وما زال يفتقر إلى بعض المعايير القانونية التي تصون كرامة اللاجئ السوري على الأراضي التركية”. يضيف أنه “في

حال ارتكب اللاجئ السوري جناية على الأراضي التركية، فيتوجب على القضاء توقيفه ومحاسبته وفقاً للقانون الجزائي. لكن السلطات ترحّل اليوم هؤلاء المخالفين إلى مناطق سورية قد تعدّ خطرة، ما ينافي اتفاقية 1951 والبروتوكول الصادر عام 1967 اللذين ينصان على حماية اللاجئين، وقد وقعت تركيا عليهما”.

ويشير الغازي إلى أن تركيا تنسق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمفوضية الأوروبية وتعتبر السوري لاجئاً شرطياً، وغالباً ما تكون قرارات الترحيل لامركزية ولا تعتمد على أية صيغة قانونية، والمثال على ذلك أن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو صرّح أخيراً بأن الحكومة ستعيد النظر بإجازات العيد للسوريين، انطلاقاً من تصريحات أحزاب معارضة من دون الاستناد إلى أي مستند قانوني.

ويوضح الغازي أنه يحق للسلطات التركية، بحسب قانون العقوبات التركي، ترحيل أي شخص يهدد أمنها القومي، لكنها باتت تتخذ هذه الحجة ذريعة لترحيل السوريين، وقد راجع كثير من السوريين دوائر الهجرة عبر محامين، ففوجئوا بأنهم متهمون بتهديد الأمن القومي التركي، من خلال وضع كود يعرف بـ “G87” على ملفاتهم من دون إبلاغهم بأية تفاصيل إضافية.

بدوره، يرى رئيس تجمع المحامين السوريين غزوان قرنفل في حديث لـ “العربي الجديد” أن مرتكبي الجرائم الكبرى التي تعد إرهابية أو القتل أو المتاجرة بالمخدرات أو تهديد الأمن القومي يحالون إلى المحاكم بحسب القانون التركي، وقد يطلق القضاء سراحهم بكفالة أثناء فترة المحاكمة. وفي هذه الحالة، تعمد دائرة الهجرة إلى ترحيلهم، والترحيل لا يعني انتهاء المحاكمة، فقد يجد السوري الذي يعود إلى تركيا بعد ترحيله أن حكماً قد صدر بحقه، ومن ثم يقبض عليه مرة أخرى.

ويشير إلى أن معظم دول العالم تلجأ إلى ترحيل الأجنبي بعد انقضاء فترة محكوميته. لكن ما يتم في حالة السوريين هو استعجال دائرة الهجرة الترحيل، على اعتبار أن حكم الترحيل سيصدر حتماً إذا كان الجرم كبيراً. وترفض بعض المحاكم الترحيل في حال لم يكن الجرم كبيراً، وهذا الترحيل خاص بمرتكبي الجرائم فقط، بحسب قوله.
ويقول المسؤول الإعلامي لمعبر باب الهوى الحدودي مازن علوش لـ “العربي الجديد” إن عدد المرحلين يبلغ شهرياً نحو 1300 سوري، وقد وصل منذ بداية عام 2022 إلى 7700، لافتاً إلى أن إدارة المعبر لا تملك أية معلومات عن أسباب الترحيل. ويؤكّد في الوقت نفسه أن هذا الرقم محصور بمعبر باب الهوى فقط، وتجرى عمليات الترحيل بشكل مستمر من خلال المعابر الأخرى مع تركيا، إلا أن معظمها من باب الهوى.وبحسب المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية، فإن عمليات الترحيل تندرج في إطار قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458، ويطبق على الأجانب الذين ينتهكون الأسباب المنصوص عليها ضمن المادة 54 من القانون، أي الذين يشكلون خطراً على النظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة، ومديرو أو أعضاء أو مؤيدو منظمة إرهابية أو منظمة إجرامية هادفة للربح، وأولئك الذين يستخدمون معلومات كاذبة ووثائق مزورة في إجراءات الدخول إلى تركيا والتأشيرات وتصاريح الإقامة، والأشخاص الذين يحصلون على رزقهم بشكل غير قانوني أثناء إقامتهم في تركيا، والذين ألغيت تصاريح إقامتهم، والعمال الذين يعملون من دون تصريح عمل، وأولئك الذين يخالفون أحكام الدخول والخروج القانوني من تركيا، والذين يتبين أنهم قدموا إلى تركيا على الرغم من الحظر المفروض عليهم، والذين تم رفض طلب الحماية الدولية الخاص بهم.لكن القانون يستثني من قرار الترحيل الأجانب وحتى لو كان ضمن نطاق المادة 54، الذين لديهم مؤشرات خطيرة على أنهم سيتعرضون لعقوبة الإعدام أو التعذيب أو العقوبة أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة في البلد الذي سيتم ترحيلهم إليه، بالإضافة إلى الذين يشكل السفر خطراً عليهم بسبب مشكلات صحية أو غير ذلك، وأولئك الذين لا تتاح لهم الفرصة لتلقي العلاج في الدولة التي سيتم ترحيلهم إليها أثناء استمرار علاجهم من أمراضهم التي تهدد حياتهم، وضحايا الاتجار بالبشر الذين يستفيدون من عملية دعم الضحايا، وضحايا العنف النفسي والجسدي والجنسي حتى الانتهاء من علاجهم.
وأعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنّ تركيا أعادت لاجئاً سورياً بشكل غير قانوني إلى بلاده عام 2018، بعدما أجبرته على التوقيع على وثيقة تقول إنه يعود بمحض اختياره، وأمرت المحكمة ومقرها ستراسبورغ تركيا بدفع نحو 12250 يورو (12940 دولاراً) تشمل التكاليف والنفقات لمحمد فوزي العقاد، الذي فرّ من سورية إلى تركيا عام 2014، واعتقل أثناء محاولته عبور الحدود اليونانية في يونيو/ حزيران 2018.
وقالت المحكمة إنه نقل إلى إقليم هاتاي بالقرب من الحدود السورية، وتعرض لمعاملة غير إنسانية ومهينة بالإضافة إلى انتهاكات أخرى لحقوقه، وأرغم على التوقيع على وثيقة لم يفهمها، اتضح أنها وثيقة تنص على عودته بمحض اختياره، كما أشار إلى أن مسلحين في سورية اعتقلوه وضربوه لكن أطلق سراحه في ما بعد. وعاد إلى تركيا في يوليو/ تموز 2018 وتمكن بعد ذلك من السفر إلى ألمانيا.

المصدر: العربي الجديد