حقوقي سوري: يجب التفريق بين محاكمة بشار الأسد وقرار محكمة العدل الدولية فكلاهما مختلفان

1٬599

قال الحقوقي والمحامي خالد الحويجّ، يجب التفريق بين محاكمة بشار الأسد وقرار محكمة العدل الدولية فكلاهما مختلفان، حيث أنّ قرار القضاء الفرنسي بإصدار مذكرات توقيف دولية بحق الأسد وشقيقه ماهر الأسد والعميد غسان عباس والعميد بسام الحسين بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب واستخدام غاز السارين ضد سكّان الغوطة الشرقيّة ومعظّميّة الشام في 21 أغسطس 2013 يعيد إلى الفكر  مسؤولية البحث في أساس ومشروعية الملاحقة ضد ’’رئيس دولة ‘‘ يتمتّع بالحصانة نورد ما يلي :

واعتبر أنّ الحكومة الفرنسيّة وقّعت دون إبداء أية تحفظات على ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة بتاريخ / 18 /يوليو 1998 وصدّقته في/ 9 /يونيو/ 2000، الذي دخل حيز النفاذ سنة 2002 ، وفي سنة 2004 قام المشرّع الفرنسي بتعديل القانون الجنائي الفرنسي بما يتوافق مع الوفاء بالتزامات التعاون ومبدأ التكامل المنصوص عنهما الميثاق ، مستنتجا بأنّ المشرّع الفرنسيّ أدخل تجريم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيّة وجريمة الإبادة الجماعيّة والمبادئ الاساسيّة في الميثاق في نصوص القانون الجنائي الوطني 

مسؤوليّة بشار أسد في الدعوى المقامة أمام القضاء الفرنسي : وعن مسؤوليّة بشار أسد في الدعوى المقامة أمام القضاء الفرنسي ، قال محدثتنا: وفقاً للمادة’’ 53-2‘‘ من الدستور الفرنسي التي تنصّ على أنّه: يجوز للجمهورية أن تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية وفق الشروط المنصوص عليها في المعاهدة الموقعة في 18 يوليو 1998 . وقد اعترفت بذلك في سنة 2000 وعليه فقد أصبح ميثاق روما الأساسي جزء من القوانين الوطنيّة وفقاً للمادّة ’’55‘‘ من الدستور التي تنصّ على أنّه : يكون للمعاهدات أو الاتفاقيات التي يتم التصديق أو الموافقة عليها حسب الأصول، وعند نشرها، قوة تفوق قوانين البرلمان شريطة أن يطبقها الطرف الآخر فيما يتعلق بهذا الاتفاق أو هذه المعاهدة. وبالتالي فإن الدستور الفرنسي لا يعترف بحصانات القادة والرؤساء عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيّة وفق الإجراءات التي حدّدتها المادة ’’68‘‘ منه” .

وبناءًا على ما سبق  اعتبر أنّ المدخل القانوني الذي دخل منه القاضي الفرنسي الذي أصدر مذكرة التوقيف بحق بشار أسد يمرّ عبر البوابتين التاليتين :

الأولى : الاستناد في الادّعاء على أنّ بشار أسد بصفته ’’ القائد العام للجيش والقوات المسلّحة ‘‘ للالتفاف على قيود ’’الحصانة ‘‘ التي يتمتّع بها بوصفه ’’رئيساً للدولة السوريّة‘‘ وهذا يتوافق مع نصّ المادّة ’’28‘‘ من ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائيّة الدوليّة والمادتيّن ’’ ’’462-7‘‘ و’’213-4-1‘‘ من قانون العقوبات الفرنسي .

الثانية : الاستناد الى المادّة ’’55‘‘ من الدستور التي اعتبرت ميثاق روما الأساسي ’’بكلّية أحكامه ومبادئه ‘‘ ومنها مبدأ عدم الاعتداد بالصفة الرسميّة أقوى من القانون الوطني من حيث الحجيّة والإلزام وبالتالي فهو الأولى بالتطبيق من ’’العرف الدوليّ ‘‘ وباعتبار أنّ حجيّة وإلزاميّة المصادر الأساسية للقانون الدولي هي ’’ المعاهدات ثم العرف ثم مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحدة‘‘ وهذا الترتيب ملزم . وحيث أن حصانة الرؤساء هي محل خلاف قانوني بين تيّارين أحدهما يعتبرها من ’’ المجاملات الدوليّة ‘‘ والثاني يعتبرها من القانون الدولي العرفي وعليه فإنّ تقديم النص على العرف وترجيحه عند التعارض واجب مّلزم للقاضي وبالتالي فإن تطبيق احكام الميثاق أولى وفقاً للمادة ’’55‘‘ من الدستور الفرنسيّ من تطبيق العرف ويصبح مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة للرؤساء وكبار المسؤولين من مستلزمات تطبيق الولاية العالمية للقضاء الوطني .

مدى إلزامية تنفيذ المذكرة : لتنفيذ المذكرات القضائيّة الدوليّة طريقين وهي:

تابع الحقوقي السوري: طريق الانتربول : بموجب قرار المنظمة رقم ’’10‘‘ لسنة 2010 الخاص بالتعاون بشأن الطلبات الجديدة المتصلة بقضايا الإبادة الجماعيّة والجرائم المرتكبة ضد الإنسانيّة وجرائم الحرب يمكن للمنظمة ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم إذا كانت الطلبات مقدمة من قبل : محاكم دوليّة . أو من كيانات أنشأها مجلس الأمن الدولي رهنا بالترتيبات الخاصة المتفق عليها فيما يتعلق بهذا النوع من الطلبات .أو مقدمة من البلدان الأعضاء إلا عندما يتعلّق بأحد رعايا بلد عضو آخر وعندما يعترض هذا البلد على الطلب في غضون ’’30‘‘ يوما من قيام الأمانة العامة بتبليغه إيّاه “.

وبناءً على ذلك يمكن للسلطات الفرنسيّة اللجوء للإنتربول الذي يتوجب عليه إبلاغ النظام بمضمون الطلب الذي سيعترض حتماً على الطلب وبالتالي سقوط الطلب وعدم قدرة الانتربول على تنفيذ مذكرة التوقيف حتى لو وجِد ’’بشار أسد ‘‘ على أراضي أي دولة عضو في الانتربول .

طريق اتفاقيّات التعاون القضائي وتسليم المجرمين :

استناداً إلى قرار الجمعيّة للأمم المتحدة رقم ’’3074‘‘ لسنة 1973 المتضمّن مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

اتفاقيات تسليم المجرمين : المبدأ إنّ أغلب دول العالم لا تسلم مواطنيها للمحاكم الأجنبية ومنها سورية وبالتالي لا مجال لطلب تسليم المتهمين بالدعوى .

• تقديمهم من دولة ثالثة اثناء تواجدهم على أراضيها:

وأضاف: القاعــدة في هــذه الحالة هي : أن أمر التسليم يخضع لمبادئ المعاملة بالمثل، وقواعد المجاملات والأخلاق الدولية واعمالاً لتلك المبادئ، فعلى الدولة المطلوب منها التسليم أن تقوم باستشارة الدولة التي ينتمي إليها الشخص المطلوب بجنسيته فقـط مـن باب الاستشارة وهـى مجرد استشارة قـد تأخذ بها الدولة المطلوب منها التسليم أو لا تأخـذ بها وذلـك وفقـا لتقديرهـا ومصالحها ، والاستثناء مـن تلـك القاعـدة: أن تتضمن نصوص معاهدة التسليم بـن الدولة الطالبة والدولة تُلزم الأخيرة باستشارة الدولة التي ينتمي إليها الشخص المطلوب منها التسليم، نصا بجنسيته، مثـل تلـك المعاهدات الدوليّة أو المعاهدات الثنائية”.

كما أن هناك عقبة قرار محكمة العدل الدولية لسنة 2006 الذي يحول دون تعاون الدول مع القضاء الفرنسي : هذا القرار الذي حسم أمر إسقاط الحصانة عن الرؤساء ورؤساء الحكومات وحصره فقط بالمحكمة الجنائيّة الدوليّة ، ولم يقرّ بإسقاطها أمام المحاكم الاجنبيّة التي تأخذ بمبدأ الولاية العالميّة .

وفي هذه الحالة أيضا أرى استحالة قيام دولة ثالثة بتسليم بشار الى القضاء الفرنسي ما عدا دول الاتحاد الأوروبيّ التي تتبنّى مبدأ الولاية العالميّة للمحاكم الوطنيّة

بالنسبة لمحكمة العدل الدولية فيما يتعلق بالتعذيب فإن الأمر مختلف فهذه المحكمة لا تحكم الأفراد وإنما الدول وما جرى بشأن سورية من حيث الدعاوى المقامة من قبل كندا وهولندا فهي انتهت بوجوب قيام الحكومة السورية باتخاذ عدة تدابير وهي 12 تدبير  تدابير فعالة لوقف ومنع جميع الأعمال التي ترقى إلى التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو تساهم فيها. وقف جميع أشكال الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي ’‘ الحبس الإنفرادي ‘‘ أو ’’العزل ‘‘.

يجب على سورية أن تتخذ إجراءات فورية للحدّ من خطر التعذيب الذي يرتكبه مسؤولوها وغير هم من الموظفين، بما في ذلك عن طريق إصدار تعليمات لضمان معاملة المعتقلين بما يتفق مع كرامتهم الإنسانية، وإيقاف جميع الموظفين المشتبه في ارتكابهم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة عن العمل أو الامتناع عن العلاج في انتظار التحقيق، ورفع الحصانة الفعلية عن مسؤوليها الذين يرتكبون التعذيب، وضمان عدم استخدام الأقوال التي تم الحصول عليها تحت التعذيب كأدلة في أي إجراءات. تدابير منها معرفة السجلات والوثائق ورفات من ماتوا في الاعتقال 

تم فرض هذه التدابير وفقاً لنصّ المادة ’’41‘‘ من لائحة المحكمة التي تنصّ على أنّه : للمحكمة أن تقرر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حق كل من الأطراف وذلك متى رأت أن الظروف تقضي بذلك، إلى أن يصدر الحكم النهائي يبلغ فورا أطراف الدعوى ومجلس الأمن نبأ التدابير التي يرى اتخاذها.

الإجراءات التاليّة :
تبليغ القرار الأمين العام للأمم المتحدة :
علي المحكمة أن تبلّغ القرار فوراً للأمين العام للأمم المتحدة لإحالته لمجلس الأمن وفقاً للفقرة ’’2‘‘ من المادة ’’41‘‘ من النظام الأساسي. ووفقاً لنصّ المادة ’’77‘‘ الذي ينصّ على أنّ : كل تدبير تقرّره المحكمة بمقتضى المادتين ’’73 و74‘‘ من لائحة المحكمة وكل قرار يصدر عن هذه المحكمة بمقتضى الفقرة ’’1‘‘ من المادة’’76‘‘ من هذه اللائحة يُبلّغ فوراً للأمين العام للأمم المتحدة لإحالته لمجلس الأمن وفقاً للفقرة ’’2‘‘ من المادة ’’41‘‘ من النظام الأساسي.

حجيّة القرار وإلزاميّته:
وفقاً لنصّ المادة‘‘59’’منه الذي ينصّ على أنّه: لا يكون للحكم قوة الإلزام إلا بالنسبة لمن صدر بينهم وفي خصوص النـزاع الذي فصل فيه.

ووفقاً لنص المادة ’’94‘‘ من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينصّ على أنّه: يتعهد كل عضو من أعضاء “الأمم المتحدة” أن ينزل على حكم محكمة العدل الدولية في أية قضية يكون طرفاً فيها. إذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، ولهذا المجلس، إذا رأى ضرورة لذلك أن يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم.

ما هي الإجراءات المتوقّعة التي سيتّخذها مجلس الأمن الدوليّ :
بعد إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة وإحالة القرار إلى مجلس الأمن سنكون أمام خيارين :

الأول : ولتجنّب الفيتو الروسي الصيني يعمل المجلس على تنفيذ التدابير المستعجلة والمؤقّتة بتقديم توصيات للنظام وفقاً للمادتين ’’40 و41‘‘ من ميثاق الأمم المتحدة اللتان تنصّان على أن: يدعو المجلس المتنازعين للأخذ بما يراه ضرورياً أو مستحسناً من تدابير مؤقتة، ولا تخل هذه التدابير المؤقتة بحقوق المتنازعين ومطالبهم أو بمركزهم، وعلى مجلس الأمن أن يحسب لعدم أخذ المتنازعين بهذه التدابير المؤقتة حسابه، وله أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء “الأمم المتحدة” تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئياً أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية.

الثاني : وهو استخدام القوة وأراه مستحيلا المنصوص عنه بالمادة ’’42‘‘ من ميثاق الأمم المتحدة التي تنصّ على أنّه : إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة ’’41 ‘‘ لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء “الأمم المتحدة”.

وعليه فإن الكرة انتقلت من ملعب محكمة العدل الدوليّة إلى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدوليّ الأمر الذي سيحوّل هذا القرار الى ورقة مساومة وابتزاز بين الدول في مجلس الأمن الدولي    وكذلك علينا ان ننتبه الى معوقات عدم انعقاد المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية .