حصار سورية يستهدف الشعب لا النظام؟

36

لا يستقيم البحث عن حلٍّ أو تسوية للأزمة السورية بالحوار مع دمشق في إطار القرار الدولي رقم 2254، مع احترامنا لكل ماورد فيه، ورغبتنا في أن نراه يسرح ويمرح فوق ربوع سورية المتعطشة إلى يومٍ تُحْتَرَمُ فيه رغبتها. يسعى المجتمع الدولي تسعى إلى تنفيذ القرار المذكور بالتراضي مع النظام المُستَهدَف في كل بند من بنوده، إذ يضغط عليه بحصار لايضرّ به، بل ينصبُّ ضرره على الشعب السوري كله. ولا يجهل هؤلاء أن تعميم الاستهداف، لا يلوي عنق النظام، إنما يزيد من نكبة الشعب وإفقاره وتشريده.

كأن المجتمع الدولي يقتصُّ من الشعب السوري حتى لا يفكّر مرةً ثانيةً بالتمرّد أوالثورة أوالهجرة، أو الفرار، والجميع يُدرك مدى قدرة النظام على تجيير نتائج الحصار والتجويع لصالحه. لا يخفى ذلك على صُنّاع القرارات الدولية، ولا يُجدي كضغط سياسي في فلسفة التفاوض مع الأنظمة غير الديموقراطية.

يدرك الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتحالفه العربي والدولي عدم جدوى القفز فوق العقبة السورية إلى إيران مباشرة. لذلك، تواضع واستدار إلى هذه العقبة، وأعلن عزمه على إزالتها، لكنه لم يحدد كيف: محاورة، مداورة، مناورة، أومنازلة مع ودمشق؟

حتّى الآن، لا يبدو الطريق إلى التسوية السورية واضح المعالم في ظل “عجقة” التأهّب الدولي بقيادة ترامب ضد إيران. ثمة تسريبات ملتبسة تؤكد عدم انقطاع الشعرة الأمنية بين واشنطن ودمشق، والتواصل إمّا مباشرة، أو بتكتيك روسيٍ – أميركي المنشأ، لفتح طريق دولي عبر سورية إلى إيران! تعبيد هذا الطريق لايتمّ بالتفاوض مع النظام إستناداً إلى مرجعية تفتح النوافذ لتغييره، وقد عُدِلَ دولياً عن هذا الهدف، فلماذا لا تُعدَّلُ المرجعية؟ سواء رضيت المعارضة أم عارضت، طالما أنها لاتقف ضدَّ حصار يئنُّ تحته شعبُها، وتجهل، أو تتجاهل، أنّ هذا الحصار لا يميز بين الظالم والمظلوم، ويُفترض به أن يحدد أهدافه بمنتهى الدقة، قبل الضغط على الزناد؟

أخطر العقبات السورية وأعقدها، مشروع الإمارة في إدلب، المتمرد على خفض التصعيد بدعم تركي – قَطَري، والذي ربما يُساوَمُ عليه في تعبيد الطريق بالتعاون مع النظام، إمّا بخفض التصعيد، أي التهدئة، أوتأجيل الحسم، أو تجييره لمرحلة التسوية الإقليمية المُفتَرَضَة. ولاتقلّ تعقيداً العقبة الكردية شرق الفرات، التي ترفل بنعيم الوجود الأميركي وحمايته، وتخفي قلقها من مفاجآت ترامب في اللحظات الأخيرة. الإشارة إلى القرار2254، لا تعني إعادته إلى التداول، فهو لن يعود، وإذا عاد، فسيُعَرقَل، أو تُعاد قراءته، لتأويل المُختَلف عليه، وتقويم اعوجاجه ليلحظ تغيرات المواقف من دمشق. ربما تلحظ ذلك اللجنة الدستورية حتى ولو تحوّل النقاش فيها إلى جدلٍ بيزنطيٍ متمردٍ على فلسفة بيدرسون الوفاقية.

إزالة العقبة السورية ليست بالأمر المُيَسَّر، وأغلب الظن أنّ خطة إزالتها رُسمت في القمة الأمنية الأميركية – الإسرائيلية – الروسية التي عقدت في القدس الغربية أخيراً. علماً أن “لجنة الدستور” هي بمثابة بالون اختبار تحت المظلة الروسية في آستانة وليس في مدريد، بصحبة الموفد الدولي المتوعّك صحّياً لا سياسياً، والذي تنتظر اللجنة تعافيه لتبدأ مشوارها التفاوضي الماراتوني.

أدوات تذليل العقبات ليست واضحة المعالم في لغة ترامب التجارية، بل يزداد تعقيدها بحراكه الميداني في منطقة التنف، وفي الشمال السوري غرب الفرات وشرقه، متلاعباً بالعقدة الكردية أمام تشتت “الفقيه التركي” بين المنطقة الآمنة وإدلب، وعينه تقدح شرراً مما يجري شرق الفرات بدعم أميركي – أوروبي. وإذا فرغ صبره، واستشعرخطراً على سمعته، وليس وطنه، فلن يتوانى عن القفز بمعركته إلى شرق الفرات ضدّ الإدارة الذاتية الكردية التي تتصرف بعقلية الدولة المنفصلة، غير آبهة بجوارها طالما معها واشنطن. ولا نعلم ما المُغريات التي تُقدم لمن يتساهل، أو يتجاهل، أو يغض الطّرْفَ عمّا قد تؤؤل إليه الأمورهناك، تحت يافطة تسوية إقليمية في طريقها إلى الفقيه الإيراني.

نقل حال الاحتقان الوضع الاقليمي إلى حافّة الهاوية، واحتواؤه حتّم ضرورة التوجّه إلى التسوية السورية، سواء توفّرت فرص نجاحها أم لا. علماً أن بوادر التسوية لا تتفاءل بـ “لجنة الدستور”، ولا بالحوار بين النظام وهيئة معارضيه المفاوِضَة المشتتة بين رغبة دول الخليج العربية، ورغبة التحالف التركي القطري المتطرف! ويُفترض باجتماع آستانة أن يلحظ هذا الاختلال في موازين الثقل. ذلك أن موسكو قادرة على ردم الفجوة، أو تقليصها باختراع خفضِ تصعيد (سياسي) يُعتَمَدُ دولياً، وقد تُسْتَبْدَلُ المعارضةُ إذا لَزِمَ الأمر، وما ذلك بمستغرب في ديبلوماسية لافروف زعيم منصة آستانة بلا منازع.

الحسم الميداني في إدلب، أوعدمه، قرار سوري – روسي – إيراني، لا يُنفّذ إلاّ بالتراضي المحتمل مع تركيا، وفي تفاصيله نكهة أميركية مُلزمة، ورغبة روسية تناور لإرضاء حليفها المتردد أردوغان. كل ذلك تمهيد لفتح طريق دولي – أميركي عبر دمشق إلى طهران، أو طريق إيراني إلى البيت الأبيض. علماً أن مرحلة التأهب كثفت الهرولة في اتّجاه واشنطن، من جميع العواصم العربية، لتستبق إصلاح علاقات أردوغان بترامب، لما لها من انعكاسات سلبية على تسويةٍ ليس فيها مطلقاً أيُّ تحرّكٍ عملي في اتجاه معالجة نكبة الهجرة.

قد يُكتفى بالخُطَبِ النارية في المؤتمرات، وإقرار حق العودة للسوريين، كما سبق وأقرها المجتمع الدولي للشعب الفلسطيني، واستقرت بين يدي ترامب ونتنياهو. وفي الحالين السورية والفلسطينية، ظُلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضةً عليهما من وقع مفاجآت ترامب وصفقة قرنه المتداولة. إما أن تكون “لجنة الدستور” أساسية في التوجّه نحو التسوية الإقليمية، أو مجرد ملهاة في سيناريو المفاجأة وما تتضمنه من احتمال التلاقي بين “آيات الله” الإيرانيين وترامب، الذي اُزيلت عنه صفة “الشيطان الأكبر”، ربما تمهيداً لقنبلة الموسم في خدمة حملته الانتخابية، وهذه، إنْ تمت، سيكون ثمنُها باهظاً سياسياً ومادياً على دول الإقليم كافةً. ولن تجد “الآيات” الإيرانية صعوبة في تأويل هكذا حدث لصالح حلفها المقاوم، ومن الطبيعي أن يُقلق هذا الاحتمال الجانب العربي مهما ضَؤُلت فُرَصُ حُدوثِه.

عادل يازجي
المصدر: الحياة 

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.