جنوب سورية: يتقدم «حزب الله» فيوقفه الأردن ويتقدم «الجيش الحر» فتوقفه روسيا

36

المشهد في جنوب سورية شديد البرودة قياساً بسخونة الحرب. الوقائع تحمل مقداراً من الواقعية ومن قبول الأطراف المتحاربة بقواعد غير مألوفة في العلاقات التي عادة ما تربط الأطراف المتحاربة، فخريطة النفوذ في هذه المنطقة تتوزعها قوى متحاربة من المفترض أن يُشكل القتال الصيغة الوحيدة التي تربط بينها. لكن هذا ليس الواقع الوحيد هنا على هذه الجبهات، فثمة فرع لـ «داعش» يبسط نفوذه على مساحة من المثلث الحدودي السوري الأردني- الإسرائيلي. إنه جيش «خالد بن الوليد»، الجماعة التي تشكلت من توحد «لواء شهداء اليرموك» و «حركة المثنى»، ويقدر عدد عناصر هذا الجيش بنحو ألف إرهابي، يبسطون نفوذهم على نحو عشر بلدات في وادي اليرموك، بالقرب من مدينة درعا. وهم إذ لم يعلنوا مبايعتهم التنظيم الأم «نظراً لحساسية موقعهم الجغرافي»، فرضوا على السكان شروط العيش التي يفرضها «داعش»، لجهة النقاب ومنع التدخين ومنع حلق اللحى. السلطات الأردنية والإسرائيلية لا تعاملهم بصفتهم فرعاً لـ «دعش»، ذلك أنهم عناصر محلية يقتصر نفوذ غير السوريين منهم على مهام «شرعية»، فيما لم يبدوا حتى الآن أي طموحٍ في نشاط عسكري أو أمني خارج الحدود السورية. ولا بد هنا من ملاحظة قبول «داعش» قواعد لعبة تقتضي تفادي إطلاق اسمه على جماعة أعلنت بيعتها له، وتضمن القبول تبريداً لجبهات مع دول وجهات كان «داعش» أعلن الحرب عليها، كالأردن مثلاً، ناهيك عن إسرائيل. في اليوم الذي التقيت فيه أحد ضباط الجيش الحر، كان الأخير يتقدم ببطء في منطقة المنشية في مدينة درعا. الجيش الحر هو القوة الأكبر في جنوب سورية، لكن أي تقدم له على جبهات القتال مع النظام يبقى محكوماً بمعادلات التوازن الإقليمي، هذه المعادلات التي ثبتت خريطة النفوذ في محافظات الجنوب.

قال لي الضابط، وهو رائد منشق عن جيش النظام، إن قرار التقدم إلى حي المنشية في درعا لا يلقى ترحيباً أردنياً، وهذا يعني أنه لن يكون مقدمة للسيطرة على كامل المدينة التي يتقاسم السيطرة عليها مناصفة كل من النظام وفصائل المعارضة. ضبط الجبهة يتم على نحو دقيق، وهو مرعي بتوافق ضمني روسي وأردني وإسرائيلي. حين أقدم «حزب الله» قبل نحو سنة على محاولة التقدم من خارج هذا التوافق، جرى مد فصائل الجيش الحر بأسلحة وذخائر أوقفت تقدمه وألحقت به خسائر اعترف يومها الحزب بمعظمها. وإذا ما أراد الجيش الحر في المقابل مهاجمة مناطق النظام تقطع عنه خطوط الإمداد فيتوقف هجومه. خيوط الجبهة يُمسك بها الأردنيون والإسرائيليون والروس. وتوتر العلاقات بين أي من هذه الدول يعني توتراً على الجبهة أيضاً.

هجوم المنشية يبقى محدوداً، وهو جرى في لحظة كان العالم راغباً في معاقبة النظام جراء قصفه خان شيخون بغاز السارين. علماً أن القتال باسم الجيش الحر تشترك فيه أحياناً كثيرة فصائل غير منضوية في تشكيلات هذا الجيش، مثل جماعة «أحرار الشام» المنضوية في جبهة مشتركة مع «جبهة النصرة». والنظام إذ غالباً ما يفتتح هجماته بغارات لطيرانه الذي تفتقد المعارضة مضادات أرضية تواجهه بها، فإن فصائل المعارضة غالباً ما تفتتح هجماتها بعملية انتحارية توفر فصائل الإسلاميين متطوعاً لها. علماً أن «داعش» المحلي بعيد من كل خطوط المواجهة، باستثناء حصار لا يبدو شديد الإحكام تضربه فصائل المعارضة حول مناطق نفوذه.

لا تبدي إسرائيل قلقاً من وجود «داعش المحلي» على حدودها، ويؤكد الأميركيون أن الجيش الإسرائيلي يراقب بدقة كبيرة خريطة وجود مجموعات من «حزب الله» في محافظات الجنوب السوري، وهي نفذت غارة قبل أسابيع على قاعدة إزرع لجيش النظام السوري فيها بحسب الأميركيين معسكر تدريب لـ «حزب الله».

الإسرائيليون يبدون قلقاً أكبر من تزايد نقاط انتشار عناصر «حزب الله» في جنوب سورية، وهم إذ يديرون هواجسهم عبر غارات ومهمات خاطفة، يفعلون ذلك بتنسيق مع الجيش الروسي الذي يعترف لهم بـ «مشروعية مخاوفهم»، ويتولى من جهته تنسيقها مع وحدات جيش النظام. ووفق هذه المعادلة، لا بل من ضمنها، يحق للإسرائيليين تنفيذ غارات عندما يشعرون بأن الحزب يُخل بقواعد القتال المضبوط وفق مصالح الدول.

ومن الواضح أن الإسرائيليين يستثمرون في مشاعر السكان المعادية لـ «حزب الله»، وهم إذ يقدمون نموذجاً مختلفاً من علاقات الجوار مع المجتمع المحلي، لا يبدون أي رغبة في أثمان مباشرة لقاء علاج الجرحى وبعض الأنشطة الإغاثية التي يمارسونها. فبالنسبة إلى السكان، «حزب الله» من أمامهم وإسرائيل من خلفهم، ويقول جريح سوري تم علاجه في إسرائيل: «لم يقايضني أحد أثناء علاجي هناك على موقفي من إسرائيل، كانت علاقتي بهم علاقة مصاب بأطبائه، وتمت إعادتي إلى سورية فور انتهاء مرحلة العلاج».

مقدار القلق الإسرائيلي من توسع نفوذ «حزب الله» في جنوب سورية، يعيده مراقبون غربيون في عمان إلى شعور تل أبيب أن طهران تسعى لمفاوضة الغرب عبر توسيع رقعة الاحتكاك مع الإسرائيليين، فبالنسبة إلى هؤلاء لا يبدو أن للاعبين المباشرين على الأرض طموحات مباشرة، فهم ممثلون في جنوب سورية لحسابات دول. يصدق هذا القول مباشرة، أي أنه يكف عن كونه تحليلاً أو استنتاجاً. إنه واقع مباشر لا تخفيه القوى ولا تتحفظ عن قوله الدول ذات التأثير المباشر في الحرب الدائرة، فعندما تتقدم قوة محلية فإن مؤشر تقدمها هو خلل في علاقات الدول الراعية لهذا التوازن. الكل شريك في هذه اللعبة التي لا أحد من اللاعبين فيها يثق بالآخر، وأكثر المرتابين هم الإسرائيليون، لكنهم أيضاً الأكثر يقظة على ما يبدو. الأردنيون بدورهم غير قلقين من «داعش المحلي» أي جيش خالد بن الوليد، لكنهم قلقون من «داعش» الأم على رغم أن لا نفوذ مباشراً للتنظيم الأم في معظم محافظات الجنوب السوري، باستثناء جيب يتوسط الجنوب وريف دمشق. ومصدر القلق الأردني هو شعور عمان بأن طرد التنظيم من المدن العراقية والسورية سيدفعه إلى الصحراء حكماً، أي إلى المناطق المحاذية للحدود مع الأردن. وهذا ما يبدو أن مؤشراته بدأت تظهر، فمخيم الركبان للاجئين السوريين القريب من الحدود مع الأردن شهد في الأشهر الأخيرة عمليتين انتحاريتين استهدفت واحدة منهما موقعاً للجيش الأردني. و «داعش» أصدر أخيراً شريطاً تسجيلياً تحدث فيه «أمراء» أردنيون منه وأعلنوا نية التنظيم استهداف المملكة بمزيد من العمليات.

وعلماً أن آلافاً من إرهابيي التنظيم ممن انسحبوا من المدن العراقية التي استعادها الجيش من «داعش» اختفت آثارهم، يرجح مراقبون انكفاءهم إلى الصحراء المترامية والمفضية إلى الحدود الأردنية، وبين هؤلاء الإرهابيين مئات من الأردنيين الذين يُعتقد أنهم يطمحون إلى العودة للأردن وتنفيذ عمليات فيه، على ما جرى أخيراً في أكثر من مدينة أردنية.

انخفاض منسوب القلق الأردني والإسرائيلي من جيش خالد بن الوليد، أي «داعش» المحلي لا يرى فيه باحثون في قضايا الإسلام الراديكالي حكمة، ذاك أن هذه الجماعة المقيمة اليوم في وادي اليرموك هي جزء من توازن قائم على حقيقة أن نفوذ التنظيم الأم منعدم في الجنوب، وهو أمر سيتغير عندما يقترب الأخير من هذه المناطق. صحيح أن جماعة خالد بن الوليد محاصرة اليوم من الجيش الحر، ويفصل بينها وبين الصحراء نفوذ الأخير وجيب نفوذ جيش النظام الذي يخترق الجنوب كله، إلا أن احتمال تغير شروط اللعبة يبقى قائماً في ظل دحر «داعش» في المدن وتمدده في الصحراء. هذا الاحتمال يبدو اليوم بعيداً، لكنه يبقى قائماً، في ظل تجارب تدفق التنظيم المفاجئ على المدن السورية والعراقية، لا سيما أن الأخير عين أميراً غير سوري على «جيش خالد بن الوليد» هو «أبو عبدالله التونسي»، وهذا مؤشر يجب أن يُرصد بحسب الباحثين.

خلافاً لمناطق النزاع الأخرى في سورية، يبدو الجنوب مستقراً على خريطة نفوذ لم تتغير منذ زمن طويل، على رغم أنها تشهد معارك متواصلة. المساحات التي تسيطر عليها فصائل الجيش الحر هي الأكبر، لكن الجيب الذي يسيطر عليه النظام والميليشيات المتعاونة معه، والذي يخترق الجنوب بدءاً من دمشق ووصولاً إلى درعا، يقسم الجنوب إلى جنوبين. وتكشف هذه الخريطة عمق أزمة طرفي النزاع المباشرين، في مقابل قدرة دول الإقليم الأخرى على ضبط الحرب وفق مصالحها.

وثقل الوضع الميداني هذا وثباته ورتابته محكومة بمقدار ضعف التأثير السوري على طرفي الجبهة، فالتغيير والتقدم غير محكومين على الإطلاق بمقدرة القوى المتحاربة على إحداثهما، بل باختلال موازين إقليمية يبدو أنها غير مختلة الآن، فالقنوات تعمل في كل الاتجاهات. روسيا تتولى قناة إدارة النزاع على الضفة الإيرانية، فيما يتولى الأردن المهمة على ضفة الجيش الحر.

المصدر: الحياة