حافة الهاوية في الاقتصاد السوري وثمن بقاء الأسد على الكرسي

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي المرصد السوري لحقوق الإنسان

38

الدور الأساسي في حياة المجتمع يلعبه الاقتصاد وهو علم متكامل يرصد الظواهر بكافة أنواعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية العسكرية ويظهر أسباب الفشل والنجاح.
خلال نصف قرن مضى لم يملك الاقتصاد السوري فلسفة ورؤية اقتصادية ولم يعتمد على خطط وأساليب علمية وكان اهتمام السلطة ممثلا بآل الأسد محددا بأسئلة تتعلق حول كيف نسرق، ومتى وكيف نستثمر، وأين وعن طريق من؟

المصاعب الهيكلية

وما يحدث اليوم من دمار اقتصادي هو نتيجة حتمية للتعبير عن المصاعب الهيكلية والفساد الذي رافق الاقتصاد منذ عقود من الزمن من ضعف للإنتاجية ونمو هش وقيمة مضافة غير مؤثرة.
العبارات الرنانة التي يطلقها رئيس النظام ومساعدوه لا تخفي الواقع المر الذي يعيشه الشعب السوري فقد صنفت سوريا البلد الأفقر في العالم، ويعود ذلك كله إلى استراتيجية الدمار والخراب التي اتبعها بشار الأسد في حربه على شعبه ورفضه التنازل لمطالبه، ليخلف بسياسته أزمة اقتصادية خانقة، تتفاقم يوما بعد يوم ليصل الاقتصاد إلى مرحة الهاوية أو حافة الهاوية في أحسن تقدير.
وهذا بإجماع معظم التقارير الدولية والخبراء وملامح هذا الانهيار والمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري تزداد حدة كل يوم حتى انهارت الخدمات وغابت تماما الحاجيات الضرورية من ماء وكهرباء وغاز ونفط وطعام وأمان، وأصبح عنوان العنف والإرهاب شعار الحياة.

إدارة خطر الإفلاس

ينتقل النظام في سوريا اليوم من الانكشاف إلى الانكماش، ومن إدارة الأزمة إلى إدارة خطر الإفلاس، ومن نتائجه المحققة المديونية وبيع أصول البلد، ورهن ثرواتها إلى روسيا وإيران، وفقدان القدرة على خلق الثروة وفرص العمل والانكماش وتعاظم الفجوة المالية والعجز في الميزانية وانعدام الاستثمار والأعمال، وغياب العدالة الاجتماعية وإفلاس الخزينة، وتبخر الاحتياطي النقدي وتعطل عملية الإنتاج وعدم وجود قدرة تشغيلية، والواردات أكثر من الصادرات التي أصبحت معدومة، وعجز في ميزان المدفوعات والميزان التجاري والتضخم وتدهور سعر الصرف، وطباعة عملة دون رصيد، مما انعكس على زيادة الأسعار بشكل جنوني، والبطالة وعسكرة المجتمع السوري، وتدني مستوى دخل الفرد واختلالات هيكلية وبنيوية في الاقتصاد ناجمة عن التخبط في القرارات الاقتصادية واعتماد مبدأ الجباية كحجر أساسي لإيرادات الحكومة وتحول المواطنين إلى شراء الدولار والذهب، وقانون سيزر، وكورونا بالإضافة إلى أن السلة الغذائية والحيوانية والمائية والنفطية في سوريا معظمها خارج السيطرة، والفساد وظهور المافيات التجارية، وتفشي ظاهرة المخدرات والدعارة، وتهريب الأموال، وهجرة معظم الكفاءات وظهور برجوازية طفيلية مرتبطة بآل الأسد ومصادرة أملاك البرجوازية الوطنية التي بنت نفسها ببراعتها الاقتصادية، والفقر، فنحن اليوم نتربع على عرشه على مستوى العالم، وفقدان الليرة السورية وظائفها الأساسية كالإدخار والتسعير والتداول، واستشراء الفساد في مؤسسات الدولة والفوضى والتوظيف العشوائي وزيادة الرواتب دون تمويل…الخ
مصدر طباعة العملة لتمويل حرب النظام على شعبه هو مصدر سرقة، فالدخل يتآكل والمدخرات تختفي أمام التضخم، وخاصة في أسعار السلع الرئيسية، ولا يملك الأسد أي مشاريع أو خطط قريبة أو بعيدة سوى الحرب وآثارها على كل الشعب.
لم يعد الوضع السوري قابلا للمزاودة والإنكار وحقن التخدير والتصريحات الجوفاء لا تهدئ من روع المواطن الجائع الذي يفقد قيمة مرتبه خلال ثلاثة أيام.
اليوم سوريا دولة فاشلة وضعيفة ولا تملك السيطرة الفعلية على أراضيها ومنافذها الحدودية، وهي مستباحة، وفقدت قدرة التحكم على جيشها، ولا تستطيع توفير الخدمات لشعبها، ولا تملك حق اتخاذ القرارات وتطبيقها، وغير قادرة على التفاعل الدولي والإقليمي. الحل الوحيد الذي يملكه الأسد وشبيحته هو إقناع الشعب على التفاوض من أجل فتح باب الهجرة، ليغادر الشعب كاملا بكل أطيافه، وهكذا يبقى الأسد على كرسيه حاكما، ويتنقل بين تعلم المهن ليصبح المزارع والطبيب والمهندس والنجار والخباز…الخ

التدخل الأجنبي

اليوم النظام عاجز عن إدارة الإنهيار الاقتصادي، ولا يستطيع الحصول على قروض خارجية من حليفيه إيران وروسيا بسبب وضعهما الاقتصادي، ولم يعد إفلاس الدولة سوى حالة واقعية مريرة والاقتصاد فقد مناعته، والبلاد فقدت سيادتها الوطنية، وهذا ما يساهم بزيادة التدخل الأجنبي وتمكنه من لقمة عيش المواطن.
لا يجد الأسد امامه سوى ممارسة المزيد من القتل والقمع والتنكيل في الشعب والرقص على الحبال الإقليمية والدولية، ليشتري لنفسه زمنا إضافيا محدودا، لكن النهاية مقبلة، وسيسقط تحت وطـأة ثقله الذاتي الذي تراكم على مدار عقود من الزمن. حرب الأسد على شعبه لها آثارها الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والإنسانية، وستبقى جروحها غائرة في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وهي كحريق ضخم داخل منزل مغلق لا يستطيع سكانه الخروج منه ولا إنقاذ محتوياته ليحترق المنزل بمن فيه، ومن خرج كان عاريا حافيا تطبيقا لشعار الأسد أو نحرق البلد.

الكاتب:د.محمد حاج بكري – المصدر: القدس العربي