حول مشاركة العلويين في الثورة

أنهى الأستاذ علي ملحم مقاله في «الحياة» (17/7/2015) بقوله: «وتبقى مشاركة العلويين في الثورة من عدمها مسألة شائكة لا يمكن تبسيطها بأرقام ودلالات إحصائية فقط».

ما من شك في أن الطائفة العلوية جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، ومحاولة إبعادها أو استبعادها من المشاركة في صنع مستقبل سورية يعود بالضرر على الوطن أولاً وأبناء الطائفة ثانياً، والسجال حول موقفها الحالي من طبيعة الحكم القائم مفيد وضروري.

قال الكاتب في وصف الثورة الآن: «إن كانت هناك بقايا لها في جوف هذا الاحتراب الذي لا ينتهي»، وهو قول ينطوي على تجاهل العوامل التي أدت إلى تحول الثورة إلى احتراب. فثورات الربيع العربي، وفي القلب منها الثورة السورية، ليست ثورات عقائدية مخططاً لها، بل ثورات سياسية، تشبه في بعض وجوهها الثورة الفرنسية بتغيراتها وتطوراتها والفترة الزمنية التي استغرقتها لتحقق أهدافها. لذا، فالاحتراب داخلها، والذي قد يطول لعوامل داخلية وخارجية خاصة باللحظة التي تمر بها المنطقة والعالم، طبيعي إذا أخذت كل العناصر والتطورات التي حصلت، في الاعتبار. المهم أن الشعب السوري ما زال مصرّاً على مطلب التغيير ومتمسكاً بالحرية والكرامة وبوحدة سورية أرضاً وشعباً.

لذا، لا يكفي أن يقول الكاتب: «لم نشهد تظاهرات في أحياء كالزهرة ووادي الذهب في حمص، كذلك لم نشهد تظاهرات في الأحياء ذات الغالبية المسيحية كالحميدية وبستان الديوان»، بل عليه تقديم الأسباب ليتّسق مع الدور التنويري والمسؤول للمثقف.

والحقيقة أن الانتداب الفرنسي الذي جاء إلى سورية لتأهيلها لحكم ذاتها، كما ادّعى، عمل على الضد من ذلك، على بذر الخلافات ونشر أفكار عن دول مذهبية. وجاء البعث بشعاراته «التحررية» واستند إلى الأقليات التي تشكلت داخل الإطار الرسمي للإسلام وضمن صراع مرير معه، ليلعب على هذا الوتر من أجل بسط سيطرته والإمساك بالسلطة، فكرس الانقسامات وعمق التذرر الديني والمذهبي الذي نواجهه الآن. وهذا كرس المظلومية لدى الأكثرية السنّية فكانت رافعة الثورة ووقودها وضحية بطش النظام وحلفائه.

والمؤسف أن المجتمع الدولي لم يتحرك لوقف المجازر والتدمير، بخاصة بعد انخراط أطراف خارجية تحمل برامج مذهبية في الصراع، ما عمّق الجرح وكرس الانقسام، فوصلنا إلى ما نحن عليه.

لقد ربط الكاتب بقوله: «فالقوى الإسلامية الرجعية، متمثلة بحركة الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة، بالمذابح التي أنزلتها بكوادر وضباط ورجالات من الطائفة العلوية، جعلت من أبناء العلويين، وحتى الأقليات الأخرى، ترى في الأسد ضرورة موضوعية للحماية والبقاء. هذا الأثر يعود الآن ليطفو على السطح في ظل الانفلاش الواسع لقوى إسلامية راديكالية وتكفيرية من نصرة وداعش وأحرار الشام وغيرها». وهذا ربط منحاز سلفاً وغير منصف وغير موضوعي ينطلق من خلفية علمانية، لا تنصف الإسلاميين وتضعهم في سلة واحدة وتتهمهم بالرجعية من دون اعتبار للظروف. وتمكن مراجعة مواقف «الإخوان المسلمين» في الخمسينات حيث كانت أقرب إلى الشيوعيين والبعثيين منها إلى حزب الشعب وباقي الأحزاب الرجعية، وإلى الميثاق الذي طرحوه أخيراً وتلمس أسسه المدنية والديموقراطية.

وإذا أردنا أن نتجاوز الاحتراب الحالي لتنهض الثورة السورية من كبوتها، كما قال الكاتب، فما علينا سوى التوافق بيننا، إسلاميين معتدلين وعلمانيين، على خطة طريق تنتهي بدولة مدنية ديموقراطية لها دستورها المقر بتوافق هذه الأطراف، وأن نلتزم برفض استبدال الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي. هذا هو الطريق الوحيد الذي سيقنع أحرار العالم وحتى دوله الرسمية بمساعدتنا. فلتكن بوصلتنا العمل لدولة مدنية تعددية تستمد شرعيتها من القوانين الأرضية، وأهلاً وسهلاً بكل إسلامي يقبل بذلك القاعدة. أما من ينادي بدولة إسلامية، سواء كان من «النصرة» أو أحرار الشام أو «داعش» أو فيلق الرحمن، يفرضها بالقوة على المجتمع، فليس له مكان بيننا وفي سورية المستقبل.

 

كامل عباس

الحياة