تنظيم «الدولة» لا يكاد يخرج من بقعة حتى يسبب صداعا للنظام السوري في بقعة اخرى

28

يشكل تنظيم «الدولة» مصدر إزعاج مستمر للنظام منذ معركة مخيم اليرموك، وكلما تخلص النظام من مجموعة للتنظيم ظهرت له بقايا مجموعة أخرى، تواصل انهاكه واستنزافه ببطء، كما يحدث اليوم في تلول الصفا، ورغم أن استراتيجية النظام بمحاولة السيطرة على الأرض الخارجة عن سلطته بأقل التكاليف، لاقت نجاحا باعتماده على ترحيل الجماعات المقاتلة التي تقبل الانسحاب لمنطقة أخرى بعد تشديد حصارها، فإن نتائج هذه العملية تباينت من فصيل لآخر، فمنهم من انضم لقوات النظام كبعض فصائل درعا، ومنهم من جمد عملياته ضد النظام، كما فصائل غوطة دمشق في أدلب، ومنهم من شكل مصدر استنزاف جديد للنظام في المنطقة التي تم إبعاده لها، كتنظيم «الدولة» في بادية السويداء.
في معارك النظام الأخيرة للسيطرة على ريف دمشق بما فيه مخيم اليرموك، وريف درعا وحوض اليرموك، لجأ النظام للأسلوب نفسه، يبدأ بالقصف الشديد لمناطق الفصائل المعارضة، ومن ثم الهجوم البري وتشديد الحصار وتضييق الخناق على الفصائل المقاتلة، حينها تضطر تلك الفصائل، بمختلف تصنيفاتها، من جيش حر إلى جهادية، للقبول بالانسحاب، ولكن تبعات ذلك هي اللافتة، قياسا على سياسات الفصائل المبعدة المتباينة مع النظام، ففي دوما مثلا، وبعد قبول بعض الأفراد المنشقين عن الفصائل بالانضمام لصفوف النظام، وتسوية أوضاعهم، كأتباع الشيخ الصوفي الشهير ضفضدع، تم ترحيل الجماعات التي لم تقبل التسوية، كجيش الإسلام وفيلق الرحمن وباقي جماعات الريف الدمشقي إلى ريف أدلب ومناطق درع الفرات، ورغم انضمام بعض قياديي هذه الفصائل أيضا للنظام، إلا أن أغلبهم اختار الإبعاد شمالا، ودخل معظم القياديين لتركيا، وهناك أثارت صورهم المستفزة لجمهور المعارضة الاستياء، إذ ظهروا قبل أيام وهم في منتجعات سياحية تركية يمارسون ألعابا سياحية، أما عناصر تلك الفصائل في مناطق درع الفرات وريف أدلب، فلم تشن حتى اليوم أي هجوم كبير على قوات النظام، ووقعت الصدامات الوحيدة لهم مع هيئة تحرير الشام في أدلب برفقة الفصيل الآخر المقرب من تركيا، «أحرار الشام»، اذ واصلوا متابعة مشهد الحالة المنقسمة المتناحرة من ريف دمشق إلى ما تبقى من مناطق المعارضة في شمال سوريا.

أما في درعا، فقد كانت الحال اكثر سوداوية، فكثير من القوى المعارضة المسلحة التي قبلت بالانسحاب من مناطقها امام النظام، انضمت لقوات النظام، وباتت إحدى تشكيلاته العسكرية، بما يعرف بـ»كتائب المصالحات»، وقاتلت بجانب الاسد في معاركه اللاحقة ضد تنظيم «الدولة» في حوض اليرموك، ومن ثم في ريف السويداء. من ضمن هذه الحالات كانت الفارقة هي مخيم اليرموك، ومنها انطلقت سلسلة من الـ»ورطات» للنظام، فبعد اسابيع من المعارك الدامية بين قوات النظام وميليشيات فلسطينية موالية له، تكبد فيها النظام خسائر تفوق كل خسائره في معارك ريف دمشق ودرعا مجتمعتين، حاصر النظام ما تبقى من عناصر تنظيم «الدولة» في كتلة أبنية تضم معظم المخيم، وهنا، قبل التنظيم بالخروج من المخيم، وبالتأكيد وجدها النظام فرصة لإلتقاط أنفاسه وتطبيق استراتيجيته بالسيطرة على الارض، مقابل أقل قدر من التضحيات، لكن هذه الاستراتيجية سيتبين لاحقا انها لا تفلح مع تنظيم «الدولة»، بل مع مجموعات المعارضة الاخرى التي تنضم أو تكف عن قتال النظام لاحقا، وليس مع تنظيم «الدولة» الذي لا يكاد يخرج من بقعة حتى يسبب صداعا للنظام في بقعة اخرى، وخسائر تكاد تكون الأكبر في العامين الاخيرين في صفوف النظام.
فبعد خروجه من مخيم اليرموك إلى بادية السويداء، تاركا وراءه أكثر من مئتي وخمسين قتيلا وجريحا من عناصر وضباط النظام، تحولت المنطقة التي تم إبعاد التنظيم لها، تلول الصفا، تحولت إلى منطقة قتل تكاد تكون الوحيدة في سوريا اليوم لقوات النظام، وإضافة إلى العمليات الإجرامية الدامية التي ارتكبها التنظيم بحق سكان القرى الدرزية، التي هاجمها لخطف المدنيين الدروز، والذين بادل عليهم بمعتقلات من النسوة في سجون النظام لاحقا، يواصل التنظيم حتى اليوم التحصن في سلسلة صخور بركانية وتلال مليئة بالانفاق والمخابئ، مكلفا قوات النظام حتى اليوم اكثر من 300 قتيل وجريح، بمن فيهم عناصر الميليشيات الدرزية الموالية للنظام، كنسور الزوبعة، وهي إحدى تشكيلات الميليشيات الاهلية التي قبل النظام بوجودها، نظرا لرغبة الكثير من الدروز بالقتال فقط في مناطقهم الموالية بالكامل للنظام، فأصبحت القوى المسلحة للقرى الدرزية جزءا من تشكيلات الأسد في جنوب سوريا، وما زال النظام يستخدمها في معاركه في بادية السويداء، جاعلا أبناء القرى الريفية في السويداء حطبا لنار معاركه، يدفعون بتضحيات كبيرة من شبابهم، جنبا إلى جنب مع كبار ضباطه وجنوده في استعادة سيطرة الأسد على كافة المناطق الخارجة عن سلطة دمشق جنوب سوريا.
وهكذا فان النظام، خرج من ورطة خسائره في مخيم اليرموك، بإبعاد عناصر التنظيم إلى بادية السويداء، ظنا منه انهم قد يتلاشون في الصحراء، وإذا بهم يتحولون لمصدر خسائر النظام الاكبر مجددا، لأن البادية المفتوحة على غرب العراق وقراها هي معقل عناصر التنظيم وبيئته التي تمرس منذ سنوات في الاختباء والعمل فيها، وستظل مهمة ملاحقته فيها شاقة ومكلفة.

وائل عصام
المصدر: القدس العربي