حزب الله خلف ستار «داعش»

لو، لا سمح الله، تعاقبت العمليات الإرهابية في الكويت الواحدة تلو الأخرى، باستخدام الذخائر والمتفجرات التي كشفتها الأجهزة الأمنية الكويتية أخيرًا، فإنها ستظهر وكأنها امتداد لعملية تفجير مسجد الإمام الصادق في رمضان الماضي، التي نفذها تنظيم داعش. سيُقال، كما قيل، إن التنظيم يستهدف شيعة الكويت، وهذا كفيل بنفخ نار الفتنة الطائفية والإبقاء على حالة الاحتراب والتوتر والريبة بين الطائفتين، وستتدخل إيران عيانًا بيانًا بحجة حماية الحسينات، الذريعة المعتادة. صحيح أن الكويت كما السعودية، كانت هدفًا لعمليات القتل والترويع من تنظيم داعش، إنما الأصولية الشيعية، متمثلة بحزب الله، ذات التاريخ الأسود في الكويت، عادت مجددًا لتنافس الأصولية السنية التي يقدمها «داعش». والخطة الموضوعة سهلة من حيث الفكرة والتنفيذ؛ ستوجه أصابع الاتهام للدواعش، الذين سيسعدهم زيادة رصيدهم الدموي، ولن يخطر ببال أحد أن حزب الله المشغول في الذود عن بشار الأسد في سوريا، سيستهدف الكويت التي وجه أمينه العام لها ولأميرها تحية إجلال وإعجاب قبل شهر.
الحقيقة لا يوجد سبب واحد يجعلنا نشعر بالصدمة جراء ما كشفته الأجهزة الأمنية في الكويت من مخازن للأسلحة والذخائر تكفي لتفجير شمال إسرائيل، كل الظروف كانت مهيأة لتحويل الكويت إلى مستودع إمداد ونقطة انطلاق لإيران لتأمين عملياتها في الخليج. ما تم كشفه ليس حالة فردية، هناك مخازن متعددة في الكويت وغيرها من دول الخليج، كثفتها إيران مع ما سُمي بالربيع العربي، مع انشغال الشارع الخليجي والكويتي في هذه الحالة، بالمظاهرات واختلاق المعارك مع الحكومة. حينما كان يخرج الكويتي للصراخ في الشارع كانت إيران داخل البيوت تحفر وتدفن أسلحتها.
في الكويت، كما في لبنان والعراق، الكل يستطيع أن يقول أي شيء، لكن لا أحد يقول الحقيقة كاملة، أو ربما فات أوانها. الراديكالية الشيعية في هذه الدول الثلاث ليست فكرًا مارقًا محاربًا من الدولة مثل «داعش»، بل جزء منها، من كيانها السياسي والاجتماعي، له صوت يبدو أنه يعلو فوق صوت المصلحة الوطنية، يمارس عمله تحت مظلة القانون والدستور، تحت قباب البرلمانات ومجالس الحكومة، وهذا وضع كارثي بكل معنى الكلمة لأنه يشرع للإرهاب ويجعله مقبولاً بدرجة أقل تمهيدًا للدرجة الأعلى، ويجعل من المستحيل استئصاله دون إحداث ضرر جسيم في الجسد الوطني. في الكويت، وفي حالة نادرة، يستطيع نائب في مجلس الأمة أن يتوجه في زيارة معلنة لعائلة عدو استهدف أمن بلده، وقام بقتل مواطنيه، ويلتقط معهم صورًا باسمة، ثم يعود إلى مقعده تحت قبة المجلس وكأن شيئًا لم يكن! وهذا السلوك الاستثنائي لم يحصل فجأة، بل سبقته جرعات متكررة من الممارسات التي ضربت الصف الوطني وأوغرت الصدور، ولكن غياب المساءلة والمحاسبة مهد لأعمال أكثر استفزازًا.
الإعلام الغربي الذي كان يروج للاتفاق النووي الإيراني مع الغرب يشعر اليوم أنه في مأزق، بعد أن روج لفكرة أن إيران ستكون العصا التي لا تعصى في مواجهة التطرف السني بالوكالة عن الغرب، وها هم اليوم أمام ما حذر منه الخليجيون، الذي بات واقعًا أكثر نصوعًا، بأن إيران تسعى لتحقيق حلم الخميني بالهيمنة على المنطقة العربية، ولم يعِقها منذ 35 عامًا إلا حاجز الخليج.
وكان قد احتدم أخيرًا نقاش بين المحللين والمثقفين في الغرب حول الكيفية التي ستقدم بها إيران نفسها للعالم بعد توقيع الاتفاق النووي، بعضهم قال إن الاتفاق روّضها، وسيحيلها إلى نظام أكثر تحضرًا واحترامًا لحقوق الإنسان، ومنهم من توقع أن التغيير الإيجابي المرجو سيستغرق وقتًا، لأن الثقة بين المتصالحين لا تعود بين ليلة وضحاها، ولكن معظمهم اتفق على أن إيران هي حاجز الصد ضد تقدم تنظيم داعش، ويدللون على ذلك بالأوضاع في العراق، بأنه لولا الحرس الثوري الإيراني وميليشياته اللبنانية والعراقية لكان التنظيم المتطرف زحف للخليج، وكان أكثر خطرًا على إسرائيل! كل هذه أوهام من يريد أن يسوق لبضاعة رديئة. في الخليج نفهم تمامًا أن ميليشيا «داعش» لن تأتينا غازية كما يحصل في العراق، مثل أن خطر حزب الله لم يأتِ للكويت زحفًا مثل غزو صدام حسين في تسعينات القرن الماضي، أما إسرائيل فهي آمنة مستريحة قبل «داعش» وبعده.
علينا أن نتذكر فضيحة استسلام جيش المالكي في الموصل صيف 2014 وتسليمه المدينة لفصيل من الدواعش، إيذانًا ببناء دور لإيران وميليشيا الحشد الشعبي الشيعية الإرهابية في العراق. ما حصل في الموصل يشبه تمامًا ما حصل في حرب النكسة في عام 67 حينما قدم حافظ الأسد القنيطرة لإسرائيل لتكون ذريعته في تعزيز عقيدته البعثية وخرافات الممانعة، الموصل كذلك خلقت عدوًا جديدًا اسمه «داعش»، يخيف الغرب، ويضطرهم، عن بعد، لمحاربته من خلال حليفهم الإيراني الموعود.
الكويت، بحكم موقعها الجغرافي، ونظامها السياسي، وبيئتها الاجتماعية، تخوض معركة وجود هي الأخطر منذ غزو صدام حسين، ومن حسن الحظ أن المنظومة الخليجية التي ظهرت متماسكة خلال التحالف ضد الحوثيين في اليمن، وضد عملاء إيران في البحرين، ستكون حاضرة مع الكويت، إنما تبقى المسؤولية الكبرى هي مسؤولية دائرة الحكم التي قررت فضح الخلية الإرهابية، وما دامت اتخذت هذا القرار ببدء المعركة، فعليها أن تخوضها للنهاية بكل ما أوتيت من شجاعة، هذه المرة دون عون أميركي.

 

امل عبد العزيز الهزاني

المصدر: الشرق الاوسط