جنوب سوريا مضطرب بسبب “داعش” ومهربي المخدرات وقوات النظام

دمشق قد تضحى عاصمة دولة مخدرات يشلها العنف

 

تؤدي العصابات والقمع السياسي والعنف إلى تقويض سلام متزعزع هش في جنوب سوريا، حيث من المفترض أن تسهم تسوية رعتها روسيا إلى إنهاء النزاع بين القوات الموالية للديكتاتور بشار الأسد والمتمردين المسلحين الذين سعوا إلى إطاحته.

على طرقات مدن وبلدات محافظة درعا، تبرز مشاهد تذكرنا بالمرة الأولى الاشتعال الانتفاضة في سوريا خلال مارس (آذار) 2011. وقد انتفض معارضو الأسد مجدداً في الأيام الأخيرة ونظموا تظاهرات وأنشدوا الأغاني الثورية ورفعوا علم سوريا الذي اعتمد قبل وصول حزب البعث إلى السلطة.

“يا درعا نحنا معك للموت، حتى إن كان ذلك يعني الموت معك”، هتف المتظاهرون في مدينة جاسم في محافظة درعا، هذا الشهر، ورددوا شعار انتفاضات “الربيع العربي” في 2011 “الشعب يريد إسقاط النظام”.

وفي فيديو يوثق الحدث، ظهر مسلحون على أسطح المنازل مصوبين أسلحتهم على المتظاهرين، بمن فيهم الأطفال. وينقل أحد الرواة أن “النظام يطلق النار على الشعب”.

 

لقد قتل نصف مليون شخص على الأقل خلال النزاع في سوريا الذي امتد على 12 عاماً، ومن بينهم عديد من المدنيين الذين سحقوا بالبراميل المتفجرة أو تعرضوا للتعذيب حتى الموت في السجون. بمؤازرة إيران وروسيا، بدأ الأسد بالاستحواذ مجدداً على المناطق التي سيطر عليها المتمردون منذ سنوات.

وفي الغالب، جرى ذلك من خلال فرض اتفاقات مصالحة مدعومة من روسيا أو الأمم المتحدة، تتضمن إعادة تموضع المتمردين أو تجريدهم من السلاح مقابل الحصول على العفو العام.

ومن شأن الانهيار الواضح لهذه الاتفاقات أن يؤدي إلى تداعيات أوسع.

واستطراداً، راقبت إسرائيل والأردن المجاورتان بقلق بالغ الوجود المتزايد على حدودها للميليشيات المدعومة من إيران ومهربي المخدرات والمتطرفين الجهاديين في مناطق يشرف عليها رسمياً نظام دمشق. ويختار عديد من السوريين الهرب إلى أجزاء أخرى من الشرق الأوسط أو أوروبا.

ومن المحتمل أن تؤدي الفوضى المنتشرة في الجنوب إلى إضعاف الأمن في شمال سوريا. وقد جمع الكرملين وزيري دفاع سوريا وتركيا في موسكو الأسبوع الماضي في محاولة لإقناع أنقرة بالسماح لروسيا بفرض تسوية مماثلة لتلك السائدة في الجنوب، في المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الكرد والمتمردين.

وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الأنباء الرسمية الروسية “ريا” عن أنه “جرت مناقشة طرق معالجة الأزمة السورية ومسألة اللاجئين، فضلاً عن بذل جهود مشتركة لمحاربة المجموعات المتطرفة في سوريا”.

ويعتبر الخبراء أن نموذج درعا بات يبدو غير جذاب بشكل متزايد. وفي ذلك الصدد، ذكر ميتي سوهتاغلو وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط يعمل مع شركة “بلغسام” Bilgesam الاستشارية التي تقع في إسطنبول، أن “نظام الأسد يفقد السيطرة في درعا، إذ تتصاعد الفوضى الأمنية في جنوب سوريا منذ أن استعاد النظام السيطرة. ويتقاتل عدد من الأطراف المتنازعة ضد بعضهم بعضاً لإثبات وجودهم على الأرض وإحباط مخططات الآخرين، ما يترك المنطقة في فوضى عارمة”.

وبقي جنوب سوريا في حالة توتر متزايد وعدم ثقة منذ أن رعا الكرملين اتفاقاً بين المقاتلين المتمردين ونظام الأسد في عام 2018. وإلى جانب المتمردين السابقين، يتضمن المزيج المتقلب الأطراف الفاعلة، بقايا “داعش” التي تتجول في المناطق النائية ومهربي مخدرات مرتبطين بالنظام ينقلون الكبتاغون و”ميث أمفيتامين” وأنواع مخدرات أخرى عبر الحدود الأردنية باتجاه الخليج وشبه الجزيرة العربية.

[تولد مادة ميث أمفيتامين تأثيراً مهيجاً للجهاز العصبي، مع تأثير إدماني قوي].

ويشتبه المراقبون بأن إيران وحلفاءها متورطون أيضاً في إثارة الاضطراب في تلك المنطقة الاستراتيجية المتاخمة لمرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، عدوة إيران.

 واستكمالاً، تبقى أكثر الجهات افتراساً هي القوات المسلحة والميليشيات التابعة للنظام، إذ تنطلق أحياناً من قاعدة كانت تسيطر عليها روسيا وتقع اليوم في أيدي إيران و”حزب الله”. وقد وصف ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد، بأنه العقل المدبر للميليشيات المدعومة من إيران وشبكات التهريب التي أسهمت في تمويل النظام في وقت لا يزال يرزح فيه تحت عقوبات دولية مشددة.

ويعتبر سوهتاغلو بأن “سوريا أصبحت فعلياً دولة مخدرات”.

وتقود قوات النظام نشاطات خارجة عن القانون بشكل متزايد، بما في ذلك الخطف مقابل فدية والاختطاف القسري للمعارضين المشتبه فيهم. وقد أثارت تلك القوات أخيراً موجة احتجاجات واسعة ضدها حينما أوقفت أخت زوجة أحد القادة السابقين للمتمردين الذي لا يزال قيد الاعتقال.

وفي سياق متصل، يرى نافار سابان، الباحث في “مركز عمران للدراسات الاستراتيجية”، وهو مركز دراسات يتمحور عمله حول الشؤون السورية، أن “درعا تواجه مخاطر أمنية يومياً. وبوسع أي شيء أن يتسبب في اندلاع تظاهرات واسعة النطاق، ما حصل هذه المرة هي أنهم أوقفوا قريبة أحد المقاتلين السابقين في الجيش السوري الحر. كان ذلك تجاوزاً للخطوط الحمراء”.

واستطراداً، نقل أحد المتظاهرين إلى صحيفة “عنب بلدي” السورية بأنه انضم مع آخرين إلى التظاهرات في المدن الجنوبية للدلالة على أن “روح الثورة” التي أطلقت شرارة انتفاضة عام 2011، لا تزال حية. وأضاف أن السكان في بلدته “تل شهاب” خرجوا في مسيرات إلى مقار قوات الأمن حاملين علم الاستقلال المستفز لتلك القوات، إذ كان معتمداً قبل نظام الأسد في سوريا.

وبدأت تظاهرات دورية ضد النظام وقواته في 21 ديسمبر (كانون الأول)، واستمرت بشكل متقطع على الأقل في بضع مدن وبلدات بحسب “المرصد السسوري لحقوق الإنسان”، وهو مجموعة مراقبة وترصد مقرها المملكة المتحدة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أفيد عن أعمال عنف متقطعة شملت لجوء قوات الأمن إلى فتح النار على حشود من المتظاهرين. وترافق ذلك مع اغتيال ثمانية مسؤولين أمنيين موالين للأسد، بحسب إحصاءات لدى قلة من الصحافيين السوريين ممن يعملون بشكل سري في البلاد.

واشتكى السوريون في محافظتي درعا والسويداء الجنوبيتين بأنهم ضحايا قوات النظام والميليشيات المدعومة من إيران وكذلك بقايا “داعش”. وكذلك عمد بعض المتمردين السابقين ممن رفضوا مخطط التسوية التي رعتها روسيا في يوليو (تموز) 2018، إلى التقرب من “داعش” مع عزمهم على تصفية الحسابات [مع النظام].

بشكل متكرر، وجدت الفصائل المتمردة السابقة نفسها وحيدة في مواجهة “داعش”. وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، قتل المتمردون السابقون زعيم تنظيم “داعش” السابق أبو الحسن الهاشمي القرشي الذي كانت قواته تستهدف المقاتلين المتمردين في حملات اغتيال واسعة. وفي 25 ديسمبر (كانون الأول)، أفيد بأن المتمردين في الجنوب قتلوا قائداً محلياً آخر من “داعش” يحمل لقب “أبو لؤي القلموني”.

وفي سياق متصل، أطلق تنظيم “داعش” سلسلة تفجيرات انتحارية استهدفت المتمردين والنظام، حتى إنه أنشأ محكمة إسلامية في مدينة “جاسم” قبل أن تكتشف وتحل.

وفي ذلك الصدد، يرى سوهتاغلو أن “مقاتلي (داعش) يجولون في تلك المناطق، مع حدوث عدد من الاغتيالات وعمليات القتل. تبدو المناطق التي يسيطر عليها النظام في جنوب سوريا غير آمنة بشكل واضح، حيث تجري عمليات الخطف والنهب والقتل والتفجير”.

وأدت الفوضى التي فاقمت الانهيار الاقتصادي وعودة تفشٍّ محتمل لفيروس كورونا، إلى زيادة معاناة السكان العاديين، ومن شأنها أن تطلق مزيداً من الاحتجاجات. وما يزيد الطين بلة هو نظام دمشق الذي يرى العنف والقمع بوصفهما السبيل الوحيد لمعالجة السخط والاستياء.

وحينما نزل المتظاهرون إلى شوارع السويداء الشهر الماضي للتعبير عن غضبهم من انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار، فتحت قوات النظام النار عليهم.

وبحسب سابان، “أي نوع من المشكلات الأمنية في درعا هو بمثابة مبرر إضافي لاستخدام مزيد من العنف واعتقال مزيد من الأشخاص. هل يزعج هذا الأمر النظام؟ لا أعتقد ذلك”.

 

 

المصدر: اندبندنت عربية

الكاتب: بورزو درغاهي