تركيا ولاجئوها السوريون

تدور الأرقام التقديرية عن عدد اللاجئين السوريين في تركيا حول مليون وستمئة ألف، موزعين بين المخيمات والمدن التركية. وإذا كانت الولايات الجنوبية المحاذية للحدود مع سوريا هي الأكثر كثافة باللاجئين السوريين، فلا تخلو أي مدينة تركية من أعداد متفاوتة منهم. ويتركز الوجود المؤسسي للمعارضة والمنظمات الدولية وغير الحكومية، إضافة إلى المؤسسات الإعلامية المواكبة، في كل من اسطنبول وغازي عنتاب بصورة رئيسية.
كتب سولي أوزل في صحيفة «خبر ترك» اليومية يقول إن قسماً مهماً من اللاجئين السوريين لن يعود، في المديين المتوسط والطويل، إلى سوريا، كما تشير الوقائع. ذلك أن الحرب الدائرة في سوريا ليس من المتوقع أن تنتهي في زمن قريب. وحتى بعد انتهاء الحرب، سيتطلب الأمر زمناً طويلاً قبل قيام شروط أمنية واقتصادية تجعل عودتهم ممكنة. ليخلص من الشروط التي يعيش فيها اللاجئون، في المخيمات وخارجها، إلى التقدير التالي: «من غير المتوقع أن يعود أكثر من نصف عدد اللاجئين إلى بلدهم» وعلى هذا «يتوجب على تركيا أن تضع على جدول أعمالها فوراً موضوع البقاء المديد المحتمل لقسم كبير من اللاجئين السوريين». ففي المخيمات وحدها بلغ عدد المواليد الجدد سبعة وثلاثين ألفاً، وفقاً للأرقام المتوفرة لدى إدارة الكوارث والطوارئ التركية المعروفة اختصاراً باسم «أفاد».
وإذا كان وضع اللاجئين في المخيمات يخضع لنظام معين، بصرف النظر عن نواقصه ومشكلاته، فإن أوضاع اللاجئين خارج المخيمات تعرض مشكلات أعمق، وبخاصة في علاقاتهم مع المجتمع المستقبِل. وقد رأينا جوانب منها في موجة الكراهية التي استهدفتهم، خلال الأشهر المنقضية من هذه السنة، في عدد من المدن أبرزها غازي عنتاب. ويمكن تلخيص أبرز الأسباب المولدة للموجة المذكورة في النقاط التالية:
-المجتمع التركي منغلق على نفسه ثقافياً بدرجة ملحوظة، وهذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها استقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين من ثقافة مختلفة.
-يرى الأتراك صوراً متناقضة للسوري: فقراء يصل بهم الأمر حد التسول.. متوسطي حال قادرين على استئجار البيوت والإنفاق بصورة طبيعية.. نشطاء يقيمون المؤتمرات وورشات العمل في أفخم الفنادق وينفقون المال بسخاء.. آخرون يملكون السيارات الخاصة ويرتادون المقاهي والمطاعم..
-المجتمع التركي يعاني أصلاً من مشكلات اقتصادية لا يستهان بها كالفقر والبطالة وارتفاع تكاليف الحياة وسوء الخدمات الصحية في القطاع العام. وجاء العامل السوري لينافس زميله التركي على فرص العمل، وتسبب في تدهور متوسط الأجور.
-كما تسببت زيادة الطلب على المساكن المستأجرة في ارتفاع بدل الإيجارات بنسب تتراوح بين 100-150٪. الأمر الذي ساهم بصورة مباشرة في تدهور أحوال الطبقات الدنيا في المجتمع التركي.
-المنافسة غير المتكافئة من قبل صغار التجار السوريين، كأصحاب المطاعم والمتاجر الصغيرة وغيرها، الذين لا يخضعون لضريبة الدخل.
-ساهم وصول اللاجئين السوريين في ارتفاع نسبة الدعارة والدعارة المموهة بزيجات صورية بصيغة (الزوجة الثانية) في ظل القانون التركي الذي يجرِّم تعدد الزوجات.
وراء كل هذه الأسباب يبقى الأهم هو تقصير الحكومة التركية في تحديد وضع قانوني للاجئ السوري يحدد له واجباته وحقوقه إزاء المجتمع والدولة، الأمر الذي يتطلب تدخل المؤسسة التشريعية (البرلمان). فبخلاف معظم دول العالم، ليس في القانون التركي شيء يخص اللاجئين. بل هناك فقط زوار أجانب، سواء كانوا سياحاً لفترات قصيرة أو مقيمين دائمين.
لأسباب سياسية بحتة، فتحت تركيا حدودها الطويلة أمام اللاجئين السوريين، وأطلقت عليهم صفة «الضيوف» ومنحتهم تأميناً صحياً شاملاً في مستشفيات القطاع العام، ولم تمنحهم أذونات عمل.
منذ شهر نيسان 2014 توقفت إدارة الأمن العام عن منح الإقامات المؤقتة للسوريين، بانتظار ترتيبات جديدة متوقعة. وتتحدث بعض المصادر عن ثلاثة أنواع من الإقامات: سياحية، ورجال أعمال، وإقامات ممنوحة من إدارة الهجرة التي تم استحداثها مؤخراً لكنها لم تبدأ العمل على منح الإقامات الجديدة بعد. الحاصلون على هذا النوع الأخير من الاقامات يفقدون حقهم باللجوء إلى دول أخرى، في إطار اتفاق تركي – أوروبي بهذا الخصوص.
برز ميل متعاظم، خلال السنة الحالية، لدى اللاجئين السوريين في تركيا، إلى الانتقال إلى أوروبا بحثاً عن فرص اللجوء. وهناك مافيا تهريب كاملة تعمل على نقلهم عبر بحر إيجة إلى اليونان، أو عبر الحدود البلغارية براً. وهي رحلة محفوفة بالمخاطر، سواء من حيث عدم شرعيتها أو من حيث درجة الأمان المنخفضة في «قوارب الموت» التي تنقلهم عبر البحر. ولكن يبقى أن نسبة من يتمكنون من العبور إلى البلدان الأوروبية، حيث شروط اللجوء أفضل بكثير مقارنة مع تركيا، هي نسبة ضئيلة جداً من العدد الإجمالي للاجئين الموجودين على الأراضي التركية. الأمر الذي يؤكد استنتاجات أوزل بشأن احتمال بقاء القسم الأكبر منهم في تركيا بصورة دائمة، أو لسنوات لا يعرف عددها.
المقلق في الأمر هو مدى تقبل المجتمع التركي لهؤلاء «الدخلاء» على عالمهم المنغلق ثقافياً، وهو مجتمع لديه درجة عالية من كره الأجانب.
في أحدث استطلاع للرأي بصدد موقف الأتراك من اللاجئين السوريين، أجراه مركز أبحاث الهجرة والسياسة في جامعة «هجتَّبَة»، نقرأ نتائج مثيرة للقلق. صحيح أن نسبة 64.6 في المئة من المستطلعة آراؤهم عبروا عن ترحيبهم بقبول اللاجئين السوريين، لكن استجاباتهم لأسئلة أكثر تدقيقاً لا تدعو للتفاؤل. فنسبة 70.7 في المئة من المستطلعة آراؤهم «يعتقدون أن رعاية الدولة لمليون ونصف المليون لاجئ أدت إلى أضرار في الاقتصاد التركي».
أما نسبة القائلين إنهم «ضد إنفاق الضرائب التي يدفعونها على اللاجئين السوريين، في الوقت الذي يحتاج عدد كبير من المواطنين الأتراك إلى المساعدة» فهي 60.2. وتبلغ نسبة من يعتقدون أن السوريين يحصلون على فرص عمل على حساب المواطنين الأتراك، 56.1 ٪، لترتفع في المدن الحدودية إلى 68.9.
ويعتقد 47.4 من المستجيبين لأسئلة الاستطلاع أنه لا يجوز أبداً أن تمنح الدولة أذونات عمل للاجئين السوريين.
35.4٪ يعتقدون بوجوب حصول اللاجئين السوريين على الخدمات التعليمية، بما في ذلك التعليم الجامعي؛ مقابل 27.5٪ أعلنوا اعتراضهم القطعي على تقديم أي نوع من الخدمات التعليمية للاجئين السوريين.
يذهب أوزل إلى استخلاص توقعات متشائمة من النتائج المعروضة أعلاه، مفادها أن الفترة المقبلة قد تشهد احتكاكات غير محمودة بين المجتمع المستقبل والمجتمع الوافد. ويقترح، لتجنب ذلك، مكاشفة الرأي العام بوضوح أكثر وتوجيهه بطريقة سليمة، والانتقال سريعاً إلى الاستفادة من تجارب البلدان الأخرى في مواجهة مشكلة اللاجئين.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

 

المصدر : القدس العربي