حرب السنوات الأربع – و “مثل الكرم و الكرّامين الأشرار”

ما يدور منذ سنوات اربع من غليان اجتماعي في شرق المتوسط وبعد ربيع دمشق الذي عاد الينا ربيعا عربيا، قلب كامل مفاهيم السياسة العالمية، وهذا ما يؤكد على مكانة واهمية “سوريا الكبرى” ليس على الجغرافيا العالمية فقط بل اعادت ترتيب الخارطة الإنسانية بالكامل.  فالعقل البشري لا يمكنه استيعاب العالم بكل تنوعه، ونحن ميالون إلى دراسة التفاصيل وليس الكليات، أو التقاط الجوانب السطحية الظاهرة فقط من الأحداث والظواهر الملموسة، ويندفع اهتمامنا بصورة لا إرادية نحو ما هو مدرك ونحو ما تعود عليه العقل البشري وما كان قادرا على بلوغه. ونتيجة، لما نرى تظهر تلك اللوحة الناقصة والمتناغمة مع إدراكنا، التي يبقى الجزء الأهم منها ربما خارج الاكتشاف ووراء تخوم المعنى. إن بئر المعارف عميقة لدرجة أن العالم نفسه لن يتم إدراكه حتى النهاية إطلاقا، هناك دائما ما يغري العقل القلق بالمزيد من البحث والتقصي.

وهنا نرى ما عجز عنه العقل، عبّرَ عنه القلم او ريشة فنان كما فعل مايكل انجلو في آذار سنة (1508) في فلورنسا، وبدا كأنه خطط للأقامة فيها دائما، لكنه لم يتوقع نداء البابا له لرغبته بتكليفه في ان يقوم بتصوير وزخرفة السقف في كنيسة السكستين. وقد كلف مايكل انجلو برسم كنيسة السكستين بدعوة من البابا يوليوس الثاني، وكان مايكل انجلو يؤثرالنحت على الرسم، فنصح البابا بأن يكلف (رافائيل) عوضا عنه، لكن البابا اصر على تكليفه هو بالذات.

وفي العاشر من آذار (1508) كتب مايكل انجلو العبارة التالية (اليوم انا مايكل انجلو، شرعت في رسم كنيسة السكستين) وقد جاء الرسم بعد اربع سنوات من العمل المضني والمرهق مفخرة من مفاخر الفن الإيطالي. وفي رسالة في آيار (1506) ظهرت رغبة البابا يوليوس الثاني، كامتداد لرغبة قديمة في زخرفة الكنيسة، بدأت منذ عهد سكستوس الرابع، ففي العام(1473) بدأ ببناء الكنيسة نفسها بالقرب من الفاتيكان، والتى اصبحت مكان اقامة البابا فيما بعد. والمهمة الاولى لمايكل انجلو كانت في وضع الدراسات للأثنى عشر قديسا ثم استقر رأيه على دراستين، الاولى تركز على الرسم التوضيحي للقديسين بأشكال هندسية مزخرفة، والثانية ركزت على التصميم الهندسي الذي تحول الى اشكال شبه متحركة عبر الزوايا. وتقريبا محاطة بإطار بيضوي، هذه الزخرفة التوضيحية هي عبارة عن تقنية مستمدة تقريبا من نوع الفريسك، والتى هي اساس البيت الذهبي لـ (نيرو).

75

وهنا نكتشف وقلة قليلة من الناس التي تجول في خاطرها فكرة أنه ليس المهم فقط تلك الكتب والمعارف التي سبق وإن قُرِئَتْ واقتنيت، وهي مهمة بلا شك، وإنما تلك التي يستحيل اقتناؤها حيث ما زالت خارج حقل الاكتشاف، وهذا يشمل ما هو غير مبحوث ولا ملحوظ ولا مكتوب، أي ما لم يطرقه العقل البشري بعد. وكلما تعمقتَ أكثر في لجة المعارف المتراكمة بجهد الآخرين ، تُصاب أكثر فأكثر بإحساسك بجهلك، فتحاول مرة أخرى وأخرى عناق المستحيل: أي ما لم يُقرأ بعد أو ما لم يُدرك بعد. ومن المهم جدا قراءة الكتب حتى نهايتها وتعلّم النظريات بالتمام والكمال والنفاذ إلى الأصول، وبدون ذلك تكون الأفكار الجديدة وغير المقروءة بتمعن حتى النهاية غير مفهومة بعد، ويستحيل رسم لوحة كاملة وموضوعية وصادقة بالمطلق. وأخيراً تولد نظرية جميلة ومتماسكة، أو على العكس تماما غير جميلة وغير متماسكة البتة، وتُبَرهِنُ أو تَدحَضُ أفكاراً ما، وربما تبدو لك بأنها أفكارك نفسها.

وهنا تثير اسئلة كثيرة عقلنا البشري، مثل لماذا نحن أبناء الجنس البشري المخلوقين بالحب على هيئة الخالق ومثاله، نحيا في هذا العالم الذي خلقه لنا، ولا نلحظ؛ ونحن نطرح تساؤلاتنا اللانهائية (من نحن؟ أين جذورنا؟ ما هو مكاننا؟ إلى أين نسير؟ هل نحن في الطريق الصحيح؟)؛ وها نحن نغض الطرف عن الإجابات المرسلة من قِبل القوة الخلاقة العظيمة على تساؤلاتنا، ولماذا تبتعد البشرية عن طريق الحق والحب الذي رسمه لها الخالق بحب أبوي، وبألم حين يرى ذلك الطريق يقل سالكوه دائما؟!

74

نحن، مثل الكثيرين، نحاول بلوغ المعرفة استناداً إلى منابع الحكمة الرئيسية، العلوم والدين والفنون، بيد إن أية معارف ليست في النهاية سوى قطعة من عالم المجهول اللامتناهي  .(وكما يقال المجهول منجم علم المعرفة الذي لا ينضب)، إن الدين المعاصر الذي تم إبداله بطقس منافق يقترح علينا أن نختار بأنفسنا الإجابات عن الأسئلة الرئيسية بالنسبة لنا، فالفن متصنع ومتكلف وغالبا ما يكون مأجوراً، لذا نتوجه الآن إلى تلك البدايات التي نثق بها كلياً، إلى طبيعة وجودنا الحقيقي. ومن أجل إدراك الحقيقة نحن نسير في هذا الطريق الذي مهما بدا شاقا – فيما إذا كانت نوايانا مخلصة – فإن الخالق سيدلّنا على طريق الخلاص. وهنا تحدونا الرغبة المخلصة بان يعمل كل مخلوق بصورة الخالق على إيصال تجربتنا إلى حيث أن الطريق السليم الوحيد هو التلبية الجريئة لنداء بذرة الحب التي غرسها في قلوبنا، والسير نحو لقائه بأعمال الخير التي تمجد اسمه.

73

ويذكرنا مايكل انجلو بأعماله من فن وابداع بعجزنا بالتعبير عما يجول في خواطرنا ويذكرنا ب “مثل الكرم و الكرّامين الأشرار”. وكيف اصبح الشعب السوري كما في الكتاب المقدس حيث نقرأ:

33 «اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجًا، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ.

34 وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ.

35 فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا وَرَجَمُوا بَعْضًا.

36 ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ.

37 فَأَخِيرًا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي!

38 وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ! هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ!

39 فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ.

40 فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟»

41 قَالُوا لَهُ: «أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا».

42 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ البنائون هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!

43 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.

44 وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!».

45 وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ، عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ.

46 وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، خَافُوا مِنَ الْجُمُوعِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ.

(إنجيل متى ـ 23 ـ “33 ـ 46″)

وهل سيحلّ الكرّامون  مسألة من ينبغي أن يحصل على الثمار؟

عادل موسى – كلنا شركاء