المرصد السوري لحقوق الانسان

جواري الخلافة.. داعشيّات الهوى

وضع تنظيم “داعش” المرأة في دائرة مغلقة من التوظيف المستمر لخدمة مشروعه السياسي الأيديولوجي منذ حزيران (يونيو) 2014، إذ كانت حاضرة على المستوى الفكري والتنظيمي والميداني، خلال مرحلة “التمكين”، مروراً بمرحلة “الضعف”، انتهاءً بوضعية “الانهيار التام”، وذلك بمشاركتها في التدريب وتنفيذ العمليات المسلحة، فضلاً عن دورها في مسارات التجنيد والاستقطاب والتأهيل للدوائر النسائية والأجيال الجديدة من خلال مشروع “أشبال الخلافة”، المعني بالأطفال والمراهقين. 
يأتي ذلك في مقابل دورهن في نقل المعلومات وتوصيل الرسائل، والاستطلاع وتمرير الأسلحة، وتوفير الدعم اللوجستي، والربط بين قيادات التنظيم من خلال الزواج والمصاهرة، وهو الدور المناط بهن في مختلف الكيانات الراديكالية الأصولية على مدار تاريخها، أمثال جماعة “الإخوان المسلمين”، و”الجماعة الإسلامية” وتنظيمات الجهاد، و”الطليعة المقاتلة”، وتنظيم “القاعدة”، إذ ظلّت بعيدة تماماً عن مسارات العمل الحركي المسلح.
تشير الدكتورة نادية سعد الدين، في بحثها “الإرهاب النسويّ”، إلى أن دلالات مصطلح “الجهادية النسائية”، تعود جذور هويته الأيديولوجية إلى السلفية والقطبية، حيث كان سيد قطب، أول من تطرّق في كتابه “معالم في الطريق” للحديث عن النساء “المجاهدات” ودورهن في إعادة أسلمة الدولة والمجتمع عبر العمل المسلّح.
انتقال المرأة فعلياً الى خانة العمل المسلح كان عام 2005، عقب الخطب التحريضية التي اعتاد بثها أبو مصعب الزرقاوي (مؤسست تنظيم “القاعدة” في العراق)، وخصّ بها المكوّن النسائي، بهدف إدراج النساء في العمليات المسلحة، إذ قامت موريل ديغوك (بلجيكية)، وساجدة الريشاوي (عراقية)، بتنفيذ عمليتين انتحاريتين متزامنتين، فشلت إحداهما في تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، عقب التأثر بكلمته الموجّهة للمرأة، قائلاً: “هذه رسالة إلى الحرائر من نساء الرافدين بخاصة وإلى نساء الأمّة عموماً، أين أنتن من هذا الجهاد المبارك؟ وماذا قدمتنّ لهذه الأمّة؟ ألا تتّقين الله في أنفسكن؟ أتُربّين أولادكن ليذبحوا على موائد الطواغيت؟ أرضيتنّ بالخنوع والقعود عن هذا الجهاد؟”.
سبق ذلك بأشهر قليلة تنفيذ عملية إرهابية في القاهرة في 30 نيسان (أبريل) 2005، باستهدافت حافلة تقل سياحاً أجانب، بسلاح ناري، أثناء مرورها في ميدان السيدة عائشة، نفذتها كل من إيمان خميس، ونجاة يسري شقيقة الإرهابي إيهاب يسري منفذ تفجيرات عبد المنعم رياض وخطيبة الإرهابي حسن بشندي منفذ تفجيرات الأزهر في 7 نيسان (أبريل) 2005، فضلاً عن توجيه الاتهامات الى كل من سهام قمر الزمان، وزينب كارم محمود.
عقب تنفيذ استهداف الحافلة السياحية، قامت نجاة يسري (22 عاماً) بإطلاق النار على زمليتها إيمان خميس (19 عاماً)، ثم على نفسها، لتصبح أول انتحارية في تاريخ الحركات الأصولية المصرية. 
تزامن ذلك مع الدور التنظيري الشرعي الذي قدمه مؤسس “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، يوسف بن صالح العييري، من خلال كتاباته المحرّضة على دفع النساء للمشاركة التنظيمية والحركية، مثلما أشار في كتابه “دور النساء في جهاد الأعداء”، وعقب وفاة الزرقاوي عام 2006، تولى أبو عمر البغدادي قيادة التنظيم، وأسس أول كتيبة للانتحاريات عام 2008، في شمال العراق تزعمتها “أم سلمة”.  
مشاركة المرأة في تنظيم “القاعدة”، لم تحظ باهتمام مؤسّس التّنظيم أسامة بن لادن، ولا خليفته أيمن الظواهري، إذ تخلو خطاباتهما ورسائلهما من الحديث حول قضايا المرأة، وتقتصر مساهمتهما الفكريّة على بعض التّوجيهات النّادرة بالتّشديد على عدم مشاركتها في الأعمال القتاليّة والحفاظ على أدوارها التّقليدية في رعاية المنزل وتربية جيل جهادي، باعتبار ذلك ذا قيمة أساسيّة في الحفاظ على الهويّة، كما لم يُدخل تنظيم “القاعدة” المركزي النّساء في هياكله التّنظيمية، وفقاً للكاتبين الأردنيين محمّد أبو رمّان، وحسن أبو هنيّة في كتابهما “تشكّلات الجهاديّة النسوية من القاعدة إلى الدولة الإسلاميّة” الصادر عن مؤسّسة فريدريش أيبرت.
وعلى عكس ذلك، عمدت فروع التّنظيم الإقليمية الى إدخال المرأة بطرائق عديدة في المجالات الدّعوية والدّعائية لاحقاً، حيث تمّ إشراك المرأة في الأدوار اللوجستية، كجمع التبرعات ورعاية أسر القتلى والسّجناء، لكن مع شبكة الزّرقاوي، التي أصبحت لاحقاً فرعاً لـ”القاعدة” في العراق، انتقل دور المرأة إلى الأعمال القتاليّة وصولاً إلى العمليات الانتحاريّة.
تمكّن تنظيم “داعش” عبر أمبراطوريته الإعلامية التي صنعها باحترافية متناهية من استقطاب عدد كبير من الدوائر النسائية العربية والأوروبية وتجنيدهن، منذ الإعلان عن تأسيسه في حزيران (يونيو) 2014، لقدرته على التأثير في الأوساط المجتمعية القريبة من التيارات “السلفية السائلة”، تحت لافتة الجهاد، أو عبر وسطائه من السماسرة المتجولين المعنيين بتجنيد الشباب وإلحاقهم بمعسكرات القتال في سوريا والعراق.
لعبت “السلفية السائلة”، دوراً مهماً في توسيع دائرة الاستقطاب وانضمام الكثير من الرجال والنساء، إلى معسكرات القتال في سوريا والعراق، والانتقال منها إلى صفوف تنظيم “داعش” في ما بعد، إذ كانت أداة وظيفية لمواجهة المشروع السياسي لجماعة الإخوان، والمجتمعات الموازية في العمق الأوروبي التي تشكلت منذ ثمانينات القرن الماضي، عقب التوسع في تأسيس المراكز والجمعيات الإسلامية الحاملة للتوجهات الوهابية الأصولية.
أسس تنظيم “داعش” في تموز (يوليو) 2014، أول كتيبة نسائية مسلحة تحت مسمى “كتيبة الخنساء”، ضمّت بين صفوفها، أكثر من ألف أمراة، لكنها اختفت تدريجياً تباعاً لحالة التراجع التي شهدها التنظيم، ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي، فإن العمليات المسلحة التي نفذتها النساء بين عامي 2013 و2018، قدرت بـ200 عملية إرهابية. 
 ومنذ سقوط “داعش” في آذار (مارس) 2019، تحوّل مخيم “الهول”، في محافظة الحكسة على الحدود السورية العراقية، بؤرة ساخنة ومرتكزاً للفكر التكفيري عن طريق نساء “داعش” المؤدلجات فكرياً، ويعملن على الانطلاق مجدداً لبناء رافد من الهيكل التنظيمي عبر استراتيجية “التجنيد والاستقطاب”.
يقع مخيم “الهول” تحت سلطة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، ويضم نحو 74 ألفاً من عوائل تنظيم “داعش” عقب سقوط مناطق ارتكازاته الجغرافية التي كانت جزءاً من دولته المزعومة والوهمية، ومقتل الكثير من قياداته الفاعلة والمؤثرة على يد قوات التحالف الدولي، مثلما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، بعدما كان على مدى عقود مضت، ملاذاً للاجئين العراقيين إبان حرب الخليج عام 1991، تحت إشراف الأمم المتحدة.
تحوّل مخيم “الهول”، مقراً لإدارة الكثير من الشؤون الخاصة بالتنظيم الداعشي، في مقدمتها صفحات التواصل الاجتماعي، والمنصات الإلكترونية، مثل التيلغرام وغيرها، وإنتاج الإصدارات المرئية التي تقدم الأطروحات الفكرية، وتستهدف التأثير في القطاعات النسائية، وكذلك التواصل مع بقية النساء في معاقل التنظيم في الحدود العراقية السورية، أو في العمق الأفريقي، أو الأوروبي، نظراً لانتماء عدد كبير منهن للجنسيات الأجنبية.
من داخل مخيم “الهول”، تأسست مجموعة من الخلايا النسائية التابعة للتنظيم الداعشي، هدفها نشر الأيديولوجية التكفيرية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تمتع النساء بحرية مطلقة في تلك البقعة الجغرافية، وإمكان تواصلهن بسهولة مع العالم الخارجي، فضلاً عن قيامهن بحملات ترويجية لـ”جمع الأموال”، مستخدمات لغة حماسية للتأثير في العاطفة الدينية، لدى العديد من الدوائر النسائية، تحت عنوان “أخوات في الأسر”، و”أفكار من السجن”، و”طيور محبوسة”، و”دمعة أسيرة “، و”نساء أسيرات”، ما مكّنهن من جمع أموال طائلة، من تجمعات تعاطفية موالية للمشروع الداعشي في المنطقة العربية وأوروبا، الى جانب الدعم المالي القادم من الخلايا التنظيمية في العمق الأوروبي، بحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط صادر عام 2020. 
في قلب مخيم “الهول”، الممتلئ بالعناصر النسائية المصبوغة بالفكر الداعشي المتطرف، تم تشكيل “لجنة الحسبة”، المكوّنة من فرق نسائية، وتسعى لبسط نفوذها وتطبيق مشروعها الفكري السلوكي بين جنبات المنطقة الواسعة، عبر تدريب وتأهيل مختلف النماذج النسائية الوافدة من جنسيات عربية وأوروبية، الى جانب الإشراف على خلايا “الأشبال” وتشكيل وعيهم بما يتفق مع الأدبيات المتشددة.
تتمثل خطورة مخيم “الهول”، في أنه بات “قنبلة موقوتة” في العمق السوري، نتيجة تحوله “ولاية داعشية” مصغرة، خاضعة تنظيمياً لرجال البغدادي، وممتلئة بنماذج نسائية تعمل على نشر الانحرافات الفقهية والشرعية، بين قاطني المخيم، في ظل إرجاء وضعهن ضمن برامج تأهيلية على المستوى الفكري والسلوكي والمجتمعي، للتخلص من رواسب المنهجهية الداعشية في إطار المراجعة الفكرية.
تعتبر الإشكالية الكبرى في التعامل مع نساء “داعش” في مخيم “الهول”، أو حتى اللائي ما زلن في المناطق النائية بين الحدود السورية العراقية، أو اللائي تمكّن من العودة إلى موطنهنّ الأساسي، أنهن يلعبن دوراً على مستوى المكوّن التنظيمي، من خلال المشاركة في “الشرطة النسائية”، و”الكتائب الانتحارية”، فضلاً عن دورهنّ الفاعل في اللجان الإعلامية، والمدارس التأهيلية، التي تشكلت للتأثير في وعي العناصر النسائية الجديدة، والأطفال والمراهقين.
داخل مخيم “الهول”، 12 فرعاً لشركات تحويل الأموال، وتصل قيمة التحويل الى 500 دولار أميركي في العملية الواحدة، وتعتبر هذه الشركات بمثابة أجنحة داعمة للتنظيم الإرهابي، ومنصّات لنقل التبرعات والأموال من جمعيات ومؤسسات خارجية إلى مناطق ارتكازاته مثل سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان، ما دفع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC)، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، لفرض عقوبات على أربع شركات ومؤسسة اجتماعية سورية وتركية، قال إنها وفرت الدعم المالي واللوجستي لتنظيم “داعش”، شملت شركة “سحلول” للصرافة، وشركة “السلطان” لتحويل الأموال، وشركة “تواصل”، وشركة “ACL” للصادرات والواردات، ومؤسسة “نجاة” للرعاية الاجتماعية.
في تموز (يوليو) 2020، أدرجت الخزانة الأميركية، مديري مؤسستين ماليتين في سوريا وتركيا، على لائحة عقوباتها، لتقديمهما دعماً مالياً وتقنياً لتنظيم “داعش”، وأوضحت أن الشخصين المستهدفين، هما فاروق حمود، الذي يشرف على إدارة فرع شركة “تواصل” للحوالات المالية، في مخيم “الهول”، والثاني عدنان محمد أمين الراوي، أحد ممولي التنظيم من خلال تقديم الدعم المادي والتكنولوجي.
داخل الولاية النسائية في مخيم “الهول”، تم تنفيذ عدد ليس بالقليل من الجرائم الدموية، ضد سجينات لسن من أنصار التنظيم، الى جانب الاعتداء على موظفي المخيم، ففي عام 2021، نُفذت سبعٍ وأربعون عملية تنوعت بين الذبح وقطع الرأس، والإعدام بالرصاص بمسدسات كاتمة للصوت، وفي كانون الثاني (يناير) 2020، أعلنت الأمم المتحدة أنها تلقت تقارير عن مقتل 12 شخصاً من سكان المخيم السوريين والعراقيين، محذّرة من أن الوضع الأمني “بات لا يحتمل بشكل متزايد”.

 

 

 

المصدر: النهار العربي 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول