توطين لعوائلهم وسطوة على ممتلكات المدنيين وتحويلها إلى مقرات ومستودعات وسجون.. المـ ـيـ ـلـ ـيـ ـشـ ـيـ ـات الإيرانية تحول “مملكة زنوبيا” إلى “محمية إيرانية” جديدة على الأراضي السورية

نحو 6 سنوات مضت على سيطرة قوات النظام وحلفائها من الإيرانيين والروس على مدينة تدمر الآثرية بريف حمص الشرقي، أو “مملكة زنوبيا” كما يحلو للسوريين تسميتها، ولاتزال المنطقة تعاني الأمرين، فسيطرة النظام وحلفائه لا تأتي بجديد لأهالي المنطقة على مدار السنين هذه، وهي كسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي احتل المدينة الآثرية في العام 2015 وتبادل السيطرة مع النظام مرة أخرى بعدها بأكثر من عام قبل أن يسيطر النظام أخيراً على المدينة عام 2017.
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، مجدداً أن مدينة تدمر وبعد ما يقارب 6 سنوات على سيطرة النظام وحلفائه عليها، لا يتواجد فيها سوى نحو 100 عائلة فقط من الذين عادوا إليها خلال الفترة آنفة الذكر، غالبيتهم العظمى لديهم أبناء في صفوف المسلحين الموالين للنظام، على الرغم من أن المدينة كان عدد سكانها الأصليين والنازحين إليها عام 2014 إلى أكثر من 150 ألف نسمة، بيد أن سيطرة التنظيم ومن بعده النظام أفضى إلى هجرة أهلها وسكانها منها، وباتت معقل للميليشيات التابعة لإيران بشكل رئيسي لاسيما ميليشيا فاطميون الأفغانية، إذ عمدت الميليشيات إلى توطين عوائلها في تدمر وغالبيتهم الساحقة من جنسيات غير سورية أبرزها أفغانية وعراقية.
ليس ذلك فحسب، بل لاتزال الميليشيات التابعة لإيران تسرح وتمرح بمملكة زنوبيا والمناطق المحيطة بها كما يحلو لها على كافة الأصعدة، حيث تقوم بممارسات الانتهاكات بحق القلة القليلة التي عادت من أهل المنطقة، وإنشاء مواقع ونقاط عسكرية متنوعة في مدينة تدمر ومحيطها، فضلاً عن إنشاء السجون، كالسجن الذي أنشائه حزب الله اللبناني في شباط العام الفائت قرب مستوصف في منطقة تسمى “الدوة الزراعية” تقع غرب مدينة تدمر بريف حمص الشرقي وسط سوريا، حيث جرى إحاطة السجن بأسلاك شائكة.
وشهد العام الفائت أيضاً سلسلة من الانتهاكات والتحركات العسكرية التي تثبت إلى مدى وصلت به حال تدمر مع سطوة الميليشيات التابعة لإيران عليها على الرغم من الوجود الروسي فيها أيضاً، ففي آذار العام الفائت مثلاً وصل عالمان اثنان متخصصين بالمجال النووي من الجنسية الإيرانية لإجراء أبحاث في منطقة حقول الفوسفات الخاضعة لسيطرة ميليشيات إيران جنوبي مدينة تدمر، ووفقًا لمصادر المرصد السوري، فإن العالمين الإيرانيين يتنقلان بين موقع الصوانة و مايعرف بـ”كتيبة الكيماوي” الواقعة ضمن سلسلة جبال تدمر الشرقية، في بادية حمص الشرقية، حيث ينتقلان عن طريق سراديب محفورة في باطن الأرض بين الموقعين، وتعتبر المنطقة أشبه بـ “محمية إيرانية” وهي محصنة بشكل كبير، يُمنع الاقتراب منها تحت أي شكل من الأشكال، وبالقرب منها توجد محمية طبيعية تم منع المواشي من الاقتراب منها أيضاً، وتضم “كتيبة الكيماوي” ملاجئ تحت الأرض ومجموعة أنفاق تسهل عملية الحركة تحت الأرض.
كما قامت ميليشيا “فاطميون” الأفغانية في الثاني من نيسان، بتوزيع حصص إغاثية على بعض العوائل في حي العامرية والمعالف ومنطقة الدوة الزراعية ضمن مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، في محاولة لكسب ود الأهالي، وفي الخامس من الشهر عمدت الميليشيا ذاتها إلى إنشاء بعض النقاط العسكرية الجديدة في مكان يسمى “الشجرة” يبعد عن مركز مدينة تدمر نحو 13 كلم، خوفًا من هجمات محتملة قد تنفذها خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” انطلاقًا من بادية تدمر، حيث جرى تدعيم النقاط العسكرية الجديدة بكاميرات حرارية وأسلحة ثقيلة، كما قامت الميليشيا بتدعيم نقاطها في محيط مدينة تدمر برشاشات ثقيلة.
وفي 10 حزيران، قامت ميليشيات تابعة لـ “الحرس الثوري” الإيراني، بحرق نحو 5 منازل في الحي الغربي من مدينة تدمر الأثرية بريف حمص الشرقي، ووفقًا لمصادر المرصد السوري، فإن عمليات حرق المنازل جرت بحجج واهية إما أن اصحاب المنازل عملوا سابقا مع تنظيم “الدولة الإسلامية” وفصائل المعارضة، أو أن أصحاب المنازل يقطنون بمناطق خارجة عن سيطرة النظام وميلشيات إيران أو متواجدين خارج سوريا، وأثناء عملية الحرق، تم إضافة مادة خاصة من قِبل عناصر الميلشيات، تعمل على تفتيت مادة البيتون وخصوصا للأسقف بحيث يقوم من يعمل معهم بسحب مادة الحديد والأسلاك النحاسية وبيعها وكل ذلك يتم أمام أنظار قوات قوات النظام التي لاتحرك ساكنًا رغم مناشدات الأهالي القاطنين في مدينة تدمر بضرورة تحجيم دور الميليشيات الإيرانية في المدينة، وسبق وأن قامت ميليشيات إيران بالاستيلاء على منازل مدنيين في تدمر بالإضافة إلى سرقة أثاث منازل بحجة أن أصحابها إما شاركوا بالحراك السلمي ضد النظام أو ممن قاتلوا في صفوف فصائل المعارضة وتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وفي 21 حزيران، اتخذت ميليشيا “فاطميون” الأفغانية الموالية لإيران والعاملة في مدينة تدمر الأثرية بريف حمص الشرقي، من مبنى صوامع الحبوب والواقع شرقي مدينة تدمر 10 كلم مقرًا جديدًا لعناصرها، حيث يقع مبنى الصوامع قرب الاوتستراد الدولي تدمر – دير الزور، وعقبها بثلاثة أيام عمدت حواجز عسكرية تابعة لميليشيا “فاطميون” الأفغانية وميليشيا حزب الله اللبناني، والمتواجدة عند مداخل ومخارج مدينة القريتين بريف حمص الجنوبي الشرقي ضمن البادية السورية، إلى إطلاق حملة تفتيش موسعة على جميع الداخلين والخارجين إلى المدينة، حيث قامت الحواجز بعمليات تفتيش دقيقة على السيارات والمارة لأسباب مجهولة، وسط مطالبتهم بأوراق ثبوتية.
في حين وصل خبير إيراني بحماية “الحرس الثوري” الإيراني إلى موقع الصوانة لإجراء أبحاث في منطقة حقول الفوسفات الخاضعة لسيطرة ميليشيات إيران جنوبي مدينة تدمر، كما قامت مليشيا فاطميون بنقل كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر إلى مواقع محصنة ضمن أقبية في منطقة سوق الهال القديم بمدينة تدمر، حيث يقع السوق القديم قرب مطار تدمر العسكري.
كما بدأت مليشيا فاطميون بمنتصف تموز، بنقل غرف مسبقة الصنع إلى مزرعة “اللواء محمد واصف” الواقعة بمنطقة الوادي الأحمر شرقي مدينة تدمر8 كلم بريف حمص الشرقي وبدأت بوضع الغرف المسبقة الصنع ضمن تلك المزرعة بهدف تحويل المزرعة إلى مقر جديد لها، وبحسب مصادر المرصد السوري، فإن مزرعة “اللواء محمد واصف” مساحتها كبيرة وتقع قرب أوتستراد تدمر – دير الزور وفيها عدة أبنية تعرض البعض منها لدمار جزئي أثناء سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” قبل أن يتم ترميمها وتحصينها مجددًا.
فيما وصل 26 تموز، خبراء من “حزب الله” اللبناني إلى مدينة تدمر الأثرية بريف حمص الشرقي و الخاضعة لسيطرة ميليشيا “فاطميون” الأفغانية الموالية لإيران، ووفقًا لمصادر المرصد السوري، فبعد وصول كمية من الأسلحة ووصول عدد من عناصر ميليشيا “فاطميون “الأفغانية وعددهم نحو 40 عنصر إلى موقع التليله الواقع شرقي مدينة تدمر والذي تتخذه المليشيات الإيرانية مركزا لها، وصلت سيارة من نوع “براد” بداخلها مسيّرات إيرانية خاصة بالتدريب برفقة خبراء من “حزب الله” اللبناني، بهدف تدريب عناصر ميليشيا “فاطميون” الذين وصلوا مؤخرًا إلى المنطقة على استخدام تلك المسيّرات.
وفي الرابع من أيلول، نقلت ميليشيا فاطميون الأفغانية، عدداً من الطائرات المسيرة الموجودة في عدة مواقع بمحيط مدينة تدمر الأثرية إلى مطار تدمر العسكري بريف حمص الشرقي، ووفقاً للمصادر، فقد خزنت ميليشيا “فاطميون” الأفغانية هذه الطائرات المسيرة داخل عدد من الهنكارات المحصنة، وبدأت بتدريب عدد من عناصرها تحت إشراف ضباط من “الحرس الثوري” الإيراني على كيفية استخدام الطائرات المسيرة ضمن مطار تدمر العسكري.
وفي 11 أيلول، وصل 35 عنصر من ميليشيا حزب الله السوري المدربة والمسلحة من قبل حزب الله اللبناني، مع عتادهم الكامل من أسلحة وآليات إلى مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، قادمين من منطقة السخنة بالبادية السورية، حيث قاموا بالتمركز ضمن المدينة ومحيطها وإنشاء نقاط لهم هناك، عقب وصول معلومات لديهم باستهداف تنظيم”الدولة الإسلامية” لأماكن تواجدهم في السخنة.
وفي الثلث الأخير من الشهر ذاته، عمدت ميليشيا فاطميون إلى تحويل ما يعرف “بملعب الصناعة” ضمن مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، إلى مركز تدريب على السلاح خاص بعناصرها فقط، حيث نقلت سلاح وذخائر آليه، وأضافت مصادر المرصد السوري، بأن القسم الثاني من الملعب جرى تحويله إلى مرآب للسيارات الخاصعة بعناصر وقيادات ميليشيا “فاطميون”، وافتتحت ورشة ضمنه لإصلاح السيارات العاطلة، يذكر أن ملعب الصناعة يقع بالقرب من مقرات للميليشيات داخل المدينة.
في حين شهد الخامس من أيلول حدث يعد الأول من نوعه ضمن الأراضي السورية، حين افتتحت مليشيا “الحرس الثوري” الإيراني، مركزا خاصا بالمعلومات والتوثيق “استخباراتي” في إحدى مقراتها القريبة من مشفى تدمر الوطني، وأفادت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن مهمة المركز جمع معلومات عن “الجهات المعادية” لهم، ويعتبر المركز مرجعية لكافة المليشيات الإيرانية التي تنتشر في ريف حمص الشرقي.
كما عمدت الميليشيات بتاريخ 5 تشرين الأول إلى إجراء تدريبات عسكرية بإشراف قيادات في “الحرس الثوري” الإيراني و”حزب الله” اللبناني، في مطار تدمر العسكري، لإطلاق صواريخ متوسطة وقصيرة المدى، “إيرانية الصنع”، على أهداف ثابتة ضمن البادية السورية ومطار تدمر العسكري.
ومما سبق، نجد أن مدينة تدمر أو مملكة زنوبيا باتت “محمية إيرانية” جديدة ضمن الأراضي السورية على غرار منطقة غرب الفرات بمحافظة دير الزور.