حرب العصابات في سوريا

18

في خضم المراجعات العديدة التي يجريها مثقفون ونشطاء مؤيدون للثورة السورية، للإجابة على سؤال: “لماذا وصلنا إلى هنا؟”، كانت مراجعة محدودة تناولت تجربة حرب العصابات في سوريا، رغم أهميتها الفائقة. فالإجابة على سؤال: “لماذا فشلت تجربة حرب العصابات في سوريا؟”، ليست مهمة لمراجعة ما حدث فقط، بل لتحديد ما يمكن فعله، في المستقبل.
لكن، قد يختلف الكثيرون من المراقبين للشأن السوري، بخصوص إن كانت تجربة المعارضة المسلحة في سوريا، تنطبق عليها مواصفات “حرب العصابات”، بالأساس. وهذا ما يُفسّر ارتفاع أصوات لنشطاء وإعلاميين خلال السنة الأخيرة من عمر الثورة، تدعو لانتهاج استراتيجيات “حرب العصابات” ضد النظام، مما يؤكد أن الكثيرين من المراقبين لا يعتقدون أن الثوار بسوريا، انتهجوا بالأساس، ذلك النهج.
إذا راجعنا الأدبيات المتخصصة، القليلة، حول هذا النهج، يتضح لنا جلياً، أن الحراك الثوري المسلح بسوريا، في مراحله الأولى، كان “حرب عصابات”. وفي مراحل متقدمة، وقع ذلك الحراك في الأخطاء المميتة التي عادةً ما تودي بتجربة حرب العصابات إلى الفشل. وهذا ما يزيد من أهمية الإجابة على سؤال: “لماذا فشلت تجربة حرب العصابات في سوريا؟”، لأن الإجابة عليه تزيل اللغط الذي يقع فيه الكثيرون من النشطاء والإعلاميين السوريين، الذين يدعون إلى حرب عصابات ضد النظام، من دون أن يمتلكوا كثيرا ًمن الفهم، لطبيعة هذه الحرب، ومراحلها، ومبادئها الاستراتيجية، والسقطات الخطيرة التي غالباً ما تؤدي إلى فشلها.
أهمية الإجابة على السؤال السابق، تزداد، إذا علمنا أن “حرب العصابات” يمكن أن تُستأنف، بعد أن تصل إلى مراحل متقدمة، وتفشل في تحقيق أهدافها. وهذا ما حدث في تجارب عديدة سابقة، في التاريخ المعاصر. لكن، كي يُكتب لهذا الاستئناف، نصيب من النجاح، يجب أن تجري مراجعة لأبرز الأخطاء التي وقعت بها التجربة ذاتها، قبل استئنافها.
وبالعودة إلى الأدبيات المتخصصة بـ “حرب العصابات”، يجب التنويه إلى وجود رأيين، حول جدوى هذا النوع من الاستراتيجيات القتالية. أحد هذين الرأيين، يعتبر أن “حرب العصابات” وصفة كارثية، لأي مجموعة بشرية ضعيفة، تقاتل عدواً متفوقاً عليها في الموارد والقدرات العسكرية. أشهر أصحاب هذا الرأي، المؤرخ العسكري الأمريكي، ماكس بوت، الذي ألف كتاباً عن “حرب العصابات”، اعتبر فيه أن الحديث عن نجاح هذه الاستراتيجية القتالية، هو مجرد أسطورة، وأن المجموعات التي تلجأ لـ “حرب العصابات” نادراً ما تنجح في تحقيق أهدافها. وحسب “بوت”، فإن 39% فقط من حروب العصابات، بعد العام 1945، نجحت في تحقيق أهدافها، مقارنة بـ 51% من حالات الفشل.
ولعل أبرز ما يلفت إليه بوت، أن استخدام الخصم الذي يقاتله ثوار “حرب العصابات”، لأسلوب وحشي، من القتل بلا تمييز، قد يكون أحد أبرز أسباب الفشل. وهو ما حدث في سوريا، حيث استخدم الروس استراتيجيتهم الشهيرة، “القصف السجادي”، في تدمير مناطق المعارضة، بما فيها من مدنيين، بصورة كانت تدفع الفصائل المعارضة للاستسلام السريع، في كثير من التجارب.
ويعتقد بوت، أن نجاح ثوار “حرب العصابات” يعتمد بصورة كبيرة على “الرأي العام”، المحلي، والخارجي، المؤيد لهم. وهي إحدى مشكلات الحراك المعارض المسلح في مراحله المتقدمة، بسوريا، حيث تراجع تأييد الرأي العام، المحلي، والخارجي، له، لأسباب عديدة، لسنا الآن بصدد تفصيلها.
لكن، في مقابل “ماكس بوت”، نجد منظّرين اعتبروا “حرب العصابات” أنجح الاستراتيجيات القتالية التي يمكن للمجموعات الضعيفة أن تعتمدها. وقد يكون أبرز المنظّرين لهذا الصنف، الزعيم الشيوعي الصيني، “ماوتسي تونغ”، الذي قاد بنفسه حرب عصابات طويلة، دامت 27 عاماً، وانتهت بسيطرته على كامل الصين.
ويحدد ما في تنظيره، عدداً من السمات والمبادئ التي يجب أن تلتزم بها “حرب العصابات”، كي يُكتب لها النجاح. وقد اعتمدت معظم الأدبيات المتخصصة على توصيفات “ماوتسي تونغ”، تلك، باعتبارها نتاج تجربة عملية، فريدة من نوعها.
وإذا راجعنا توصيفات “ماوتسي تونغ”، نكتشف بسهولة أكبر سقطتين في تجربة “حرب العصابات” في سوريا. الأولى، عدم العمل من خلال تنظيم سياسي قائد. وهي سقطة لطالما قال بها المراقبون للشأن السوري. أما السقطة الثانية، فهي استعجال الانتقال من مرحلة “الاستنزاف” إلى مرحلة “التوازن”. ففي الأولى، على ثوار “حرب العصابات”، ألا يتمسكوا بالمناطق التي يسيطرون عليها، وألا يتحولوا إلى قوى عسكرية ثقيلة، وأن يحافظوا على مرونة حركتهم، وسلاحهم الخفيف، واعتماد أساليب الكر والفر، والتخفي، واستهداف نقاط ضعف الخصم، وكذلك استهداف خطوط إمداده، واستنزافه، ودفعه للانتشار على أكبر مساحة ممكنة.
أما في مرحلة التوازن، يسيطر ثوار “حرب العصابات” على مناطق خرج منها الخصم، بسبب اتساع مساحة انتشاره، ويحولونها إلى خلفية لوجستية لهم، تتم تغطيتها بمؤسسات مدنية تديرها، وقوى مسلحة تؤمنها، من دون أن يؤثر اهتمامهم بتلك المناطق، على استمرار عملياتهم في استنزاف خصمهم.
في تجربة “حرب العصابات” في سوريا، فعل الثوار عكس ما تحدده مبادئ “مرحلة التوازن”. إذ تحولت المناطق المحررة إلى “دويلات”، أصبح همّ الفصائل تأمين حمايتها والسيطرة عليها، على حساب الهدف الرئيس، في مقارعة النظام، واستمرار عمليات استنزافه. الأمر الذي أعطى النظام هامشاً واسعاً من المناورة، سرعان ما استغله، وتمكن لاحقاً، من الانقضاض على معاقل الثوار، واحداً تلو الآخر.
المناطق المحررة في استراتيجية “حرب العصابات”، هي وسيلة، وليست هدفاً. ويجب ألا تتحول إلى معاقل أساسية. بل يمكن، وفق استراتيجيات هذه الحرب، التخلي عنها، في أي مواجهة، إذا كان ذلك ضرورياً. ولا يجوز، بأي شكل، أن يتم السماح بمحاصرتها، وإلا، فالتخلي عنها، يكون أفضل لخدمة الهدف النهائي لـ “حرب العصابات”.
وإذا كانت هذه السقطة، نقصد التمسك بالمناطق المحررة بوصفها مكاسب للفصائل المعارضة، خطأ تكتيكياً، فإن عدم الانتظام في سياق تنظيم سياسي قائد، تخضع له الفصائل المقاتلة، كان خطأ استراتيجياً، لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، تجاوزه، لتحقيق النجاح في حرب العصابات.
وهكذا يجب أن يكون الحديث عن استئناف حرب عصابات ضد النظام، ليس تنظيراً، بل يجب أن يخضع لتخطيط استراتيجي، من جانب تنظيم سياسي قائد، يمتلك رؤية يستطيع من خلالها جمع رأي عام محلي كبير مؤيد له، ويستطيع أيضاً، أن يحصّل رأياً عاماً دولياً، متعاطفاً معه، أيضاً.
والنقطة الأخيرة، قد لا تكون مناسبة أبداً، لجماعة جهادية إسلامية. واليوم، إذا راجعنا المشهد في سوريا، نجد أن أبرز الفصائل المرشحة لاستئناف “حرب العصابات” ضد النظام، هي هيئة “تحرير الشام”. ومع تصنيفها الدولي السلبي، تظهر نقطة ضعف جديدة في استراتيجية “حرب العصابات”، التي يجب أن تحظى بدعم إقليمي وازن، حسبما تؤكد الأدبيات المتخصصة في هذا النهج.
وكخلاصة، إذا كانت جهة معارضة ما، تفكر جدياً في انتهاج “حرب عصابات”، جديدة، عليها التفكير في النقاط السابقة، بشكل استراتيجي، وألا تكون الخطوة، عبثية، بوصفها سبيلاً للهروب إلى الأمام من استحقاقات كبرى، تنتظر قوة ميدانية ما. فـ “حرب العصابات”، حتى لدى المنظّرين المؤيدين لها، ذات كلفة باهظة، على الحاضنة الشعبية. وإن لم تكن هناك رؤية واضحة، للمسار المعتمد، يصبح انتهاجها، جريمة بحق المجموعة البشرية المضطهدة، التي يتم النضال من أجلها، أساساً.

إياد الجعفري

المصدر: المدن