حركة 16 تشرين الثاني ومكر التاريخ

مقال كتب منتصف تموز 2006

ست وثلاثون عامًا بالتمام والكمال انقضت حتى الآن على قيام حركة 16 تشرين الثاني من عام 1970 وعلى استمرار توالي فصول المحنة التي يعيشها شعبنا منذ ذلك الحين . وإذا كان العالم يشهد الآن زوال آخر أنظمة القهر والاستبداد فإن النظام الذي جاءت به هذه الحركة ،وفي تحد سافر لإرادة الأمة وتطلعاتها ،وفي تناقض صارخ مع منطق العصر ، ما زال يواصل في كل عام الاحتفال بذكرى قيامها واستعراض الإنجازات والانتصارات التي حققتها على أكثر من صعيد والتي جعلت منها كما تردد أجهزة إعلامه والأبواق المأجورة السائرة في ركابه !!! بداية تاريخ جديد لسورية وللمنطقة العربية كلها !!!

ترى هل يمكن اليوم لكل إنسانk يملك أبسط حد من الوعي والحس الوطني ان يخطىء في تقييم دوافع وطبيعة تلك الحركة وفي خطورة السياسات التي انتهجتها منذ قيامها وحتى الوقت الحاضر ؟ وهل يجوز بعد كل تلك الأحداث والتطورات المتلاحقة التي شملت معظم أقطار الأمة والتي تضافرت في صنعها عوامل واسباب عديدة ، ان لا يعود كل منا ، أفرادًا وجماعات وأحزابًا وهيئات ، فنسترجع محطات ذلك المسار الذي دفعت إليه حركة تشرين سورية منذ عقود ودورها في كل ما حدث . ذلك المسار الذي عطل تطور بلادنا الطبيعي نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية العصرية والذي أجهض دورها التحرري تجاه قضايا العرب المركزية وتجاه القضايا الإقليمية الرئيسية.

البعض ، مع الأسف ، ونحن هنا لانقصد بطبيعة الحال أهل النظام ولا جبهته الوطنية التقدمية ، ولكننا نقصد على وجه التحديد تلك الحركات والأحزاب الوطنية والقومية وتلك الهيئات والنقابات والمنظمات العربية . هذا البعض الذي ما يزال بمناسبة وبغير مناسبة يواصل ممارسة عملية خداع النفس قبل خداع الغير، فيشارك في مسرحيات تلميع النظام السوري والإشادة بسياساته وممارساته والتي يرى أنها تتجلى على أفضل صورة في مواقف الصمود والتصدي التي يتخذها هذا النظام ، وفي سعيه الجاد لبناء التوازن الإستراتيجي في الصراع مع العدو الصهيوني وفي سياسات الممانعة التي ينتهجها لإفشال ودحر كل المخططات المعادية! وفي دعم وإسناد حركات المقاومة المسلحة وفي أكثر من ساحة ! إلى آخر مفردات هذه الأسطوانة المكرورة . والواقع ان هذا البعض كما نعتقد غالبًا ما يكون أسير ذلك الخطاب القومجي الشعبوي المتخلف الذي أتقن النظام السوري وبرع في استخدامه في غياب أي رصيد ملموس في أرض الواقع .أو ان هذا البعض ما يزال يصوغ مواقفه على اساس إشكالية وهمية ومصطنعة تقضي بضرورة تجميد المطالب الداخلية والتحركات الشعبية ، وحتى السلمية منها والمشروعة ، في مواجهة التحديات والمؤامرات الخارجية .حيث الوطن يتهدده الخطر . وهو بذلك يرتكب خطاء جسيمًا عندما يماهي بين الشعوب العربية وبين أنظمة التخلف والإستبداد الحاكمة التي تصادر إراداتها وتتحكم بمصائرها.

ان الطريق الذي افتتحته حركة 17 تشرين ما يزال ممتدًا ومشرعًا حتى الآن. والمحنة الوطنية التي عاشتها سورية منذ أكثر من ثلاثة عقود ما تزال متواصلة بكل فصولها ونتائجها. إذ لا شك ان أخطر فصولها هو عملية التدمير الذاتي لمجتمعنا . ان سورية اليوم ، وكما بات يعرف القاصي والداني ، انما تعيش أزمة ذاتية شاملة ، أزمة نظام ومجتمع ،أزمة سلطة مستبدة تفتقد إلى أي قدر من الشرعية أو المشروعية وأزمة معارضة وطنية منهكة ومشتتة لم تستطع حتى اليوم التعبير عن تطلعات واهداف الأغلبية الساحقة من شعبها ! وإذا كان الجميع من حركات وقوى هذه المعارضة يتفق على ضرورة فتح آفاق التحول الديمقراطي الحقيقي في مجتمعنا ، فإن تحقيق هذا الهدف الكبير إنما يستدعي ويتطلب بالتاكيد مستوى آخر من الوعي والفعل الجاد والتعبئة الشعبية غير ما هو متوفر الآن.

لقد دفعت سورية منذ ما سمي بالحركة التصحيحية في مسار آخر يختلف نوعيًا من حيث أهدافه وغاياته ، سواء على صعيد السلطة ام المجتمع ، عما تطلعت إليه وعهدته منذ نيل الاستقلال الوطني . وقد كان حصاد هذا المسار المزيد من الاحباط والخيبة والمرارة بالنسبة لأجيال سورية المتعاقبة التي قدمت أجل التضحيات من أجل بناء وطن حر ومزدهر ، وكذلك بالنسبة لحركات وأحزاب ونخب فكرية ، نهضوية وإصلاحية ، تصدرت كفاح تلك الأجيال فأصابت ونجحت أحيانًا ، وأخطأت وفشلت أحيانًا أخرى . ولعل أخطر وابلغ ما ارتكبته من أخطاء في تجاربها الكفاحية الوطنية وفي العديد من المنعطفات الصعبة والاستثنائية كان يوم ان غلبت تناقضاتها الثانوية على ما يجمعها ويوحدها من أهداف ومهام مرحلية وإستراتيجية .

لم تهن عزيمة الشعب السوري طوال الحقبة الماضية التي انقضت على قيام هذه الحركة في مواجهة نظامها الشمولي الاستبدادي الفئوي بكل الوسائل والسبل المشروعة والمتاحة له . تضحيات جسام قدمها الشعب السوري منذ قيام حركة تشرين وحتى الوقت الحاضر ولَم تكن استجابة السلطة القائمة لكل المطالب الشعبية المحقة الا المزيد من الإمعان في التنكر لأبسط حقوق المواطن والانسان ، والا مواصلة نهجها في استخدام كل ماهو مشروع وغير مشروع من أجل إعادة انتاج نفسها وتأبيد بقائها!!!

ففي السياق الزمني الذي قطعته حركة تشرين منذ أول يوم لقيامها كان حزب البعث أول الضحايا الذين استهدفتهم حيث خرجت المجموعة العسكرية الانقلابية من بين صفوفه. وحيث عملت هذه المجموعة واقعيًا على إنهاء أي دور للحزب بتعطيل وإلغاء مؤسساته ، وتجاوز خطه الفكري والسياسي ، وجعله واجهة ليس الا وجهازًا صوريًا من أجهزة النظام الذي كرس سلطة الفرد القائد إلى الابد . ومن جهة اخرى فقد قامت بزج قياداته وكوادره ومناضليه في السجون والمعتقلات. وقد تمت تصفية العديد من هؤلاء القادة الشهداء في السجون بعد ان أمضوا فترات مديدة وصلت في معظم الحالات إلى عقدين ونصف من الزمن !!! أما اولئك القادة والمناضلون الذين أتاحت الظروف بعد هذه المدد الطويلة الإفراج عنهم فهم الآن في موقع الشهداء الأحياء الذين كانوا جزءا أساسيًا في هذه التجربة والذين اختزنوا في الوعي والوجدان والذاكرة دروس وعبر هذه المرحلة العصيبة من حياة امتهم والذين واصلوا تحمل مسؤولياتهم الوطنية في الإطار العام الذي يجمع مختلف القوى والاحزاب الوطنية المعارضة والتي واجهتها السلطة أيضًا بكل حملات الاضطهاد والاعتقال والتنكيل .

كان النظام الذي خرجت المجموعة العسكرية من احشائه نظامًا وطنيًا تقدميًا ، بل وكان في مقدمة الأنظمة الوطنية التقدمية العربية في تلك المرحلة ، استنادًا لكل الأسس او المقاييس الموضوعية التي كان متفقًا عليها في ذلك الوقت والتي يتم في ضوئها تقييم أي نظام . وهذا لا يعني بالتأكيد ،إذ المجال هنا لا يسمح بذلك، تجاهل الجوانب السلبية الجدية في بناء وممارسات ذلك النظام والتي لا شك أنها شكلت الحاضنة التي نمت فيها حركة الارتداد ومكنتها بالتالي من الانقضاض عليه وانهاء وجوده . ويمكن هنا فحسب ان نذكر منها أمرين: أولهما فشل قيادة الحزب في تغيير القيادة العسكرية التي كانت على رأس القوات المسلحة في حرب الخامس من حزيران ، وثانيهما تجربة الحزب الواحد أو الحزب القائد التي عرفها العديد من بلدان القارات الاربع خلال نصف القرن الماضي والتي ادت أدوارًا متباينة من بلد لآخر ولكنها انتهت إلى الإخفاق وأسدل ستار التاريخ عليها في معظم نماذجها .

كان الحزب آنذاك يمارس قدرا من السلطة وفي قطاعات معينة ، ولكن السلطة في القوات المسلحة وخاصة بعد هزيمة حزيران اصبحت في يد العسكريتاريا ،تلك حقيقة لم نعمد لإغفالها او تجاهلها في أي يوم من الايام . وكان الحزب يصارع من أجل تصحيح هذا الوضع المهدد بأوخم العواقب ومن أجل الدفع باستكمال بناء مؤسسات الدولة – دولة الشعب كله . غير ان الظاهرة العسكرية التي عرفتها معظم بلدان العالم الثالث وبعد استقلالها ،وخاصة في العالم العربي ، كانت عقبة كأداء في طريق بناء أنظمة ديمقراطية تجسد إرادة شعوبها وذلك بالاستيلاء على السلطة والتغول على الدولة والغاء وظيفتها العمومية .

ان الذين يخلطون الأمور سواء عن عمد أو عن حسن نية ، فيجعلون النظام الحالي الذي جاءت به حركة 17 تشرين الثاني عام 1970 هو امتداد طبيعي للنظام الذي كان قبله،وكذلك الذين يطلقون على النظام السوري الحالي نظام حزب البعث أو أي حزب آخر إنما ينطلقون من رؤية خاطئة ومسبقة في قراءة الواقع ومن نظرة عصبوية غير موضوعية لا تساعد من حيث النتيجة في تحقيق وحدة العمل الوطني الديمقراطي في بلادنا على أسس من الوعي السليم والثقة المتبادلة . ان المنخرطين في حزب البعث الحالي الذي تديره السلطة كواحد من أجهزتها هم أول من يعترف في قرارة نفوسهم بأن هذا الجهاز الرسمي لا علاقة له بحزب البعث قبل عام 1970 بل ان هذا الجهاز لا يملك من مقومات وصلاحيات الحزب ، أي حزب كان ، ما يبرر اعتباره حزبًا …
كما ان أي مؤرخ جاد ويتحلى بقدر معين من النزاهة والحيادية والإطلاع على تاريخ سورية الحديث لابد ان يقر بالحقيقة البائنة والمرة وهي ان النظام الذي أعقب حركة تشرين الثاني الانقلابية إنما يختلف نوعيًا عما عرفته سورية منذ استقلالها عام 1946 وذلك من حيث طبيعته ووسائله وممارساته وارتداده عن كل القيم والتقاليد الوطنية والدستورية والاخلاقية التي تميز بها الشعب السوري في تاريخه القريب والبعيد .
ليس ما نهدف إليه هنا إذن الدفاع عن مرحلة ماضية من تاريخ شعبنا ولا الإشادة بتجربة معينة في مسار هذا التاريخ دون غيرها. نحن ننطلق هنا بدافع مسؤولياتنا الوطنية قبل أي شيءٍ آخر ونعمل على توفير الظروف والمعطيات التي تساعد على الخروج من المأزق الراهن . فالماضي لا يستعاد إطلاقا لكن المهم هو استيعاب دروس وعبر الماضي بصورة صحيحة من أجل استيعاب حقائق الحاضر ومن أجل امتلاك الرؤية الصائبة لبناء المستقبل الأفضل .
ضحايا حركة تشرين منذ اول يوم لوقوعها وحتى الساعة كثر وما تزال قوافل الشهداء تتالى يومًا بعد يوم شاملة كل أبناء الشعب السوري وفي المقدمة المثقفون والمفكرون ورموز المجتمع المدني وكل أحزاب الحركة الوطنية الديمقراطية السورية ولا نجافي الحقيقة هنا إذا قلنا أيضًا ان الفئة الحاكمة والمهيمنين على مختلف مفاصل ومؤسسات السلطة هم أيضا في جملة ضحايا حركة تشرين التي جعلت منهم أشخاصًا آخرين تنكروا لكل الشعارات التي رفعوها وللقيم الوطنية التي تربو عليها يوم ان سمحوا لأنفسهم باستباحة كل شيءٍ فتسلطوا على شعبهم واغتصبوا إرادته وحولوا مجتمعهم الى مملكة للرعب والخوف كما حولوا بلادهم إلى مزرعة للجشع والاستغلال والفساد . بينما لم يجد الجنرالات أي حرج في إستمرار الحديث بالصوت المرتفع وإطلاق التصريحات الحربية عن الصمود والتحرير ،في الوقت الذي لم يبق مكان أنملة في صدور بعضهم لم يرصعوه بالميداليات والنياشين والأوسمة التي لم يحمل جزءا بسيطًا منها جنرالات وقادة التحرير الحقيقيين في العالم !

إن ما حدث في سورية منذ حركة 16 تشرين الثاني عام1970 وحتى اليوم هو أمر خطير في منطق التطور التاريخي الذي تسير حركته من حيث النتيجة إلى الأمام كما كان هيغل يؤكد ذلك على الدوام . لكن حركة التاريخ هذا كما يرى هيغل وبالتالي كفاح الشعوب من أجل الحرية يظل حافلًا بالإخفاقات والتراجعات والهزائم ، فذلك هو مكر التاريخ الذي لابد أن تنطبق أحداثه على كل المجتمعات وفي كل
المراحل والأوقات.

لكن في مقدمة دروس التاريخ التي يعيها شعبنا والتي زودته بها خبرته الكفاحية المديدة ، أنه بتصميمه وتضحياته واستمراره في ساحات الفعل والعطاء لا بد أن تنتصر إرادته ويستعيد كرامته ، ولا بد ان يغادر ليل الظلم( والاستبداد والتهميش إلى آفاق الحرية والديمقراطية والتقدم .

حبيب حداد

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.