ثوار «الربيع» ضحايا خديعة كبرى أم أبطال في قضية؟

هل هو زمن الاضطراب الأعظم؛ هذا الذي يحياه مئات ملايين العرب، وهم لا يكادون يتفقون على اسم معين له، هل هو ثورة شعبية أم مؤامرة دولية. وإذا كان ثورة فإنه لن يكون إلا خليطاً من معظم نماذج الثورات المتعارضة فيما بينها كأسباب ونتائج وعلاقات وأهداف. هل هي عينة رهيبة عن الفوضى الكونية. هل هي التمارين الأولية عن فوضى القيامة التي ستحل بالبشرية جمعاء يوماً ما.
صعوبة تحديد هوية هذا الحدث المرعب ليست آتية فقط عن فظاعاتها غير المسبوقة في عداد قاموس الأهوال البشرية المتداولة، بل هي الصعوبة الناجمة عن استحالة فهمها، عن انكسار ثقافة المعقولات المشرعة تجاه لامعقولها شبه الجنوني أو بالأحرى ما فوق الجنوني.
لم يعد «الربيع العربي» سوى مصطلح تائه بين أنداد شوهاء عنه لا تشبهه إلا بادعاء انتماء إلى اسمه فحسب، وبالتالي ليست المسألة متعلقة بالتسميات، وإنْ انْقاد الرأي العام غالباً وراء الكلمات مع تناسي أفعالها، لكن الحاجة إلى الفهم لا غنى لها عن استعمال الكلمات. يبقى على العقل الواعي أن يعيد اكتشاف مرجعيات الكلمات في عظم الواقع ولحمه كلما أراد أن يُلحق كلماته بأفعالها المؤثرة. وهذه هي لغزية الحضارة المستدامة وتميزها عن الحضارة الفاشلة، فالأولى هي تلك الحضارة التي أثبتت ثقافتْها قدرتهَا على عدم القطع مع جدلية العلاقة الحيّة بين كلماتها وأشيائها، وتحديداً في أوقات أزماتها المصيرية، أما الحضارة الفاشلة فهي التي تظل سجينة كلماتها بإرادتها، لا تعرف كيف الخروج منها إلا للتوجه نحو أنساق من كلمات أخرى تجدّد فيها سجنَها القديم الأزلي.
بعد هذه السنوات الأربع الخمس، بات السؤال عن «الربيع» كالبحث عن الشيء في وكر من الأفاعي. ومع ذلك فهذا الشيء هو موجود بطريقة ما وإن كان مفقوداً بطرق ملتوية كثيرة.. فلقد أحب الناس جميعهم تقريباً في بلادنا حادثة بوعزيز التونسي. إذ تفتحت صدورهم جميعاً لاستقبال أول انتفاضتين لتونس ومصر، وبعد أن تكللتا بالنجاح السريع مع إسقاط رمزين كبيرين لنوع الاستبداد البوليسي اللصوصي السائد في دنيا العرب.. لم تنل الانتفاضتان محبة شعوبهما وحدهما. بل إن الغرب الأهلي_ هنا رحَّب بالمفاجأة الديمقراطية الشعبية الجديدة أو الصاعدة.
هذه البدايات ما بين تونس والقاهرة وطرابلس ارتفعت سريعاً إلى مستوى (ظاهرة) اجتماعية تاريخية كبرى. وقد استشعرتها عقول وأقلام النُخب الثقافية والشبابية في كل مكان. إذ كان إسقاط الديكتاتوريات العربية أبعد ما كان منتظراً في السياسة الدولية المستقرة، والتي كان الاستبداد العربي يشكل أحد أعمدة أركانها الأساسية. فحين أُطلق اسم الربيع العربي على هذه الظاهرة، لقي المصطلح تقبلَّه الفوري عربياً وعالمياً. تأمل المتفائلون بهذا الربيع كفاتحة لموجة تغيير كونية، سيكون لها جولاتها في ميادين مختلفة. إنها مؤشر موضوعي_أُممي على إمكانية أن يخرج عالم السياسة الدولية من جموده الطويل. أن يعيد إلى الحراك الإنساني بعضَ قوى اندفاعه، منافساً لتسلط الحراكين الآخرين الاقتصادي والعسكري، المتحكمين وحدهما بأقدار البشرية جمعاء.
هذا التقييم في فهم مغزى الربيع سوف يشكل فورياً حافزَ المنعطف الأخطر للاستراتيجية الحضارية (العميقة) للعلاقات الدولية السائدة. لكن لن يكون مقبولاً ولا مسموحاً أن يستعيد الحراك البشري استقلاله. أن تعود إليه مبدئية الحرية الذاتية ما قبل وما فوق الأنظمة والشرائع،فالظاهرة الربيعية عابرة للحدود. إنها نوع من الزلزال الاجتماعي الذي يهدد كل بناء فاسد بالانهيار على رؤوس مستغليه. إنها تعيد أسطورة الثورة الأممية، قد تسترجعها، تنبشها من تحت ركام تجاربها الماضية المهولة بكل معاركها الشمولية بخيرها وشرها، قد تستأنف مسيرة التاريخ لتأتي هذه المرة مُصحِّحةً لمفاهيمها ومُصوِّبة أكثر لقراراتها ومواقفها.
اليوم الفكرُ العالمي هو في أعلى مراحل حاجته الأنطولوجية إلى التغيير. وقد بات يعاني هذه الحالةَ درامياً كأنه لم يتغير لمرة واحدة طيلة تاريخه الحافل بأعنف القطيعات وأروعها.. كأنه لم يتغير أبداً، ولذلك تلقَى فكرة ثورة الحرية العربية بحماسة غير معروفة عنه سابقاً إزاء أحداث العالم الثالث. بل أصبحت هذه الحالة الثورية الجديدة أشبه بظاهرة كونية تثير عقول الطلائع النخبوية في شتى المجتمعات الغربية بالرغم من نماذجها العالمثالثية أو تلك البعيدة عنها؛ ذلك أن أهمية هذه الظاهرة وانفتاح الفكر الإنساني عليها هو كونها أنها أعادت إلى الحرية مبدئيتها الخالصة من أية تشابكات أخرى مع المفاهيم الاجتماعية المتكالبة عليها من كل حدب وصوب، تلك (المذهبيات) العديدة التي تصيّدت تأويلات متعارضة، حاولت كل منها اعتقاَل الحرية داخل شرنقتها العقائدية الخاصة بها. الأمر الذي جعل تاريخ التغيير حتى في أرقى مجتمعاته، تصاب حركاتُه الثورية بأمراض من الإعاقة الذاتية، إذ كانت تتكشّف دائماً عن أعطال متنامية في أجهزتها الوطنية، قبل أن تحقق نضجها المسوّغ لمشروع وجودها أصلاً.
فالحرية المطهرة من الأدلجات، حتى من ذاكرتها وبقايا أوثانها المحطمة. تلاقيها صيغة الشبيبة غير الملوثة بعدُ بأمراض بيئاتها الموبوءة، بحيث يبدو أن كل مجتمع معاصر يمكن لهذه الصيغة أن تولِّد نسخةً حية عنها. هكذا تكتمل عناصر الصيغة، عندما تحوز على توصيفها العام كظاهرة استثناء غير مسبوقة في النظرية السياسية. ما يمكن أن يمتد تأثيرها من الواقع اليومي حتى إلى الجامعات، حيثما تتابع انقلابات منهجية رأساً على عقب في فروعها الاجتماعية والفلسفية.
إذن، ثورة الحرية هي الأساس، وكل ما عداها في النظرية السياسية هوامش نافلة. أما تجارب «الربيع العربي» فهي في جملتها لم تستطع أن تقدم إلا عينات كبرى مضادة صارخة عن كل ما كان يؤمل منها، ولم تنتج إلا كل، ما هو منحرف عن معانيها أو قاضياً عليها كلياً. فقد انهارت وسائل العمل الجماعي ليبقى العنف وحيد الساحة. فالوحش التاريخي المتصدي للحرية في مختلف الظروف هو العنف المحض. إنه العدو الدهري للحرية. وإذا كان لأحداث المشرق المنتحلة لإسم الربيع والمغتصبة لأهم مفرداته، إذا كان لها ما تدعيه تخصيصاً لها، فهي أنها كادت أن تخلع من قلوب الناس محبَة الحرية عفوياً وبدون أية فذلكة مكتسبة أو مزروعة تربوياً أو توجيهياً أيديولوجياً. هذا الكنز من محبة الحرية والتعلق بها هو آخر زاد متبقٍ لشعوبنا الفقيرة لإبقائها على قيد الحياة.
هل نقول إن معظم الشبيبة كادت تكره الحرية، تحملّها مسؤولية تحولها إلى الوحشية الكاسرة التي قامت الثورة أصلاً من أجل انقاذ مجتمعاتها من أهوالها. لكن في المآل الأخير فإن الواقع (السياسوي) أصبح هو الكاسب الأول، هو الأسرع في توظيف حتى أعدائه لخدمة أغراضه. فلماذا لا يشعر الكثيرون من ثوار الأمس واليوم أنفسهم في نهاية الدروب المغلقة، أنهم كانوا ضحايا خديعةٍ أكثر من كونهم أبطالاً في قضية.

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

المصدر: القدس العربي