تفكيك عقدة سوريا

لم يكن كثيرون يتوقعون أن تطول الأزمة السورية لتدخل عامها الخامس وأن تتطور بهذا الشكل الذي أصبحت فيه ساحة لتنظيمات غاية في التطرف، وفي نفس الوقت ساحة لصراع بين قوتين عظميين هما الولايات المتحدة وروسيا، بشكل غير مباشر حتى الآن، بخلاف التدخل الإيراني المباشر هناك دعمًا للنظام.
المشهد يبدو غاية في التعقيد، بعد أن تحولت الأزمة السورية بالنسبة إلى معظم الأطراف الخارجية إلى أزمة لاجئين مع وصول عشرات الآلاف من السوريين إلى أوروبا مخاطرين بحياتهم في زوارق المهربين لعبور المتوسط، وفي نفس الوقت ينظر العالم بقلق شديد إلى التنظيمات المتطرفة التي تعمل على الأرض هناك، وتخطط لتصدير الإرهاب إلى بقية المنطقة والعالم.
أصبح المشهد أن السوريين أمامهم خياران كلاهما أسوأ من الآخر، «داعش» أو النظام السوري، فاختار الآلاف مغامرة عبور البحر مع كل مخاطرها لبدء حياة جديدة بعيدًا عن جنون «داعش» وبطش النظام.
لكن الحرب الأهلية مثل النار التي تأكل في بعضها وتسبب الكثير من الدمار، وفي النهاية تفقد تدريجيًا قوتها، وتمل القوى المتصارعة، ويتبقى منها الرماد.
ستنتهي الأزمة السورية في يوم من الأيام، بخسائر كبيرة لا مجال لتعويضها، فهناك نصف الشعب السوري نازح حاليًا ومدن كاملة مدمرة، وآثار تاريخية عاشت آلاف السنين لتلقى مصيرًا مشابهًا لتماثيل لبوذا في باميان بأفغانستان وذلك على يد التتار الجدد الذين يجدون في الخراب تسلية وإشباعًا لنزواتهم التدميرية.
المشكلة هي كيف ستنتهي هذه الأزمة؟ وكيف سيتم تفكيك هذه العقدة؟ في ضوء واقع أن فريقي الأزمة حاليًا في غاية التطرف، بينما تبدو المعارضة المعتدلة لا حول لها ولا قوة ولم تنجح في إقناع القوى الخارجية بتسليحها بشكل فعال، وعلى الجانب الآخر حصل النظام على دعم علني من موسكو التي قالت إنها ستستمر في تسليحه باعتباره القوة الوحيدة القادرة على محاربة الإرهاب.
وفي حين أن إعلان موسكو استمرار دعمها للنظام مع تقارير وجود مستشارين عسكريين يوحي بأن هناك تصعيدًا قد ينقل الأزمة إلى مستوى آخر، فإن وجهة نظر أخرى قد ترى في هذه المواقف والإعلانات تثبيتًا للمصالح ورسالة للأطراف الأخرى بأنه إذا حانت لحظة الجلوس على مائدة التفاوض فإن لنا مصالح ونفوذًا هنا لا يجب تجاهلهما، وهو ما ينطبق عليه المثل «اشتدي أزمة تنفرجي».
ويعزز من ذلك أن لا أحد عاقلا يتصور أن روسيا وأميركا ستضعان قواتهما في مواجهة مباشرة، فهذا لم يحدث في ذروة الحرب الباردة أو في أزمة عالمية شحذت فيها الأسلحة النووية مثل أزمة خليج الخنازير في ستينات القرن الماضي.
هذا التدخل الروسي بما يوحي به من تصعيد وصب للزيت على النار يترافق مع أزمة اللاجئين العابرين للحدود والتي وضعت الاتحاد الأوروبي في أزمة ألغت فيها دول أعضاء إجراءات أو قوانين الحدود المفتوحة، يدعوان للاعتقاد بأن ساعة التفاوض اقتربت، وعندما تفرش الطاولة وتوضع الكراسي فإن كل الأطراف يجب أن تكون جاهزة، حتى لا تفرض الحلول دون مراعاة مصالح المنطقة. والحديث عن الأطراف لا يعني «داعش» والتنظيمات الشبيهة، فهذه على الأرجح ظواهر وقتية انتهى دورها.
علي ابراهيم 
المصدر : الشرق الاوسط