حول التحرش العسكري الروسي بتركيا

بفاصل يوم واحد، تحرش الطيران الروسي بتركيا مرتين. في الأولى (3102015) خرقت طائرات روسية المجال الجوي التركي، ثم بررت موسكو ذلك بـ»سوء الأحوال الجوية» التي لم تمنعها من مواصلة غاراتها على فصائل الجيش الحر المدعومة من واشنطن وبعضها من أنقرة.
وعلى رغم قيام الخارجية التركية باستدعاء السفير الروسي في أنقرة لتسليمه احتجاجاً رسمياً من الحكومة التركية على ذلك الخرق، قامت طائرة من طراز ميغ 29 «مجهولة التابعية» كما ورد في بيان هيئة الأركان التركية، مدعومة بالدفاعات الجوية الروسية، بمضايقة دورية جوية تركية من عشر طائرات اف 16، في المنطقة الحدودية مع سوريا، لمدة أربع دقائق وثلاثين ثانية بالتمام والكمال (5102012).
وإذا كان الخرق الجوي الأول اختباراً فظاً لقواعد الاشتباك التي وضعتها تركيا في أعقاب إسقاط نظام دمشق لطائرة حربية تركية، في العام 2012، ورسالةً روسية مهددة لأنقرة بعد يوم واحد من تصريحات لرئيس الجمهورية التركية أردوغان، انتقد فيها الضربات الجوية الروسية لفصائل الجيش الحر؛ فالتحرش الجوي الثاني هو، بالأحرى، اختبار أكثر فظاظة بعد، للإدارة الأمريكية ولحلف الناتو اللذين عبرا عن تضامنهما مع أنقرة بعد الحادثة الأولى.
على رغم ارتفاع نبرة الانتقادات الأمريكية والأطلسية لروسيا، سواء على ضرباتها الجوية ضد الجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة، وفقاً لتصنيفات واشنطن، أو لتحرشاتها الخشنة بتركيا العضو في الحلف الأطلسي، فالسياسة الأمريكية في سوريا لم تتغير قيد أنملة بعد تصاعد التدخل العسكري الروسي المباشر، وقوامها أن الأولوية هي لمحاربة داعش مع تجنب أي احتكاك مباشر مع نظام دمشق الكيماوي. وزاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأمر وضوحاً حين صرح، تعقيباً على التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، قائلاً إن بلاده لا تسعى إلى أي صدام مع الروس في سوريا.
ليس هذا وحسب ما يشجع الرئيس الروسي بوتين إلى مزيد من التصعيد ضد تركيا، فهو يدرك أيضاً ضعف موقف تركيا في مستويات عدة. فالخلافات التركية مع الأمريكيين بشأن سوريا معروفة ومعلنة. صحيح أن الحكومة التركية تراجعت خطوة أمام الضغوط الأمريكية ففتحت قواعدها الجوية أمام استخدام طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة داعش، لكنها لم تحصل من حليفتها، بالمقابل، على المنطقة الآمنة التي كانت تحلم بها داخل الأراضي السورية (من جرابلس إلى إعزاز). وصحيح أن الإدارة الأمريكية قد غضت النظر عن حرب الحكومة التركية على حزب العمال الكردستاني تحت غطاء محاربة داعش، في الفترة الأولى، لكن واشنطن استدركت ذلك لاحقاً وأخذت تنتقد تلك الحرب غير المتكافئة وتدعو الحكومة التركية إلى استئناف عملية السلام الداخلي مع الكرد. أما الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، فقد كانت انتقادتها للحكومة التركية، بهذا الصدد، أكثر حدة من الانتقادات الأمريكية.
تضاف الانتقادات المذكورة إلى ضغوط أمريكية ـ أطلسية مستمرة بشأن تهاون أنقرة في ضبط حدودها أمام الجهاديين الذين ينتقلون إلى داخل الأراضي السورية للانضمام إلى داعش أو النصرة أو منظمات جهادية أخرى.
لا شك أن عوامل الخلاف بين تركيا وحلفائها الأطلسيين المذكورة أعلاه قد شجعت بوتين على جاره التركي الذي بات يحاصره جغرافياً من الشمال والجنوب كما بين فكي كماشة. لكن عوامل الضعف التركي أمام موسكو لا تقتصر على ذلك، بل تتعداها إلى العلاقات الثنائية بين البلدين بمعزل عن حلف الناتو. ويأتي على رأس قائمة هذه العوامل الاعتماد التركي الكبير على الغاز الروسي (58٪ من احتياجاتها، مع العلم أن 20٪ إضافية من هذه الاحتياجات تلبيها إيران، حليفة روسيا في الصراع السوري). يضاف إلى ذلك تلزيم تركيا لروسيا بإنشاء مفاعلات نووية تبلغ ماليتها عشرين مليار دولار. وتعتبر روسيا ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا، وقد اتفق الطرفان على زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مئة مليار دولار سنوياً، بحلول العام 2023. ويأتي السواح الروس على رأس قائمة من يرتادون تركيا التي تعتمد على قطاعها السياحي بنسبة كبيرة من حجم ناتجها القومي. وبهذا الصدد يذكّر معارضو أردوغان، بنبرة لا تخلو من شماتة، بكلامه في موسكو، قبل أسبوعين، مخاطباً الرئيس الروسي: «آن الأوان لتضمونا إلى منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي، لكي ننتهي من موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي».
وهناك ما يمكن تسميته بـ»لوبي روسي» في تركيا، داخل المؤسسة العسكرية وفي التيار العلماني، يعارض سياسة الحكومة التركية في سوريا منذ خمس سنوات، وارتفع صوته أكثر في الأسابيع الأخيرة.
واليوم يضطر أردوغان إلى طلب الحماية من حلفائه الأطلسيين بعد طول فتور بين الجانبين. فتور بلغ درجة قرارين من واشنطن وبرلين بسحب بطاريات الباتريوت من الحدود التركية، من المفترض أن يتم تنفيذهما هذا الشهر، ما لم تتراجع العاصمتان عن قرار السحب هذا في أعقاب التطورات المنذرة بالأخطار على الحدود الجنوبية لتركيا.
نذكر من عوامل الضعف التركي أمام تحرشات روسيا، أخيراً، ذهاب تركيا إلى أول انتخابات مكررة في تاريخها الجمهوري. انتخابات من غير المتوقع أن تغير التركيبة السياسية للبرلمان التي أسفرت عنها الانتخابات السابقة التي جرت في شهر حزيران / يونيو الماضي. وهو ما يعني استمرار عجز «حزب الرئيس» عن تشكيل حكومة بمفرده، ليضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي قد يكون عنواناً لعدم الاستقرار.
بين روسيا وتركيا تاريخ من الحروب يمتد على نحو خمسة قرون، يمكن اعتبار الحرب الباردة فصلها الأخير، تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة. بلدان كانا امبراطوريتين سابقاً، لكنهما اليوم دولتان تنخرهما الكثير من المشكلات. المرجح أنهما لا تريدان العودة إلى خوض الحروب.
ولكن من يدري؟ فأية شرارة غير محسوبة يمكنها أن تخرج الأمور عن السيطرة.

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

القدس العربي