تركيا في قلب سوق الكوكايين العالمي الجديد.. وأسماء سوريّة ولبنانيّة في استيراد “الموز الملغوم”

لم يفلح تصريح وزير التجارة التركي محمد موش عن ضبط 1763 كيلوغراماً من الكوكايين في ميناء مرسين في طمأنة الأتراك، رغم تأكيده امتلاك الحكومة التركية “جميع البيانات المتعلّقة بمرسل المخدّرات المضبوطة في مرسين ومستلمها”، في وقت يشير تكرار حالات الضبط والتقارير المحلية والدولية إلى تموضع تركيا في مركز مسار عالمي جديد لنقل كوكايين أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط والقوقاز وأوروبا مروراً بالبلقان، وسط ورود أسماء شركات مملوكة من سوريين ولبنانيين ضمن لوائح الاستيراد الرسمية.
ووفقاً لـ”تقرير المخدرات العالمي لعام 2021″ الذي نشره مكتب الأمم المتحدة الدولي المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، فقد تصدرت تركيا الدول التي تم فيها ضبط أكبر كمية من الهيرويين بـ20 طناً. كما شكّلت دول تركيا وإيران وباكستان، التي سجلت أكبر عدد من مضبوطات الهيرويين، بحسب التقرير، أكثر من 48% من إجمالي السوق العالمية لهذه المادة عام 2019.
 
تركيا مركز تقليدي لتوزيع الهيرويين الأفغاني إلى أوروبا
تهيمن تركيا، التي تقع على مسار وصول الهيرويين الأفغاني إلى أوروبا، على سوق الهيرويين العالمي تقليدياً. بدءاً من عام 2006، شهدت عمليات ضبط مادة الهيرويين تصاعداً في تركيا، متجاوزة كمية 10 أطنان سنوياً من هذه المادة، لتبلغ العام الماضي 20 طناً.
ووفقاً للتقديرات الدولية فإن الكميات التي نجحت في المرور من دون كشفها تتجاوز على الأقل 5 أضعاف المضبوطة منها، ما يعني مرور أكثر من 100 طن من الهيرويين الأفغاني من تركيا إلى أسواق استهلاكها العام الماضي فقط.
ويعتبر “خط البلقان” أكبر طريق لتهريب الهيروين في العالم، حيث يتم تهريب المخدرات من أفغانستان إلى تركيا عبر إيران ومنها إلى وجهات مختلفة في غرب ووسط أوروبا عبر دول البلقان.
وبحسب تصريحات الصحافي التركي المتابع لملف المخدّرات في تركيا، جينكيز أردينج، لـ”النهار العربي”، فإن حركة التجارة في تركيا تتناسب طرداً مع كميات الإنتاج في أفغانستان، “فكلما زاد الإنتاج في أفغانستان تزيد كمية تجارة المخدرات في تركيا، وبالتالي الكميات المضبوطة منها”، كاشفاً أن أفغانستان سجلت رقماً قياسياً لإنتاج الأفيون عام 2017، الذي وصل إلى 8000 طن، وهو رقم يناسب لإنتاج ما بين 400-900 طن من الهيرويين.
ولعل أحد أبرز عوامل تصاعد تجارة المخدرات في تركيا منذ عام 2006، هو التعديلات القانونية التي جاءت بها حكومة العدالة والتنمية في حينه للمواد الخاصة بتبييض الأموال وتشكيل عصابات الجريمة المنظمة، ما ساهم في زيادة نشاط هذه التجارة المحظورة عالمياً.
 
الموانئ التركية في مركز المخدرات المضبوطة محلياً وعالمياً
ضبطت السلطات التركية في ميناء اسكندورن 1072 كيلوغراماً من مادة الكبتاغون (6.2 ملايين حب) في أيار (مايو) الماضي، وعلم “النهار العربي” من مصادر تركية أن الشحنة التي تم ضبط الحبوب فيها عائدة لمواطن سوري حاصل على الجنسية التركية من مواليد حماة ويدعى “هاشم ق.”.
وفي حزيران (يونيو) من العام الماضي، ضبطت السلطات الكولومبية 5 أطنان من الكوكايين على متن سفينة متجهة من ميناء بوينافانتورا في البلاد إلى ميناء مرسين التركي. وبعد هذه العملية بشهرين تم ضبط 540 كيلوغراماً من الكوكايين في ميناء يلبورت في ولاية كوجايلي التركية على متن سفينة قادمة من البرازيل. تبعها بعد شهرين ضبط 220 كيلوغراماً من الكوكايين في ميناء مرسين قادماً من البرازيل أيضاً. وفي أيار (مايو) الماضي ضبطت سلطات بنما 616 صندوقاً من مادة الكوكايين قادمة من ميناء في اكوادور تقوم شركة “يلبورت” التركية بتشغيله متجهة إلى تركيا أيضاً، داخل علب موز مستوردة لمصلحة شركة “تومي للأغذية” لصاحبها السوري المجنّس تركياً ناصر ت.، بحسب مصادر “النهار العربي”.
وبعد ضبط 1763 كيلوغراماً من الكوكايين في ميناء مرسين قادماً أيضاً من الميناء الإكوادوري الذي تشغّله الشركة التركية، ضبطت السلطات في الإكوادور 150 كيلوغراماً من الكوكايين أيضاً مع تطابق الجهة والميناء المرسل والمستقبل مع الشحنات السابقة.
وبحسب تحقيق صحافي مطول أجراه الصحافي التركي مراد أغيريل في صحيفة “يني جاغ” التركية المعارضة على 4 أجزاء، فإن مرسل هذه الكميات إلى تركيا هي الإكوادورية ساندرا ويندي مونروي مورينو، التي ذكر اسمها في أوراق بنما المسرّبة كصاحبة شركات متورطة في تبييض الأموال، وتعمل مع المافيا الإيطالية، وقد استطاعت تكوين ثروة طائلة من الصفر. وبحسب أغيريل فقد زارت مورينو تركيا مرات عدة.
تغيّر في مسار تجارة الكوكايين عالمياً
تشير المعطيات الأوروبية الى أن الحملات المتلاحقة التي تقوم بها السلطات الكولومبية بضغط أميركي بهدف تقويض تجارة الكوكايين، أدت إلى انتقال مصدر هذه التجارة إلى كل من الإكوادور وفنزويلا. وهنا يجدر التركيز على نقطتين قد تشكّلان مدخلاً مهمّاً لفهم ماهية المسار الجديد لهذه التجارة.
– بالتزامن مع انتقال مركز تجارة الكوكايين من كولومبيا إلى الأكوادور وفنزويلا، برزت تركيا ضمن أول 5 دول مستوردة للموز من الإكوادور، رغم زراعته محلياً.
– أصدرت الحكومة التركية قراراً بإعفاء الأجبان الفنزويلية من رسوم الاستيراد، رغم عدم اشتهار فنزويلا بتصدير الأجبان عالمياً، كما أن مجموع إنتاج فنزويلا من الأجبان يعتبر أقل من إنتاج ولاية تركية واحدة منها. وتزامن ذلك مع قيام عدد من رجال الأعمال المقربين من السلطات التركية كنجل رئيس الوزراء السابق ورئيس البرلمان التركي الأسبق بن علي يلدريم ورجل الأعمال سيزغين كوركماز برحلات جوية مكثفة إلى فنزويلا، بعضها بطائرات خاصة، تم تبريرها تحت عنوان نقل المساعدات الطبية إليها خلال جائحة كورونا.
انتقال مركز التصدير قابله أيضاً تغير في مسار استيراد الكوكايين عالمياً. فبعدما كانت الموانئ الأوروبية الوجهة الأساسية للمخدّر الأغلى عالمياً، ونتيجة لعملية واسعة قامت بها السلطات الفرنسية والهولندية خاصة بمساعدة الشرطة الأوروبية “اليوروبول”، تحوّلت الموانئ التركية، وفق المعطيات التي أوردناها سابقاً، إلى الوجهة الجديدة لاستقبال كوكايين أميركا اللاتينية لتوزيعها على الدول الخليجية جنوباً وأوروبا شمالاً وغرباً.
رأي يدعمه أردينج بشدّة، شارحاً أن “الجماعات التركية والكردية هي الأكثر تأثيراً في سوق المخدرات الأوروبية التي تتخذ من هولندا وبلجيكا مقراً لها. هذه الجماعات حلّت محل المافيا الصينية في هولندا في منتصف السبعينات. ومنذ التسعينات، تهيمن على سوق الهيرويين خاصة”. 
ويضيف: “زعيم توزيع الكوكايين في هولندا هو التركي تشيتين غوران، الذي نقل أطناناً من الكوكايين إلى أوروبا تحت ستار تجارة الفاكهة الطازجة التي أسسها في هولندا. وأدى تسلل قوات الدرك الفرنسية والشرطة الهولندية بداية عاك 2020 إلى تطبيق Encrochat للاتصال عبر الإنترنت (تطبيق مستخدم من قبل عصابات الجريمة المنظمة) إلى ضبط كمية غير مسبوقة من الكوكايين في دول مختلفة في أوروبا. لهذا السبب أعتقد أن حركة المرور تتحول إلى تركيا، وأن الطريق والعلاقات التي اعتاد المهربون الأتراك استخدامها عبر البلقان في تجارة الهيرويين سابقاً تستخدم اليوم أيضاً في تجارة الكوكايين. كما أن اليونان على وجه الخصوص مركز مهم في هذه التجارة”.
 
شخصيات وشركات سورية ولبنانية مرتبطة بتجارة الموز “الملغوم”
ويشرح الصحافي أغيرال في تحقيقه المطوّل طريقة توزيع الكوكايين الوارد إلى تركيا عبر شحنات الموز، مشيراً إلى قيام الشركات المستوردة بتخزين “كراتين الموز” في مستودعات عائدة لها في المنطقة الحرة العائدة لميناء مرسين، ومن ثم تحميلها على ظهر شاحنات تصدير إلى وجهاتها النهائية.
ووفق مصادر “النهار العربي”، فإن “وزارة التجارة التركية حصرت استيراد الموز في 3 شركات فقط، إحداها الشركة التي تم ضبط شحنة الكوكايين الأخيرة (1763 كغ) في مستورداتها، وتعود ملكيتها لمجموعة اوزشيمشيكلار التجارية، فيما يمتلك كل من رجل الأعمال السوري أحمد ب.خ وإسماعيل س. الشركتين الأخريين.
وعلم “النهار العربي” من مصدرين مختلفين امتلاك رجل أعمال  لبناني مقيم في تركيا عدداً من شركات استيراد الفواكه من أميركا اللاتينية خاصة، وارتباط هذه الشركات بتجارة الموز المذكورة.
ومن اللافت للانتباه استمرار شركتي رجال الأعمال السوريين في مزاولة نشاطهم التجاري، رغم ضبط شحنات من المخدرات توالياً ضمن حاويات تحمل مواد مستوردة لمصلحتهم، إضافة إلى تورط شركة أحمد ب.خ. في صفقة 1044 كيلوغراماً من اللحم المهرّب في مرسين عام 2014، كل ذلك في ظل قيام وزارة التجارة التركية بإلغاء تراخيص استيراد العديد من الشركات التجارية لأسباب أبسط بكثير.
المخدرات وتمويل الجهاد في سوريا
وحول دلالات انخراط شخصيات سورية ولبنانية في هذه التجارة، يقول الصحافي أردينج: “هناك مجموعات جهادية تدعمها تركيا في سوريا، وللمخدرات دور مهم في الدعم المقدم لهذه الجماعات، وهو ما ظهر في تحقيقات عدة. على سبيل المثال، تشيتين غوران، الذي ذكرت اسمه أعلاه، ظهر في حملات مساعدة للتركمان في سوريا مرات عدة”.
ويستطرد أردينج قائلاً: “مع ذلك، من الصعب قول أي شيء عن السوريين والجماعات الإجرامية السورية العاملة في تركيا حتى الآن. تشير العلاقة بين الكوكايين المضبوط في مرسين وبعض الأتراك من أصل سوري والسوريين مباشرةً إلى وجود شبكة أكبر. هناك 4 ملايين لاجئ سوري في تركيا، يتم تجريمهم سلفاً بدوافع عنصرية. بعيداً عن هذه العنصرية المتحيزة، لن يكون من الخطأ الاعتقاد أن السوريين، مثل أي مجتمع مهاجر آخر، يمكنهم إقامة علاقات مع القطاعات الإجرامية (التركية) في كفاحهم من أجل البقاء. بصرف النظر عن ذلك، يعود تاريخ التهريب في عنتاب وكلس في تركيا إلى خمسينات القرن الماضي، ولا يمكن الاعتقاد أن العلاقات التي أقامها المهربون الكبار، مثل بهجت جانتورك، على جانبي الحدود، لا تستمر إلى اليوم”.
ويشرح أردينج صاحب كتاب “Overdose Turkey”، الذي يتناول مسألتي التهريب والإدمان وسياسات الدولة التركية حيالهما من نهاية الإمبراطورية العثمانية إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وقصة وعلاقات مصانع الهيرويين الثلاثة التي تأسست في اسطنبول في ثلاثينات القرن الماضي، أنه “ابتداءً من الثلاثينات، كان للتهريب امتدادات داخل السياسة في تركيا. استمرت هذه العلاقة من دون انقطاع حتى اليوم. ما يحدث اليوم هو وضع يتجاوز استخدام عائدات التهريب، وبخاصة المخدرات، في تمويل السياسة، ليتحول إلى تجريم السياسة وظهور الشخصيات الإجرامية كسياسيين”.
وبرأي أردينج “فقد لعب لبنان في الماضي دوراً مهماً في جلب الأفيون المزروع في تركيا والمورفين المنتج من هذا الأفيون إلى المعامل في مرسيليا. كانت هناك أيضاً علاقة للبنان مع قضية التصدير الوهمي، التي استندت اليها عمليات تبييض الأموال في تركيا. لذلك، فإن تحول تركيا قاعدة لتجارة المخدرات سيؤثر أيضاً في جيرانها المتوسطيين مثل سوريا ولبنان مستقبلاً”.
وينهي أردينج حديثه لـ”النهار العربي” بالقول: “تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تعاطي المخدرات في أفريقيا سيزداد بأكثر من 40 في المئة بحلول عام 2030، كما أن تقديرات انزلاق الدول الفقيرة نحو المخدرات تؤثر أيضاً في كل من تركيا وجميع البلدان التي يمكن أن تشكل مفترق طرق ونقاط عبور بين تركيا وأفريقيا. يجب تقييم “التجريم” الذي أحدثته الحرب في سوريا من حيث علاقاتها مع تركيا والدول المجاورة من هذا المنظور”.
المصدر: النهار العربي

 

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد