حلب… بعد النظام وقبل (؟) «داعش»

كيف هي ردّود فعل الناس على اقتراب «داعش» من المدينة؟

«الناس هنا تتّسم باللامُبالاة بالذي قد يحدث، ويظنّ مقاتلو الجيش الحر بأنّهم قادرون على دحر هذا التمدّد»، هكذا أجاب الناشط الحلبي من أرض الحدث في الجزء المُحرّر من قلب المدينة.

لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن هذا هو رأي القاطنين في مناطق سيطرة النظام في المدينة، فيبدو الناس هناك خائفين مُضطربين، ولا أدلّ على ذلك من ارتفاع منسوب مغادرة المدينة، والتفكير جدّيّاً بالرحيل. الطرفان مُتّفقان ضمناً على انعدام الثقة بأنّ النظام سيدافع عن المدينة كما تشير انسحاباته وهزائمه في الجارة ادلب، وسوف يدافع فقط بإعلام منفصل تماماً عن الواقع.

إذاً، فالخوف واللامُبالاة حصّتان يتقاسمهما شطرا المدينة، ولكلّ شقّ فيهما نوازعه وأسبابه العميقة بالإضافة إلى المُتغيرات الراهنة. فالقسم الذي يقبع تحت سيطرة النظام يعكس ذات الوجه الذي بدت عليه حلب في بداية الثورة، حيث تأخّرت كثيراً عن اللحاق بركب الاحتجاجات في عموم المدن السورية، على رغم استماتة ناشطيها في الحراك السلمي والتظاهرات. ولذلك أسباب عدة قد تُختزل بعنوانين: الأوّل هو القمع الاستباقي المشدّد من قبل النظام الذي جنّد شبّيحته بكل الوسائل التي تحول دون انتفاضة حلب لما لها من وزن في المعادلة السورية، والثاني هو الرهاب الكامن في نفوس الحلبيين منذ أحداث الثمانينات.

اندغام هذين العنوانين تفتّق عن موقف سلبيّ بالعموم من الثورة في بداياتها، ما جعل الثائرين من قلب المدينة ومحيطها الريفي يدفعون باتجاه اقحامها قسراً في الصراع بالتوافق مع ثوّارها، ونتج من ذلك موقف حيادي عنوانه الانتظار لما ستؤول اليه الأمور، وذلك ما نلمسه اليوم في المناطق الخاضعة للنظام. أمّا في المناطق الثائرة من المدينة فطوى الثوّار صفحة الرهاب من بطش النظام وقرروا المواجهة بكل السبل المُتاحة، ووراء هذا الإصرار على المواجهة ما وراءه من تراكمات.

وثمّة منعطف تاريخيّ هزّ «سوريّةَ حلب» تمثّل في الثورة الشعبيّة على النظام أواخر 1979 وبداية صراع مباشر نجح النظام في أخونته، تماماً كما يفعل اليوم في أرْهبة الثورة. وقد قضى تماماً على هذه الحركة بوحشية وصفاقة غير مسبوقتين، ما ساهم في نموّ بذور التغريبة في ضمير الحلبيين: فمن جهة، هناك عداء هذا الضمير الجمعي للنظام، ومن جهة ثانية هناك الاحساس بعدم الانتماء الى الوطن السوري. وقد ساهمت مجزرة حماة المُريعة في شباط (فبراير) 1982 في تهميش مجازر النظام في حلب كونها الأكثر ترويعاً في الجرح السوري.

انكفأت المدينة على ذاتها بمرارة، وتدريجيّاً عقد النظام مصالحات تجارية ودينيّة ما لبثت أن ساهمت في فكّ عزلتها عن محيطها السوري ولكنْ بانصياع تام لإدارة النظام الاستخباراتي. وكان من أهم تلك التسويات سياسياً الافراج عن معتقلين أخطأهم القتل العبثي في سجون النظام، وبعد ذاك كان استصدار قانون تجاري جديد سُمّي حينها «قانون الاستثمار 1992» الذي ساهم أيضاً في تخفيف النزعة الاشتراكية البائسة للاقتصاد السوري المُغلق على حطامه، فخفف عن بعض الاستثمارات في القطاع الخاص القيود، وقد ساهمت في ذلك عودة بعض رؤوس الأموال الحلبية من الكويت إثر غزو صدّام حسين لها.

لكن ذلك انعكس في التقسيمات الطبقية الجديدة في حلب على مستويين: تنامي نفوذ رأس المال على حساب الطبقات الشعبية الهزيلة الموارد، والنازحة في معظمها من المناطق الريفية القريبة، حيث كان لتداخل العوامل الدينية مع مزاج تلك الطبقات تأثير كبير في سوق المنافسة التجارية والصناعية إذ استأثرت رؤوس الأموال الكبيرة بالنفوذ في تشاركها الإجباري مع مستفيدين من أزلام النظام، وأضحت القوى العاملة في هذا القطاع الخاص تحت رحمة الاستبداد الجديد لاتحاد رأس المال مع الفساد الهائل. وعلى سبيل المثال، وقف المزاج المحافظ دينيّاً للمدينة عائقاً أمام القروض البنكية لفرص الاستثمار، مما جعل المنافسة الصناعية والتجارية الحلبية الشهيرة تتراجع نسبياً أمام فئات استفادت من التعاملات البنكية دون العائق الديني. وهذا، من زاوية أخرى، وضع رجال الدين الحلبيين أمام ازدواجيّة فقهية عصيبة: فمن وجهٍ، هناك المباركة للسلطة بنهجها الاقتصادي/العلماني الذي لا يأخذ الخصوصية الدينية في الاعتبار، وهناك الوجه الآخر التحريمي للفئات الضعيفة. وربّما كانت هذه الازدواجية الحجر الأساس لضعف تأثير شيوخ السلطان على الرأي العام الشبابي مع اندلاع ما يسمّونه «الأزمة».

ووصلت حدود استشراء الفساد في المدينة كما في سورية بمجملها حدّاًَ غير مسبوق، بل إنّه غدا بنيويّاً يستولد ذاته بذاته، وبلغ الفساد مجده الأقصى باستعصاء نظريّات الحلول، ما خلا ردّة الفعل الدافعة إلى المنهج السلفي المُضمر في دواخل الناس وأمنياتهم الباطنة. ولأنّ مشايخ النهج الصوفي/غير المتشدد وقف علانية بجانب النظام في فساده، انهارت المنظومة الدينية في حلب بشكل شبه تام، وهي أحد أوجه المدينة البارزة.

ودفع احتكار الصناعة والتجارة من قبل أزلام النظام وأشياعه من رؤوس الأموال والمستفيدين مباشرة من تضخّم الفساد الى تهميش قوة العمل المتمثلة بالشباب شبه العاطل من العمل. فعادت قوة العمل هذه الى الحلم بالتوظيف في قطاعات مؤسسات الدولة الغارقة في فسادها، ما كان المسمار الأخير الذي دُقّ في نعش أحلام الشباب المُستلبين، وغدت الجاهزيّة للثورة في أوج احتمالاتها بانتظار فتيلها الأول الذي ما لبث أن اشتعل في بو عزيزي تونس.

ردّة الفعل المتأخرة إزاء الثورة السورية في حلب تعكس تماماً حجم التخدير الذي أدمنه الحلبيون من جراء الانتكاسات الهائلة المتراكمة، ابتداءً من وجهها المحافظ دينياً، وانتهاء بالخسائر الكبيرة صناعياً واقتصادياً، مروراً بالنكبة الثقافية التي قضت تماماً على ما تبقّى من الكرامة الانسانية.

وبالعودة الى البداية، حيث لا صوت يعلو على غليان السلاح، يُكابد الحلبيون مشقّة مصيرهم المجهول، وليس من مؤشرات واضحة أبداً في ظلّ هذه الفوضى العارمة التي تعمّ الشرق الأوسط بمجمله، وليس هناك الكثير من المؤشرات التي يمكن الاطمئنان اليها، بل إن الخيارات باتت محدودة كذلك: فإمّا مرارة الاصطفاف مع أحد الأطراف المتصارعة بوضوح تام، وتحمّل المسؤولية المصيرية، أو مرارة النزوح القسري.

 

براء موسى

الحياة اللندنية