جهاد “لقمة العيش”.. الوجه الآخر لعناصر الفصائل الجهادية 

دفعت الظروف المعيشية القاسية الكثير من الشبان السوريين للانخراط في تشكيلات عسكرية مقاتلة و”تنظيمات جهادية” رغبة في الحصول على المرتبات والحوافز الشهرية، في سبيل تأمين لقمة العيش وسد احتياجات أسرهم، وبالرغم من وجود هذه الظاهرة في جميع القوى العسكرية في سوريا، إلا أن للتنظيمات والجماعات الجهادية خصوصية، بسبب ارتباطها بالثوابت والمعتقدات الدينية والأفكار الجهادية والتي تقوم هذه الجماعات والتنظيمات على أساسها.
“هيئة تحرير الشام” والتي تعد من أبرز الجماعات الجهادية في الشمال السوري والتي بدأت مؤخراً تعتمد على تعداد العنصر البشري، تضم ضمن صفوفها غالبية هذه الشريحة عناصر انضموا لصفوفها لأسباب ليست عقائدية ولا لأهداف جهادية إسلامية إنما دفعهم لذلك الاستفادة من الرواتب الشهرية والحوافز التي تقدمها لعناصرها بالرغم أنها لا تكفي لتلبية احتياجات العناصر وأسرهم إنما ساهم في هذا الاندفاع للانضمام عدة عوامل وأسباب متعددة.

الكثافة السكانية وانعدام فرص العمل وغلاء تكاليف المعيشة وعدم وجود مشاريع ومبادرات تستهدف استثمار طاقات الشباب وتشغيلهم
تلك الأسباب أدت لرضوخ شريحة من الشبان للواقع والقبول بالانضمام لصفوف الجماعات والتنظيمات الجهادية ومنها “هيئة تحرير الشام” رغم أنهم لا يعتقدون بأي أفكار جهادية متشددة مع أن الهيكلية والأيديولوجية العامة “لهيئة تحرير الشام” تصنف على أنها “جماعة جهادية” متشددة.
وتتضح ملامح وجود هذه الشريحة أو الفئة من العناصر بين صفوف “هيئة تحرير الشام” من خلال تتبع خلفيات الكثير منهم أو التعمق في تفاصيل حياتهم اليومية وطبيعة معيشتهم سواء ممن انشقوا عن “هيئة تحرير الشام” أو ممن لا زالوا بين صفوفها إلى الآن، فهم غير متأثرين بطبيعة الحال بالأفكار الدينية المتشددة التي تنتجها “هيئة تحرير الشام” ولا يعكسون الصورة المعروفة عنها ( التدين)، ويقتصر التزامهم بتعليمات وتوجيهات قادتهم فقط ضمن نطاق “المعسكرات التدريبية” و”الدورات الشرعية” وعلى “خطوط التماس”.
وعن ذلك يتحدث للمرصد السوري لحقوق الإنسان الشاب ( ع.د) “24 عاماً” الذي انشق عن “هيئة تحرير الشام” في أيار/ مايو من العام 2019، قائلاً، أن قرار انضمامه لم يكن أساساً نابع من منطق عقائدي أو تأثر بالفكر الجهادي لدى”هيئة تحرير الشام” إنما ضعف الإمكانيات المعيشية لعائلته بعد وفاة والده أجبره للبحث عن مصدر دخل ثابت وانضم لصفوف هيئة تحرير الشام في العام 2017.
ويضيف، أنه كان شاهداً على وجود نسبة كبيرة من المنتسبين لا يحملون أفكاراً جهادية بل ما يدفعهم للبقاء هو الراتب الشهري الذي يتحصل عليه العنصر والسلال الغذائية، حيث أن المقرات العسكرية التي تنقل بينها مليئة بالعناصر الذين يخالفون قوانين “هيئة تحرير الشام” كالتدخين و( الأركيلة) والاستماع للأغاني وغيرها ما يدل على عدم وجود أي اهتمام زائد بقضية الجهاد أو خوض المعارك بل كان الهم الوحيد هو لقمة العيش.
ويوضح بأنه حاول التظاهر “بالتشدد الديني” في البداية لدرجة أن ذلك سبب له اصطدام مع كثير من المدنيين الذين كان ينكر عليهم بعض التصرفات من منطلق ديني، لكنه سرعان ما بدأ هو بالقيام بهذه التصرفات وعدم قدرته تحمل فترة طويلة من التشدد الديني الشكلي الظاهري فقط، ولكنه يبرر محاولته التشدد ليظهر بصورة أنه ينتمي لجماعة جهادية.
ويكمل ( ع.د ) كانت حاجته للمال كمدخول شهري هو الدافع لفعل ما فعله سواءً من انضمامه أو تظاهره “بالتشدد الديني” والذي كان مخالفاً لحقيقته الغير متشددة، ولكن وبعد نحو سنتين أعلن انشقاقه وتوجه لعمل مختلف تماماً عن الجانب العسكري، مؤكداً أن هنالك الكثير ممن يعرفهم شخصياً حصل معهم ذات الشيء.
ويؤكد أن نسبة من يتواجدون حالياً ضمن صفوف “هيئة تحرير الشام” وهم غير مؤمنين بمبادئها ولا أفكارها هي نسبة كبيرة قد تصل لأكثر من 50 بالمئة علماً أنها كانت أقل من ذلك بكثير لكنه يعتقد أنها ازدادت لهذا الحد خلال السنوات الثلاثة الأخيرة بشكل خاص، بسبب انضمام أعداد مضاعفة عن السابق لصفوف “هيئة تحرير الشام” لعدة أسباب ومن أهمها سوء الأحوال المعيشية وحالة الفقر التي تعم جميع مناطق الشمال السوري.
وبعد أن انهت “هيئة تحرير الشام” وجود العديد من الفصائل المحسوبة على المعارضة المعتدلة في الاقتتال الذي جرى في العام 2018 ضمن أرياف حلب وحماة وإدلب مثل “حركة أحرار الشام الإسلامية” و”صقور الشام” و”نور الدين الزنكي” نتج عن ذلك انشقاق الكثير من عناصر هذه الفصائل وانضمامها “لهيئة تحرير الشام” باعتبارها أصبحت حينها القوة العسكرية الأبرز في المنطقة ولحاجة هؤلاء العناصر للمدخول الشهري الأمر الذي دفعهم للانضمام “لهيئة تحرير الشام”.
كما تسبب الانهيار في المستوى المعيشي خلال الثلاث سنوات الماضية وغلاء الأسعار وعدم وجود فرص عمل للشباب في توجه الكثير منهم لصفوف “هيئة تحرير الشام” ما ضاعف من عدد العنصر البشري لديها وهذا ما كانت ترغب به بهدف إحكام السيطرة على المناطق الخاضعة لسيطرتها وتعويض الخسائر البشرية التي منيت بها من ناحية أخرى في معاركها ضد فصائل المعارضة المسلحة ثم قوات النظام والميليشيات المساندة له، وما ساهم في زيادة الإقبال من قبل الشبان هو الراتب الشهري الذي تقدمه للعنصر والذي يعتبر أفضل من الراتب الذي تقدمه حالياً الفصائل الموالية لتركيا وغيرها.
وبدوره يتحدث الناشط ( م.أ) عن ذلك للمرصد السوري لحقوق الإنسان قائلاً، لا يوجد فرق الآن بين طبيعة عناصر الفصائل الموالية لتركيا ونسبة كبيرة من عناصر “هيئة تحرير الشام” من ناحية عدم وجود أي دوافع دينية أو “جهادية” في وجودهم ضمن هذه التشكيلات العسكرية، وما حدث في تغير طبيعة العنصر لدى “هيئة تحرير الشام” هو أنها باتت في الآونة الأخيرة تتساهل لحد كبير مع عناصرها من ناحية “الإلتزام الديني” لرغبتها في زيادة أعداد عناصرها وبغية ظهورها بشكل غير متشدد إعلامياً.
مضيفاً، تمنح “هيئة تحرير الشام” مبلغ 100 دولار أمريكي شهرياً لعناصر “النخبة” وهي مجموعة “القوات الخاصة” لديها، وتمنح العناصر من الدرجة الثانية المتواجدين في المقرات العسكرية مبلغ 700 ليرة تركية إضافة لسلال غذائية، أما الأقل حظاً هم المتواجدين على خطوط التماس مع قوات النظام والميليشيات المساندة له فهي تمنحهم سلال غذائية ومبلغ 400 ليرة تركية فقط.
ويلفت السبب الأهم وهو تأمين قوت يوم العائلة الذي دفع بكثير من الشبان مؤخراً بالتوجه لصفوفها خصوصاً مع تقديمها تسهيلات كثيرة لمن يرغب بالانضمام عبر “شعب التجنيد” التي أحدثتها في كل من مناطق أريحا وجسر الشغور وإدلب وسرمدا وغيرها، بعد أن كان الإنضمام سابقاً يعتمد على “التزكية” التي تطلب من الراغب بالانضمام.
ويبين (م.أ) بأنه ومن ناحية أخرى فإن صفوف “هيئة تحرير الشام” تشهد حالات انشقاق فردية لأشخاص هم متشددون ويرفضون فكرة وجود ” تساهل ديني” ضمن المقرات العسكرية ووجود أشخاص غير متبنين للأفكار الدينية المتشددة، فيقوم البعض على إثر ذلك بالانشقاق إنكاراً منهم لذلك.
مشيراً إلى أنه ورغم أن الحوافز المالية التي تقدمها “هيئة تحرير الشام” والتي لا تعتبر مغرية جداً فإن الإقبال يتزايد بسبب تدهور الأوضاع المعيشية وتأثر فئة الشباب بشكل خاص من تبعات هذه الأوضاع مابين الحاجة لمساعدة الأهل أو الزواج أو تأمين المصروف الشخصي، لكن لا يمكن الجزم بمقدار نسبة هذه الفئة من الشبان بين صفوف “هيئة تحرير الشام”.
وما يجري داخل المعسكرات التدريبية والمقرات العسكرية التابعة “لهيئة تحرير الشام” خير دليل على إثبات وجود هؤلاء الأشخاص الذين ليس لديهم أي توجهات جهادية أو دينية متشددة، وذلك بحسب ما يروي العنصر السابق والمنشق عن صفوف “هيئة تحرير الشام” ( أ.ه) للمرصد السوري لحقوق الإنسان، قائلاً، “التحرش الجنسي” فيما بين العناصر وتعاطي “الحبوب المخدرة” و”التدخين”  و( الأركيلة) ومشاهدة “الأفلام الإباحية” كل ذلك يجري داخل العديد من مقرات “هيئة تحرير الشام”، وهذا يدل على وجود مثل هذه النوعية من العناصر الغير ملتزمين دينياً.
مشيراً، أنه كان شاهداً على محاسبة بعض المتورطين بمثل هذه الأفعال وجرى اعتقال وسجن العديد من الأشخاص خلال فترة عمله ضمن صفوف “هيئة تحرير الشام” التي بدأت منذ أن كانت تسمى “جبهة النصرة” وحتى تاريخ انشقاقه في مطلع العام الفائت 2021 وتوجهه لإكمال دراسته.
مؤكداً أيضاً، وجود هذه النوعية من العناصر الذين ليس لديهم أدنى اهتمام جهادي أو “إلتزام ديني” حتى في فصائل غير “هيئة تحرير الشام” مثل “الحزب الإسلامي التركستاتي” وغيرها من الجماعات الجهادية المتشددة.
يجدر الذكر أن السعي لتأمين “لقمة العيش” لا ينحصر فقط في هذا الجانب بل ظهر ذلك أيضاً فيما بين الفصائل الموالية لتركيا من خلال قبول الآلاف من العناصر بالإرتزاق لصالح تركيا والقتال لصالح أجندتها خارج الحدود السورية في كل من ليبيا وأذربيجان بهدف الحصول على المال.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد