تسول الأطفال والنساء في شمال غرب سورية.. بين الحاجه والاستغلال وغياب الرقابة

 

تدفع الظروف المعيشية والمادية الحرجة للعائلات المقيمة في الشمال السوري إلى لجوء البعض لـ”التسول” في سبيل تحصيل لقمة عيشهم اليومية بطريقة سهلة. 
وربما تعاني تلك العائلات التي تدفع أطفالها للتسول، من حالات خاصة معينة مثل فقدان المعيل أو مرضه أو إصابته أو عدم العثور على فرص عمل، ومن جهة أخرى فقد أصبح موضوع التسول لا ينحصر فقط كونه ظاهرة تخلفها الحروب والازمات الاقتصادية، بل تعدى ذلك ليصبح”تجارة” ومكسب للحصول على المال عند بعض الأشخاص في منطقة الشمال السوري وبالتحديد منطقة” إدلب وريفها.

رغم صعوبته إلا أن التسول هو الحل الوحيد لهم
مع بداية كل يوم جديد يبدأ “خالد 14 عاماً” رحلته للبحث عن من يعطيه القليل من المال لتأمين احتياجاته على حد تعبيره، لينتهي به اليوم وقد جمع مبلغاً لا يتجاوز دولارين فقط، تحدث “خالد” وهو نازح في منطقة”ديرحسان” في ريف إدلب الشمالي للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً: أنا نازح من منطقة ريف حماة الشرقي، أعيش مع والدي المريض وأمي، وأخ صغير، بعد نزوحنا تركت المدرسة وبحثت كثيراً عن فرصة عمل، وعملت لمدة سنة تقريباً في مجال بيع الألبسة، والآن لا يوجد لدي حل آخر سوى التسول لتأمين مستلزمات المعيشية، انطلق يومياً من خيمتنا لأبدأ بالتجول في الشوارع والمحال التجارية والمطاعم، الكثير من المدنيين وخصوصاً فئة الشباب يتجاهلون وجودي بشكل كامل بحجة عدم حاجتي والبعض الآخر يعطيني مبلغاً مثل ليرة أو نصف ليرة تركية، أقوم في آخر اليوم بشراء ربطة خبز وبعض احتياجات المنزل، أتمنى أن أجد فرصة عمل استغني بها عن هذا العمل الذي أجبر عليه ولكن لا حل عندي غيره الآن.

 ما الأسباب التي تدفع هؤلاء الأطفال للتسول؟
أحد الناشطين الإعلاميين من مدينة إدلب تحدث في شهادته للمرصد السوري لحقوق الإنسان حول هذه الظاهرة وحجمها في منطقته، يقول: يلاحظ في الآونة الأخيرة ازدياد كبير في أعداد المتسولين من نساء وأطفال وحتى من فئة الشباب، لكن النسبة الأكبر من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 8 إلى 15 سنة، فلا بد عند مرورك بأي شارع أو تجمع سيارات أو مطعم أو حديقة أن تجد هؤلاء، وهم يستعطفون المارة ليعطونهم المال، في إدلب المدينة يوجد أعداد كبيرة وحتى في المدن والبلدات في الريف ومخيمات النزوح.
وتتعدد أسباب هذه الظاهرة فكل طفل منهم لديه قصة مختلفة، ولكن غالبيتهم يعانون من الفقر الشديد وفقدان المعيل، وبطبيعة الحال فالجميع يعلم أنه وبسبب الأحداث الدامية وطولها الزمني لأكثر من 10 سنوات، قد ينتج عنها تلك الظواهر، لكن في الجهة المقابلة ذهبت هذه الظاهرة لتأخذ منحى “تجاري” أكثر ما تكون سبيلاً للعيش، يلاحظ ذلك بوضوح من خلال استغلال بعض الأشخاص لهؤلاء الأطفال، فيقوم بجمع عدد منهم ونشرهم في منطقة معينة ثم جمعهم آخر اليوم، وقد وثقنا الكثير من هذه الحالات، ولا ننسى أن هذا الطفل يتعرض لإيذاء نفسي بسبب تعرضه للشتائم والمضايقات من قبل البعض، أو حتى من قبل من يقوم بإرساله سواء كان شخص غريب عنه أو أحد أقاربه، ويتعرض للجهد الشديد بسبب الفترة الطويلة التي يمضيها متنقلاً بين الشوارع والأرصفة والحدائق والمقاهي وغيرها، وهذا يعد انتهاك لحقه ويتسبب بعواقب كثيرة مثل ترك الدراسة أو تعلم أفعال غير أخلاقية.
ويضيف قائلاً: قمنا بمطالبة العديد من الجهات الرسمية من مجالس محلية وغيرها لوضع حد لهذا العمل  لكن دون جدوى بحجة حاجة هؤلاء الأطفال للتسول وعدم القدرة على ضبط هذه الحالة المنتشرة بكثرة، ثم عدم معرفة الأشخاص الذين يقفون خلف عملية دفع هؤلاء الأطفال للتسول، لكن لا بد من إيجاد حل لهذه الظاهرة ومحاسبة من يستغلهم لكسب “المال” وحتى أنه يوجد احتمال كبير أنهم لا يأخذون إلا جزء بسيط مقابل تسولهم

للمدنيين في إدلب قدرة على تمييز “المتسولين
(أ.و) صاحب أحد مطاعم “الشاورما” في بلدة كفرتخاريم في ريف إدلب الشمالي، وفي حديثه للمرصد السوري لحقوق الإنسان يقول: مع بداية كل يوم عند فتح المحل وبدء قدوم الزبائن يتوافد هؤلاء الأطفال للتسول من الزبائن، يعطيهم البعض والكثير منهم يتجاهلونهم، الغريب في الأمر أن ترى نفس الأطفال كل يوم، وكأنهم عبارة عن تجمع بينهم، حتى أنهم يختفون بنفس الموعد كل يوم، حاولت عدة مرات دفعهم ومنعهم من الدخول ولكن واجهت انتقادات من قبل بعض الزبائن فتجاهلت ووجودهم في الفترة الأخيرة.
ويوجد من بينهم الكثير من الأطفال وحتى من النساء يتخذون من هذا العمل كمصلحة وعمل يومي لكسب المال وليس فقط للحاجة، ففي أحد المرات شاهدت امرأة خرجت من المطعم بعد تسولها من الزبائن، وهي تخرج حاملة طفل بيديها، ثم توجهت إلى رصيف الشارع وبعد قليل دخلت في سيارة وكأنها كانت تنتظر قدوم صاحب السيارة، وحتى أنها لا تظهر عليها ملامح الحاجة من خلال لباسها وحقيبتها وحتى السيارة، كما أصبحنا نشاهد العديد من هذه الحالات في الآونة الأخيرة، فقد أصبح موضوع تسول بعض من هؤلاء تجارة لا أكثر.
لا بد من وجود جهة رقابية تضبط هذه الظاهرة ونضع لها حداً، حتى لا تصبح ملجأ للأطفال لترك دراستهم ومستقبلهم والتوجه للتسول، كما يجب توفير بيئة جيدة لهؤلاء الأطفال ممن فقدو أهلهم وتوجهوا للتسول، ورعايتهم بشكل جيد وتوجيههم للدراسة.

عواقب هذه الظاهرة على النفسية والاجتماعية
المرشد والمدرس لعلم الاجتماع في إدلب” م.ع ” يرى أن هذه الظاهرة تحمل معها العديد من السلبيات والعواقب والتي تعود بالضرر على الفرد والمجتمع في الشمال السوري، يقول:  هذه الظاهرة لم تكن وليدة الأحداث الراهنة في سوريا بل هي قديمة جداً ومنتشرة في المدن الكبرى في سوريا وحتى في البلدات والقرى الريفية، لكنها أخذت تزداد في الآونة الأخيرة نتيجة تردي الأحوال المعيشية، وندرة وجود فرص العمل وتوقف شبه تام للعملية التعليمية عند آلاف الأطفال بسبب النزوح وسيطرة النظام على مناطق واسعة من سوريا.
ومع كثرة وجود الحالات الإنسانية الصعبة في الشمال السوري أخذت هذه الظاهرة منحى تجاري واستغلال واستعطاف للمدنيين لدفع المال لهؤلاء، فكل واحد منهم يحمل قصة مختلفة، فمنهم من يطلب المال لسداد أجرة منزله أو شراء دواء او حتى ربطة من الخبز لعائلته، ولكن بشكل عام فمنهم الكثير من يتخذون من هذا التصرف مهنة ويقف خلفهم أشخاص يديرونهم.
ولهذه الظاهرة نتائج سلبية كثيرة على الطفل بشكل خاص إذ أنها تساهم في ضياع مستقبله وفشله اجتماعياً وحتى تعرضه للاستغلال الجسدي والجنسي وتحمله أعباء نفسية صعبة، كما تساهم أيضاً في جعله ضحية للجهل والأمية وعدم دراسته، وهنا يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على المنظمات الراعية والمهتمة بشؤون الأطفال، فيجب تأمين دراسة لهم أو حتى وضعهم في ورش مهنية لتعلم مهن حرفية معينة تساعدهم على تحسين أوضاع عائلاتهم، كما يجب القيام بحملات توعوية للأهالي بشأن خطورة هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لها.
وتبقى ظاهرة التسول في الشمال السوري مستمرة ويستمر معها استغلال الكثير من الأطفال والنساء من قبل البعض لجعلها تجارة ومكسب للحصول على المال، دون وجود بوادر لحل جذري ينهي هذه الحالة الخطيرة على المجتمع بشكل عام.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد