تركيا وشمال سوريا.. “إشكالية” التحرك على الأرض لا تمنع “ضربات الجو”

في وقت تشير فيه المعطيات، ومواقف الدول الفاعلة في شمال سوريا، إلى “معارضة” أي تحرك عسكري لتركيا على الأرض ضد القوات الكردية، بدا لافتا خلال الأيام الماضية، اتجاه الأخيرة إلى التصعيد من جبهة أخرى، معلنةً استهداف قادة وعناصر من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بضربات من الجو.

وكانت آخر هذه الضربات، قبل يومين، حيث استهدفت طائرة مسيّرة تركية سيارة تقل 3 مقاتلات من “قسد”، و”وحدات حماية المرأة”، مما أسفر عن مقتلهن على الفور، على الطريق الواصل بين مدينة القامشلي والقحطانية.

وبالتزامن مع هذه الحادثة، أعلنت تركيا مقتل “قائد العمليات العسكرية” في عين العرب، شاهين تيكي تانجاك، الملقب بـ”كيندال أرمينيان”، بضربة نفذتها أيضا طائرة مسيّرة، وقبلة خمسة عناصر في مناطق متفرقة في منبج وتل رفعت، وريف محافظة الحسكة.

وتنظر تركيا إلى “قسد” وعنصرها الرئيسي “وحدات حماية الشعب ” (YPG)، على أنها امتداد لـ”حزب العمال الكردستاني”، الذي صنفته واشنطن وأنقرة على أنه منظمة إرهابية، وهو ما تنفيه “قسد” التي تعد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الحرب على داعش بسوريا.

وبينما تقول “قسد” إن هذه الضربات “دليل تصعيد”، تشير إلى أنها تتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي مكثف يستهدف مناطق متفرقة من شمال وشرق سوريا، وصولا إلى أقصى الغرب، في القرى والبلدات المحيطة بتل رفعت.

وحتى الآن لا تبدو ملامح واضحة بشأن العملية التي تهدد تركيا بتنفيذها في شمال سوريا، لكن وفي المقابل ترسم الضربات التي تنفذها الطائرات المسيرة مشهدا تصعيديا جديدا لعموم المناطق الواقعة على الشريط الحدودي الشمالي لسوريا.

وبشكل شبه يومي تعلن وسائل الإعلام المقربة من “قسد” عن “طائرات مسيّرة تحوم في الأجواء”، محذّرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من “أي ضربة جديدة”.

ولا يقتصر حوم هذه الطائرات على منطقة دون عينها، بل تنسحب على جميع المناطق الخاضعة لـ”قسد”، التي تنتشر فيها من جهة قوات روسية ومن جهة أخرى قوات تتبع للتحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.

“ما بعد قمة طهران”

ورغم أن عمليات الاستهداف التي تنفذها تركيا ضد قادة “قسد” و”حزب العمال” خارج أوقات الحرب أسلوب غير جديد، فإن التصاعد في حدته في سوريا الآن، يثير تساؤلات من جهة ومخاوف القوات الكردية من جهة أخرى، وهو ما تشير إليه البيانات التي أصدرتها، خلال الأيام الماضية.

ودان بيان لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي”، الاثنين، ما وصفها بـ”الأعمال العدوانية اليومية، والتصعيد التركي غير المبرر ضد شمال وشرق سوريا”، منتقدا مواقف الدول الفاعلة حيال ما يحصل من تصعيد جوي.

الصحفي عكيد جولي ومدير منصة “مجهر الإعلامية” المحلية يقول لموقع “الحرة” إن الضربات التي تنفذها الطائرات المسيّرة التركية تنقسم ما بين غربي الفرات وشرقه، مضيفا: “القسم الأول أجوائه بيد الروس والثاني بيد الولايات المتحدة الأميركية”.

واعتبر الصحفي أن الضربات الحاصلة “تتم بتنسيق تركي روسي من جهة وتركي أميركي من جهة أخرى”، رابطا فكرته بالحديث أن “الرادارات المنتشرة في المنطقة روسية وأمريكية وقادرة على كشف الطائرات عندما تحلّق”.

ويتابع جولي: “يبدو أن هناك توافق بين تركيا والدول الفاعلة في المنطقة، من أجل تنفيذ هكذا نوع من الضربات”.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية عارضت أي هجوم تنوي تركيا شنه على مناطق شمال وشرق سوريا، معتبرة أنه من شأنه “أن يهدد استقرار وأمن المنطقة”.

وكذلك الأمر بالنسبة لموسكو، التي ناور مسؤولوها في تصريحاتهم بشأن ما تطالب به أنقرة، فيما أعلنوا في جزء آخر أن الحل على الحدود الشمالية لسوريا يكمن بانتشار “قوات حرس الحدود السورية”.

ولا يرى الباحث والأكاديمي التركي، مهند حافظ أوغلو، أن “الضربات التي تنفذها المسيرات التركية بديل للعملية العسكرية البرية”.

ويقول لموقع “الحرة” موضحا: “رغم أن الأطراف الفاعلة في الشمال لا تمانع بأن تقوم تركيا بضربات لأن الواقع الميداني لن يتغير، إلا أن الأخيرة تطمح لما هو أكبر من ذلك”.

ويضيف حافظ أوغلو: “العملية البرية شيء والضربات النوعية التي تستهدف القادة شيء آخر. لو كانت أنقرة تريد سياسة المسيرات فقط لبدأت بها منذ زمن بعيد”.

ما الذي تريده أنقرة؟

يعتبر دخول المسيّرات التركية على هذا النحو من التصعيد في شمال وشرق سوريا “تطورا لافتا”، لكن مآلاته لم تتضح حتى الآن، سواء بكونه يمهد لعمل عسكري محتمل على الأرض، أو أنه يندرج ضمن إطار استراتيجية جديدة تتبعها أنقرة، لتحقيق مكاسب قد تكون سهلة، نظرا للحواجز التي تضعها الاتفاقيات الدولية التي تحكم المنطقة.

ولا تزال أنقرة تعبر عن نيتها إبعاد أي خطر على طول حدودها الجنوبية مع سوريا، بينما اتجهت مؤخرا للكشف أنها تريد إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كيلومترا على طول حدود سوريا الشمالية.

ورغم سيطرتها على المساحة الممتدة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، في أواخر 2019، إلا أنها “غير راضية” عن هذا الحد فقط، وهو أمر يؤكد عليه المسؤولون العسكريون والسياسيون الأتراك بين الفترة والأخرى.

ويشير الباحث السياسي، مهند حافظ أوغلو إلى أن تصاعد الضربات المسيّرة “يعطي رسائل واضحة لقسد أو للمحيط الإقليمي والدول الفاعلة في المنطقة”.

ويضيف: “هي رسائل مباشرة وغير مباشرة. الأولى تفيد بأن الاستخبارات التركية تعرف تماما مواقع القادة وتستطيع ضربهم بدقة عالية، بينما الثانية فتذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال إظهار القوى الخاصة بهذه الطائرات. هي نوع من الدعاية غير المباشرة من خلال تنفيذ عمليات حقيقية”.

وفي المقابل، يعتقد الصحفي، عكيد جولي، أن “هدف تركيا من تصعيد ضربات الجو ليس لتصفية قسد كما يتم الترويج إليه، بل من أجل إبقاء المنطقة متوترة وغائبة عن الأمان والاستقرار”، حسب تعبيره.

وزاد: “بما أنها (أنقرة) لم تحصل على ضوء أخضر للعملية على الأرض فإنها تحاول من خلال الطلعات الجوية زعزعة الاستقرار في المنطقة. هذه هي المعادلة كما نراها”.

“الأهالي غير راضين عن الاستهدافات، وهم متضررون منها. هناك خوف أيضا لأن بعض الضربات تطال مدنيين، قريبين من المواقع المستهدفة”.

ويتابع جولي: “هناك توافق تركي روسي وتركي أمريكي على مواصلة الضربات الجوية بعيدا عن أي تحرك على الأرض. هكذا يفهم الأمر. الضربات تتم تحت أعين القوات المنتشرة في شمال وشرق سوريا”.

هل تضعف “قسد”؟

تخضع مناطق شمال شرقي سوريا، منذ أكتوبر 2019، لاتفاق روسي- تركي، نص على إخلاء مقاتلي “قسد” و”وحدات حماية الشعب” للشريط الحدودي بين تركيا وسوريا بعمق 30 كيلومترا، وتسيير دوريات روسية- تركية.

وركز الأتراك في استهدافهم منذ مطلع يوليو الحالي على قياديين من “قسد” عبر الطائرات المسيّرة التركية، كان من أبرزهم قائدة “وحدات مكافحة الإرهاب” ونائبة قائد “قسد”، سلوى يوسف (جيان).

وحسب إدريس خلو، الباحث في “مركز آسو للدرسات” والمقيم في القامشلي فإن توجه تركيا للتصعيد من الجو، يرتبط بشكل أساسي بعدم حصولها على “الضوء الأخضر” لشن عملية عسكرية برية على الأرض في شمال سوريا.

وهذا الضوء لم يكن تشغيله حكرا فقط على الأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية، بل يرتبط بأيضا بمخرجات “قمة طهران” الثلاثية، والأجواء المعارضة التي بدت، ضد أي تحرك على الأرض.

ويضيف الباحث لموقع “الحرة”: “ضربات المسيرات هي لعبة اشتباك تتجه إليها جميع الدول، وليس هناك ضوابط محددة لها”.

ويتابع: “تركيا تحاول أن تضعف قسد، ولكن من وجهة نظري فإن هذه العمليات الخاطفة باستهداف بعض الكوادر والنشطاء لن تغير من الخرائط المرسومة للمنطقة”، من جانب القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.

ضياء عودة 

المصدر: الحرة

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.