حكاية خليل معتوق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

KhalilMatouq3
مرت قبل أيام سنة على الاختفاء القسري للمحامي والناشط اللامع في مجال حقوق الانسان خليل معتوق. خلال هذه السنة لم تعرف أسرته وأصدقاؤه عنه أية معلومات تطمئن عن حالته الصحية والنفسية.  خليل معتوق محام، لم يكن سياسياً ولم يعمل لإسقاط النظام أو تغيير الدستور. لم يحمل السلاح؛ لم يقتل أحداً أو يحرّض على قتل احد. وهو ليس إرهابياً ولا إسلامياً راديكالياً ولم يتلقّ تمويلاً من أية جهة أجنبية. في الحقيقة، عندما كان المعتقلون السياسيون غير قادرين على دفع مقابل الوكالة، غالباً ما كان خليل يدفع أتعاب الكفالة من جيبه الخاص، أو أن بعضاً من أصدقائه كان يفعل ذلك.  كان خليل يتمتع باحترام الجميع في المعارضة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية التي تعنى بحقوق الانسان. ونادراً ما تمتع رجل واحد بالاحترام والتقديرالذي كان لخليل من قبل مختلف الفرقاء. هذا الواقع أهّله ليلعب دور الوسيط والحكم في العديد من الخلافات وحالات سوء الفهم التي كانت تنشأ بين منظمات المجتمع المدني، أو بين فصائل المعارضة، وغالباً ما كان الوسيط الناجح في إنهاء هذه الحالات. وكان خليل أكثر نجاحاً في وسط من أكثر الأوساط تشابكاً وتعقيداً وإثارة للتساؤلات: منظمات حقوق الإنسان في سوريا. نشط على الساحة السورية في وقت من الأوقات بضع عشرة منظمة عملت في مجال حقوق الانسان. وكان الطابع الغالب عليها هو التنافس والانقسام وأحياناً الدسيسة. خليل، الذي لم يعمل مع أي من تلك المنظمات، كان في الوقت نفسه الجامع بينها والضامن لئلا تنساق إلى القطيعة فيما بينها. وهو أيضاً كان المنبّه لئلا تتسلل السياسة والإديولوجية الحزبية إلى هذه المنظمات. وخليل من قرية منسية على الحدود اللبنانية السورية. نصف سكان القرية يعيشون في الجانب اللبناني ونصفهم الآخر في القسم السوري. وهي تضم مناصفة تقريباً مسلمين ومسيحيين. وخليل كان دائماً القاسم المشترك بين لبنانيي القرية وسورييها، وبين مسلمي القرية ومسيحييها.  صباح يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2012، خرج خليل من منزله  واتجه بصحبة صديقه محمد ظاظا إلى مكتبه في وسط المدينة، عندما تم احتجازهما على حاجز في مدخل المدينة واقتيادهما إلى مكان غير معروف.  وبعد مرور شهرين على اعتقاله تقدم محاموه بطلب للنائب العام بالكشف عن مصير ومحاسبة المتورطين في اعتقاله، إلا أن أجهزة الأمن أنكرت وجوده لديها، رغم أن معتقلين كانوا معه وأفرج عنهم أكدوا وجوده في أحد السجون التابعة لادارة المخابرات العامة في منطقة (كفر سوسة) في العاصمة دمشق. ورغم المناشدات المحلية والدولية المستمرة للسلطات السورية بإطلاق سراحه، تستمر السلطات السورية باعتقاله رغم الحالة الصحية الحرجة التي تتطلب رعاية صحية مكثفة بسبب تعطل عمل رئتيه وخضوعه لعلاج مكثف ومتابعة طبية مستمرة قبل اعتقاله. لماذا يعتقل النظام السوري شخصاً مثل خليل معتوق وقبله بأيام القائد السياسي عبد العزيز الخيّر وقبلهما الصحفي والحقوقي مازن درويش؟ ببساطة لأن خليل وعبد العزيز ومازن يكشفون زيف ادعاءات النظام بأنه المحامي عن الأقليات والحامي لعلمانية الدولة والواقف في وجه المدّ الإسلامي الراديكالي والإرهاب. خليل المسيحي وعبد العزيز الخير ومازن درويش العلويان وعدنان الدبس الدرزي وندى رستم الاسماعيلية يقولون ببساطة إن النظام طائفة وحده، وإن مؤيديه من كل الطوائف ومعارضيه من كل الطوائف.  والنظام يعتقل خليل معتوق والمناضلين السلميين الآخرين لأن وجودهمم يفسد الصورة التي يحاول أن يرسمها في أن الصراع في سوريا هي بينه وبين إرهابيين أصوليين جاؤوا من الخارج ليسقطوا نظام الممانعة والعلمانية. وهو يعتقل خليل معتوق لأن الأخير وجّه له عدة صفعات عندما رفض التحذيرات المتوالية التي وجهها إليه بأن يكف عن الدفاع عن معتقلي الراي ولعب دور صمام الأمان للمجتمع المدني السوري. واليوم بعد عام كامل على اختفائه تطالب عائلة خليل وأصدقاؤه بإطلاق سراحه بسبب وضع الصحي السيئ وبسبب لا شرعية اعتقاله ولأنه لم يقم بأي عمل مخالف للقانون، فقد اعتقل فقط لمجرد نشاطاته السلمية. بيد أن اعتقال خليل ليس فضيحة للنظام فحسب؛ إنه نقطة سوداء في سجل المعارضة السورية في الداخل والخارج، فبينما يطالب المجتمع المدني السوري ومنظمات حقوق الإنسان والحريات الساسية في سوريا والعالم بإطلاق سراح معتوق والآخرين، لا تزال المعارضة منشغلة بالقضايا “المصيرية الكبرى” متجاهلة مسؤوليتها كممثلة للثورة السورية ولكل السوريين.  كنت أرى خليل يومياً في بعض الأحيان ولمدة سنوات، ولكن كان علي أن أنتظر خمس أو ست سنوات قبل أن أكتشف مصادفة أن الرجل كان مسيحيا.  في كل مكان يتواجد في خليل، كان يضفي البهجة والراحة بين أصدقائه وزملائه. لم تكن الابتسامة الهادئة الساخرة تفارق عينيه، إن فارقت شفتيه. وحين كان يبتغي أمراً ولا يجد إليه سبيلاً، كان يكرّر: “بيعوض الله!”.  وحين اشترى الجاكيت الجلدي الذي يلبسه من شهر أيلول (سبتمبر) وحتى نهاية أيار (مايو) في المحاكم ووفي بيته ومكتبه وفي المقاهي والمنتديات، كانت سعادته لا توصف؛ فقد كان الجاكيت السابق عليه قد بلي بالفعل، لأن كل موكليه تقريباً ليس لديهم القدرة لأن يدفعوا أتعابه. حدث هذا في عام 2009. آمل أنه كان يرتديه عندما اعتقل، لأن برد الزنازين ممضّ، ووحشة السجانين لا توصف.

الكاتب: وائل السواح
تاريخ النشر  06/10/2013

المصدر: جريدة المدن الإلكترونية