“جزر آمنة” شمال سورية لمنع قيام كيان كردي

شكلت الحملة التي تشنها السلطات التركية ضد «داعش» في اليومين الماضيين، «تحولاً» في موقف أنقرة من التنظيم المتطرف، وتتويجاً لـ «تفاهمات حل وسط» بين أنقرة وواشنطن تضمنت إقامة «جزر آمنة» في شمال سورية بعيداً من «داعش» والمقاتلين الأكراد والقوات النظامية السورية ومنع قيام كيان كردي، مقابل بدء أنقرة خطوات عملية ضد حوالى 15 ألف شخص يشتبه بكونهم مقاتلين أجانب سُلمت أسماؤهم إلى أنقرة، والسماح باستخدام قواعد عسكرية ثلاث في الحرب على «داعش».

وقال مسؤول غربي رفيع المستوى لـ «الحياة» أن «التحول» في الموقف التركي سيكون محورياً في اجتماع النواة الصلبة للتحالف الدولي – العربي ضد «داعش» المقرر في كيبيك بكندا بعد يومين، مشيرة إلى أن التغيير في موقف أنقرة جاء «تتويجاً» لاتفاق جرى بين أنقرة وواشنطن في 8 تموز (يوليو) الجاري وأقره الرئيس باراك أوباما باتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل يومين.

وكان الرئيس أردوغان رفض الدخول في الحملة ضد «داعش»، واستخدام مقاتلات التحالف قاعدة «إنجرليك» الأمر الذي قيد من قدرة المقاتلات على شن غارات مكثفة شمال سورية وشمالها الشرقي، ما لم يكن ذلك ضمن «رؤية استراتيجية» تتضمن قتال القوات النظامية السورية وتغيير النظام باعتباره «مغناطيس جذب للمتطرفين»، حيث اقترحت أنقرة رؤية تضمنت جوانب سياسية وعسكرية وإنسانية وأمنية كان بينها حظر طيران شمال خط 35.5 خط عرض شمال سورية على أن تقام تحت هذه المنطقة «مناطق آمنة» تتضمن استقبال النازحين وفصائل المعارضة المعتدلة تكون محرمة على القوات النظامية و «داعش» ومقاتلات النظام. وأقر الجنرال المتقاعد جون آلن هذه الخطة المدعومة فرنسياً، غير أن قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال لويد أوستن نقضها بدعم من أوباما لاعتقاده بأن تنفيذها «يستفز» إيران والمفاوضات النووية وقتذاك، إضافة إلى أن فرض هذه المنطقة يتطلب نحو 500 بليون دولار أميركي ونشر 50 ألف جندي، وفق المسؤول.

وأوضح أن بداية التحول جرت في بداية تموز الجاري، عندما نشر الجيش التركي نصف قواته مزودة عتاداً ثقيلاً على طول الحدود مع سورية مع تأكيد المسؤولين السياسيين أنهم ليسوا بصدد «التوغل» في شمال سورية، ثم بدء شن حملة شملت اعتقالات بضع مئات من عناصر «داعش» وتشديد إجراءات عبور المقاتلين الأجانب إلى سورية، إضافة إلى شن مقاتلات التحالف غارات «غامضة وداعمة» لمقاتلي الفصائل الإسلامية المتمركزة ضد «داعش» في جبهة مارع في ريف حلب.

وأشار المسؤول إلى أن دولاً غربية سلمت أنقرة قوائم بحوالى 14500 شخص أجنبي من 90 دولة يشتبه بأنهم دخلوا أراضيها للانضمام إلى «داعش» في سورية والعراق، كان بينهم 34 في المئة من دول الخليج و 22 في المئة من شمال أفريقيا و17 في المئة من دول الاتحاد السوفياتي السابق. وقالت مصادر روسية لـ «الحياة» أنه في بداية 2013، كان تقدير الاستخبارات الروسية أن عدد المقاتلين من دول الاتحاد السوفياتي السابق في سورية في حدود 250 عنصراً، غير أن عددهم ارتفع إلى ألفي عنصر بينهم 1500 من الشيشان و200 من روسيا. واتخذت أنقرة إجراءات محدودة تضمنت طرد 1400 شخص كان بينهم 350 مشتبهاً بين كانون الثاني (يناير) وأيار (مايو) الماضيين، لكن بقيت على موقفها في المطالبة بـ «رؤية استراتيجية» ضد التنظيم.

وأوضح المسؤول أنه في خضم هذه التطورات زارت كريستين ورموث مساعدة وزير الدفاع والجنرال آلن أنقرة لوضع لمسات على التفاهمات بين البلدين وعدم تكرار خيبات سابقة بعد عدم إقرار أوباما مقترحات أعلنها آلن، مشيراً إلى أنه بعد مفاوضات استمرت يومين، توصل الطرفان إلى حلول وسط وتفاهمات بقي الطرفان حذرين إزاءها إلى حين اتصال أوباما بأردوعان لمباركتها. وكان بينها إقامة «جزيرة آمنة» تمتد من جرابلس على الحدود السورية – التركية إلى مدينة مارع معقل «لواء التوحيد» والفصائل المعتدلة في ريف حلب، بحيث يكون عمقها نحو 50 كيلومتراً. وقال أن هذا كان حلاً وسطاً وتنازلاً يرضي الجانب التركي لأنه يحول دون ربط الأقاليم الكردية الثلاثة، خصوصاً عين العرب (كوباني) وعفرين شمال سورية ومن دون إجراء تغيير ديموغرافي يؤسس لقيام «كردستان سورية»، مقابل موافقة أنقرة على عدم وجود المتطرفين وتحديداً «النصرة» و «داعش» في هذه «الجزيرة».

وحصلت تركيا أيضاً على «تفويض أكبر» في اختيار مقاتلي الفصائل المعارضة ضمن برنامج التدريب والتسليح التابع لـ «بنتاغون» بموازنة مقدارها نصف بليون سنوياً لتدريب خمسة آلاف في السنة، ذلك أن البرنامج لم يستقطب إلى الآن سوى 55 مقاتلاً بعد انسحاب حوالى 150 مقاتلاً لرفضهم توقيع ورقة تضمنت التعهد عدم قتال قوات النظام والاكتفاء فقط بقتال «داعش». ويعتقد أن أجهزة الاستخبارات التركية ستكون «شريكة» لـ «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي أي) في اختيار المقاتلين السوريين مع أفضلية لتدريب توركمان ومقاتلي فصائل إسلامية، خصوصاً بعد جهود راهنة لـ «تعويم» غربي لـ «أحرار الشام الإسلامية» بعد عدم نجاح تعويم «جبهة النصرة» وتشدد واشنطن ودول غربية ضد «النصرة».

وبعدما كانت أنقرة سمحت باستخدام طائرات استطلاع من «أنجرليك» نتيجة ضغوط أميركية، سمحت الآن بوجود خبراء أميركيين وغربيين، وأن تقلع طائرات التحالف محملة أسلحة وأن يكون تحليق المقاتلات بـ «التنسيق» مع الجيش التركي و «عند الضرورة». وأكد المسؤول تقارير إعلامية نشر بعضها في صحيفة «حرييت» التركية، وفيها أن المقاتلات التركية ستفرض «حظراً جزئياً» للطيران لكن، من دون دخولها المجال الجوي السوري، ما يعني تفعيل اتفاق يعود إلى منتصف الخمسينات بحظر اقتراب الطيران السوري شمال شريط حدودي بعمق 25 كيلومتراً. كما سمح للتحالف باستخدام قواعد تركية في باتمان ودياربكر وملاطيا في «حالات طارئة».

وتوقع المسؤول أن تسمح هذه التفاهمات بانضمام دول غربية إلى غارات التحالف في سورية، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يسعى إلى الحصول على دعم حزب العمال المعارض قبل التصويت في أيلول (سبتمبر) على مشاركة مقاتلات بريطانية في الغارات ضد «داعش» في سورية.

الكتاتب ابراهيم حميدي

المصدر ::صحيفة الحياة اللندنية