تصعيد أميركي في شرقي الفرات سيغضب أنقرة

أن تختار إدارة الرئيس بايدن، الديمقراطية، سفيراً سابقاً من الحزب الجمهوري ليحمل رسالتها إلى أنقرة، هو أمر لافت، واللافت أكثر، كان رفض أنقرة لفحوى تلك الرسالة، وعدم اهتمامها بعرض مقدّم من صديق أميركي لطالما كان أقرب لمواقف أنقرة من مواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة فيما يخص طريقة التعامل مع القيادة التركية، وانتقاده بضرورة وجود تفهم واهتمام أميركي لهواجس وقلق أنقرة حيال ما يحصل على مقربة من حدودها الجنوبية المشتركة مع سوريا التي يبلغ طولها أكثر من 900 كم.

عندما وطأت أقدام السفير (الجمهوري) السابق جيمس جيفري الأرض التركية بوصفه موفداً لإدارة جو بايدن الديمقراطية، كان يعتقد أن لديه رصيد سياسي طيب من حُسن العلاقة مع القيادة التركية، ومع وزير الدفاع التركي خلوصي آكار على وجه التحديد، وأن مضمون العرض الذي يحمله سيمهد لزرع ابتسامة عريضة على وجوه المسؤولين الأتراك، عرض “جيفري” الذي تضمّن عدة نقاط تهدف العودة لاتفاقات سابقة أخلت بها الإدارات الأميركية، وتهدئة مستعجلة للجبهات الساخنة بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والعرض الأميركي يشمل البدء بحوار جدي بين تركيا وقيادة قسد ومسد، على أن يشمل أيضاً استبعاد بعض الشخصيات القيادية في حزب العمال الكردستاني من مناطق الإدارة الذاتية في شرقي الفرات، ويمكن أن يتطور الحوار لتوحيد أو تنسيق الجهود العسكرية والسياسية والاقتصادية بين مناطق شرق وغرب الفرات (من خلال فتح المعابر بين المنطقتين، وتوحيد السوق الاقتصادية فيهما، مع منح أنقرة كل الامتيازات الاقتصادية في المنطقة)، أي التنسيق بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني، وبين كلاهما وتركيا، تمهيداً لتشكيل جبهة موحدة معارضة لنظام الأسد في الشمال، لكن العرض الأميركي جُوبه برفض قاطع من قبل أنقرة، وعاد جيمس جيفري من زيارته خاوي الوفاض، ليصرح على إثرها: إن أي عملية عسكرية تركية في مناطق النفوذ الأميركي في شرقي الفرات قد تؤدي لانهيار العلاقة بين واشنطن وأنقرة، مؤكداً أن التهديدات التركية الأخيرة بشن عملية عسكرية أعادت التوتر للعلاقة الثنائية الأميركية التركية.

علّقت أنقرة على الزيارة عبر تصريح لوزير دفاعها جاء فيه: أن واشنطن طلبت من بلاده إعادة تقييم العملية العسكرية التي لوحت بتنفيذها في شمالي سوريا، وأن تركيا طلبت من الولايات المتحدة في المقابل الوفاء بوعودها. لكن من الواضح أن أنقرة كانت منشغلة بعملية مفاضلة بين عرضين، أميركي وروسي، وأن موسكو ربحت عملية فض العروض، بعد أن تعهد نائب وزير خارجيتها سيرغي فيرشينين بانسحاب “قسد” من بلدات عين العرب ومنبج بريف حلب الشرقي، دون التطرق لمصير بلدة تل رفعت بريف حلب الشمالي، مع إبقاء قوات الأمن التابعة للإدارة الذاتية (الأسايش) في المناطق التي ستغادرها القوات العسكرية، يعقبها دمج الأسايش بأجهزة ميليشيا نظام أسد، بيد أن العرض الروسي يعيبه أنه صادر عن جهة لا تملك قرار تنفيذ ما تتعهد به، باعتبار أن المناطق التي تعهدت بها موسكو، وتتعهد بانسحاب “قسد” منها هي مناطق تخضع لنفوذ التحالف الدولي، وبالتالي القرار فيها يخضع لتنسيق وقرار مشترك بين “قسد” والأمريكان.

عبر كل ما سبق نبقى أمام طموحات تركية ومناورات روسية وثبات مواقف من “قسد” وعنادٍ أميركيّ. أما ما برز مؤخراً في طريقة التعاطي الأميركي مع ملف شرقي الفرات أعطى رسائل غاية في الأهمية لقيادة “قسد” لكنها مقلقة لأطراف أخرى؛ فزيادة الشحنات العسكرية الأميركية المتلاحقة لمناطق شرقي الفرات، مع احتواء بعضها على أسلحة ومعدات عسكرية ثقيلة ونوعية، إضافة إلى تدريبات ومناورات برية مشتركة للتحالف مع قوات “قسد”، يمكن أن تُصنف في إطار رفع القدرات العسكرية لـ”قسد” مع زيادة جاهزيتها لاستمرار تنفيذ مهامها بالحرب على الإرهاب الداعشي، إضافة لمهمة جديدة باتت ملحة بعد ظهور أكثر من خليه إيرانية تم تجنيدها وتدريبها من قبل الحرس الثوري الإيراني في مناطق شرقي الفرات، والهجمات بصواريخ “الكاتيوشا” التي طالت مواقع للأميركان في قواعد الشدادي، وحقل العمر النفطي، ومعمل غاز كونيكو، إذ لم تكن هجمات “داعشية” خالصة، بل هجمات لمفارز وخلايا قام الحرس الثوري الإيراني بدفعها وتمويلها والتخطيط لعملياتها، وبالتالي تصبح عملية زيادة شحنات الدعم العسكري الأميركي لقوات “قسد” شبه مبررة.

ومؤخراً نقلت بعض المصادر أن شحنات الدعم العسكري الأميركي تضمنت صواريخ أرض _أرض متوسطة المدى، إضافة لصواريخ محمولة على الكتف من نوع “جافلين” و”تاو”، إضافة لعربات “براد” أميركية للعمليات القتالية الخاصة، والأهم أن بعض الشحنات الأميركية احتوت على منظومات صواريخ لمضادات جوية، وأن الولايات المتحدة الأميركية قامت بافتتاح دورات تدريبية لمقاتلي “قسد” على كيفية استخدام واستثمار تلك المنظومات، والمصادر أكدت تخريج دورة على الأقل من العناصر التي أتقنت استخدام تلك المنظومات.

المتابع لما يجري في شرقي الفرات وعلى الحدود التركية يعلم تماماً أن تنظيم “داعش” الإرهابي لم يعد يملك أسلحة ثقيلة أو عربات أو آليات مدرعة، وبالتالي القوى التي تحارب التنظيم لا تحتاج بالضرورة لأسلحة مضادة للدروع، ولا تحتاج نهائياً لمنظومات دفاع جوي، وأن تسليح قسد بتلك المنظومات هو عبارة عن رسالة مستعجلة لـتركيا وللجيش التركي تحديداً، وأن حرية المناورة والتحرك التي كانت تتمتع بها الطائرات التركية المسيرة ببعض العمليات في شرقي الفرات لاصطياد بعض القيادات المحسوبة على “قسد” باتت صعبة، وأن وكالات أخبار تتحدث عن إسقاط مسيرات تركية باتت متوقعة في المستقبل أيضاً.

أجهزة الاستطلاع التركية، وعملائها في مناطق شرقي الفرات بالتأكيد نقلوا لطاولة عمليات الجيش التركي في أنقرة تلك المعلومات، والرسالة الأميركية وصلت لبريد وزير الدفاع ورئيس الأركان التركي، وكذلك لقائد وحدة تسيير وتشغيل الطائرات المسيرة التركية، والرسالة مضمونها سيكون مقلقاً لأنقرة، لأنه تحمل نوعاً من التحدي الأميركي، وتقوية قوات تعتبرها أنقرة “إرهابية”، علاوة عن أن الرسالة حملت معها مستجداً آخر برز عبر تعليمات أميركية لقيادة “قسد” برفع العلم الأميركي على مقرات قيادتها في كامل مناطق انتشارها في شرقي وغربي الفرات، حتى بعض المصادر أكدت أنها تشمل مقرات قيادة “قسد” المنتشرة في منغ وتل رفعت أيضاً.

الخطوة الأميركية (إن تأكدت المعلومات السابقة) فإنها بالتأكيد تشكل تصعيداً أميركياً نوعياً بوجه أنقرة، وستزيد من تعقيد العلاقات السياسية والعسكرية بين بلدين يتشاركان بكونهما عضوين في حلف الناتو باتت مصالحهما السياسية مختلفة ومتمايزة؛ فالأميركان يعتبرون روسيا خصماً وطرفاً يهدد المصالح الأميركية والدول الأوروبية وحلف الناتو، بينما تعتبر أنقرة روسيا حليفاً وصديقاً ومصدراً لتوريد السلاح، خاصة بعد شراء أنقرة من موسكو لمنظومة دفاع جوي “إس_400” التي فجرت الخلافات بين واشنطن وأنقرة، وأدت لفرض عقوبات اقتصادية أميركية على بعض المؤسسات والأفراد الأتراك، وأوقفت واشنطن بموجبها مشاركة تركيا بإنتاج مقاتلات إف_35، وأوقفت أيضاً شحنة مقاتلات إف_16 لتركيا، إضافة لتجميد واشنطن اتفاقات عسكرية أخرى.

التصعيد الأميركي يأتي في وقت يسعى فيه العالم لتقليل عدد البؤر الساخنة والمشتعلة، وجاء عقب زيارة السفير “جيفري” التي كان يؤمل منها أن تمهد لفتح نوافذ حوار مع أنقرة من أجل إعادة الدفء للعلاقات وحل الملفات المتشابكة والمعقدة بين البلدين، وأن الحل في الشرق الأوسط، وفي سوريا تحديداً، يحتاج لتوحيد وتضافر الجهود الأميركية ـ التركية، خاصة بعد بروز استراتيجية أميركية جديدة تتمحور حول منع أي انتصار عسكري أو سياسي لروسيا. غير أن الموقف الأميركي الجديد المتمثّل بنقل أسلحة نوعية لقوات سوريا الديمقراطية يحمل رسائل خالفت هذا التوجه، وجاءت في وقت يحتاج فيه الرئيس أردوغان لكثير من النقاط الإيجابية والتصالحية مع دول الجوار والغرب لحسم معركة الانتخابات التركية المفصلية المزمع إجراؤها منتصف هذا العام، فهل تعمدت واشنطن هذا التصعيد؟.

هل أرادت واشنطن عبر رسالة زيادة التصعيد هذه، في شرقي الفرات، الضغط أكثر على القيادة التركية لثنيها على التراجع عن مسارات سياسية باتجاه الشرق لا تعجب واشنطن، ومسارات تقرّب أنقرة من موسكو وطهران ودمشق (بعد حديثها عن التطبيع مع نظام أسد) وبما يبعدها عن واشنطن؟.

أم أن الإدارة الأميركية أرادت إبلاغ أنقرة رسالة مفادها أن الاستثمار بالعمليات العسكرية في شرقي الفرات قد ولى إلى غير رجعة، وإذا ما قررت أنقرة الاستمرار بحربها على “قسد” فعليها إدراك حجم ونوع الخسائر التي يمكن أن تقع في صفوفها وصفوف حلفائها من الجيش الوطني؟.

 

أحمد رحال

————————————————————————————————————————-

المصدر: نورث برس

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.