ثلاثة دروس مستفادة من تراجع «داعش»

35

أعلنت القوات السورية والكردية العراقية أنها تمكنت، بمعاونة الغارات الجوية الأميركية، من استعادة بلدة كوباني الواقعة على الحدود السورية – التركية من تنظيم داعش. غير أن ذلك النجاح لا يغير من الحسابات الاستراتيجية الرئيسية للحرب على الجماعة المتطرفة؛ فقد كانت معركة كوباني أكثر رمزية من كونها انتصارا عسكريا. لكن ذلك الانتصار، إذا أمكننا تعريفه بذلك، يحمل ثلاثة دروس مستفادة حول مسار الصراع المستمر مع {داعش} – وكيف يمكن أن يخضع لتأثير استخدام القوة من عدمه.
أول تلك الدروس هو أن الغارات الجوية وحدها لا يمكنها استعادة الإقليم من {داعش}. ولذلك، تعتبر القوات البرية ضرورية للغاية، والمعارك الدائرة حاليا ليست كافية بأي حال.
منذ وقت ظهور {داعش} كلاعب إقليمي خطير، كان من الواضح أن أميركا سوف ترد بقوة جوية كبيرة، حيث تشكل تلك الجماعة من المقاتلين تهديدا كبيرا على استقرار المنطقة.
ما لم يكن واضحا هو صمود الجماعة المتطرفة في وجه الهجمات الجوية كما فعلت. فإذا كان «داعش» ما هو إلا حفنة متشرذمة من مثيري الشغب بحق، فإنه كان سينهار تحت وطأة الغارات الجوية. في سبتمبر (أيلول)، حينما خرج الرئيس أوباما بخطابه حول التهديد وبدأ القصف الجوي، بدا ذلك وقتها بأنه احتمال واقعي. ربما أن قيادة «داعش» لم تكن تعرف كيف يمكن لقواتها الصمود في مواجهة القوة الجوية الأميركية.
منذ ذلك الحين، فشل القصف الجوي المستمر في تغيير حدود سيطرة «داعش» بشكل ملحوظ. وفي العراق، سيطر التنظيم الإرهابي على المزيد من الأراضي في محافظة الأنبار، بينما تتقلص سيطرته قليلا في محافظة ديالى.
تقودنا أهمية القوات البرية إلى الدرس الرئيسي الثاني: الجهات الإقليمية الفاعلة التي لديها مصالح ذاتية كبيرة في دحر وهزيمة «داعش» هي التي تستطيع توفير القوات البرية.
يمكن القول إن إيران أخذت على محمل الجدية فعلا الحاجة إلى استخدام القوات البرية ضد التنظيم.
أما الأكراد الذين قاتلوا في كوباني فهم مختلفون. بالنسبة للأكراد السوريين، يمثل «داعش» تهديدا وجوديا حقيقيا. أما بالنسبة للأكراد العراقيين فتوفر محاربة «داعش» مبررا ممتازا للتوسع بصورة لا رجعة فيها في الإقليم وراء ما تسيطر عليه الحكومة الإقليمية الكردية فعليا. فالتوسع لما يبدو تدريجيا أنه الدولة الكردية المستقلة الواقعية يعد من أهم التطورات خلال ألف عام بالنسبة للتاريخ الكردي.
وفي حالة العراق، قد يظن أحدنا أن الحفاظ على وحدة البلاد يمكن أن يكون مبررا كافيا. ولكن يبدو أننا على خطأ؛ فما دامت قوة «داعش» تتركز داخل المناطق السنية من البلاد، فإن الحكومة في بغداد ترى الأمر من زاوية أن المحاولة في حد ذاتها لن ترجع بفائدة تذكر.
ذلك الواقع مثير للكثير من القلق. وهو يعني أنه، بعد عامين من الآن، ربما يتوافر الوقت «داعش» لتعزيز السيطرة على الإقليم الخاضع له حاليا.. وتلك تعد خطوة كبيرة في اتجاه ترسيخ مكانة التنظيم.
والسيادة هي العنصر الحاسم في درس كوباني الثالث: يستعد تنظيم داعش الآن للتراجع من معركة ثم يعود للقتال في يوم آخر. ولم يكن ذلك استنتاجا مفروغا منه. فتنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين، جمع تقريبا كل موارده لشن معركة يائسة ضد القوات الأميركية في الفلوجة. إثر دوافع آيديولوجية من دون التركيز الحصري على هدف واقعي للسيطرة على الإقليم، كان تنظيم القاعدة مستعدا لفقدان الآلاف من المقاتلين لتحقيق نقطة انتصار كبرى في مواجهة {المحتل الكافر}.
يظهر تراجع «داعش» من كوباني أن التنظيم ينزع إلى القتل والقتال وليس إلى الانتحار، وهو ليس على محك القلق خصوصا في ما يتعلق بخسارة المصداقية لدى أنصاره على مستوى العالم بسبب التراجع. تتسق تلك الميزات مع أساليب التنظيم، وبالتالي فهو يختلف فيها عن تنظيم القاعدة.
خلاصة القول، فإن هزيمة «داعش» في كوباني ستنتقل بالقوات البرية من دائرة حلفاء المصلحة الذاتية لواشنطن. ويبدو الخصم من خلال ذلك أكثر عقلانية واستراتيجية. وباعتبار الأمرين معا، نستخلص الأسباب الدافعة إلى القول إن ذلك القتال لن يشهد نهاية قريبة بأي حال.

 

نوح فيلدمان

المصدر : الشرق الاوسط