خان شيخون و «الفلسطينات الأربع»

تأكيد الاستخبارات الفرنسية مسؤولية النظام السوري عن قصف بلدة خان شيخون بغاز السارين، يناقض تماماً تصريحات مسؤولين روس وسوريين كبار نسبت مجزرة الكيماوي إلى المعارضة المسلحة، أو نفت حدوثها أصلاً بالقول إن صور ضحاياها «ملفّقة».

تحدُث الجريمة وتكثر تفسيراتها لينطوي ذكرها وتتخفف الضمائر من موت الشعب السوري وخراب حضارته. ولن نكرر ما خبرته الشعوب في العقود القليلة الماضية من تحوُّل الثورة إلى فوضى، والنظام إلى استبداد، والحزب إلى مافيا، والتاريخ إلى خرافة، والأيديولوجيا إلى صنمية، والأخلاق إلى شعار للصوص والقتلة. المجتمعات اليوم أمام أسئلة معقّدة للتغيير السياسي والتطوير الإنمائي والثقافي لن تجد أجوبتها في الفكر اليساري البائس ولا في الاستعارات الليبرالية الفاشلة، كما أن الإسلام السياسي أخفق بسرعة حين اعتبر الشعوب فئران تجارب، على رغم ادعائه قدسية لا يستحقها.

لا جواب حاسماً، ولا خريطة طريق للانتقال من العبودية إلى الحرية أو من الديكتاتورية إلى الديموقراطية. ثمة حكمة عملية تملكها الشعوب حين تهتدي بخبرتها التاريخية ولا تغريها كلمات المعارضين المحترفين. نقول ذلك مع قناعة بحق الشعوب في الدفاع عن حريتها وكرامتها وإن أخطأت في تقدير التوازنات.

ولا تستطيع الثورة الاستمرار من دون تدخُّلات أجنبية ما تلبث أن تنزع عنها صفة الثورة. هذا واقع سياسي وعسكري أكثر مما هو كلام أدبي. وإذ يعلن المجتمع الدولي رفضه التدخُّلات في شؤون الشعب السوري ويدعو الأطراف إلى حوار داخلي في جنيف، يرى بأم العين فشل دعوته، لأن «استقلال» الثورة و «استقلال» النظام خرافتان أكثر مما هما حقيقتان. إن التدخُّلات الأجنبية التي أشعلت الثورة أو زادتها اشتعالاً هي نفسها المؤهلة لإطفاء الحرائق والوصول إلى حل، حين يضغط المتدخّلون على المتحاربين المحليين ويجبرونهم على حل سياسي وفق نظام ترضى عنه الأطراف جميعاً، الداخلية والخارجية سواء بسواء. هذا النظام يحفظ الحد الأدنى من مصالح المتدخّلين ولا يحفظ مصالح السوريين كما يراها المواطن العادي.

سورية اليوم أسيرة تبعيات متعددة ومركّبة: الولايات المتحدة تريد حلاً يهزم «داعش» و «القاعدة» ويؤدي إلى نظام مستقر فاقد الأنياب، وتستعد للمشاركة في الحل بالسياسة وبالقصف الصاروخي ومعارك موضعية إن لزم الأمر، وروسيا تتمسك بالرئيس بشار الأسد ورقة لتأمين نظام بديل يرضي المتدخّلين الآخرين ويحفظ مصالحها في سورية التي صارت استراتيجية. وإيران تريد طريقاً برياً يوصلها بلبنان حيث «حزب الله» المرتبط بها وهذا يعني احتفاظها بحق المرور في العراق وسورية ولبنان، الأمر الذي ترفضه واشنطن ولا تستطيع موسكو وأنقرة الدفاع عنه. وهنا تبدو إيران عقدة أمام الحل إلاّ إذا أجبرها المتدخّلون على القبول بنفوذ في العراق لا تستحقه في الأصل. هنا المطلوب لقاء أميركي- روسي- تركي على الحل السوري، لكن عقدة اللقاء هي تركيا الحائرة بين مطلبها بمنطقة آمنة في الشمال ومطلبها الآخر بوحدة الدولة السورية التي تُبعد منها مرارة كأس أكراد سورية المضافة إلى مرارة كأسي أكراد العراق وتركيا.

لا يمكن تكريس مناطق آمنة في سورية من دون تفكيك وحدتها، فلا بد للمنطقة الآمنة من إدارة محلية ستتبع سياسياً قوة إقليمية أو دولية وربما أكثر من قوة واحدة. نذكر هنا التبادل السكاني المعيب والمأسوي في ما سُمّي اتفاق «البلدات الأربع» أو «الفلسطينات الأربع» (مضايا والزبداني وكفريا والفوعة)، فلم يستطع داعمو النظام والمعارضة المحافظة على أبناء هذه البلدات في بيوتهم سالمين، حتى بحراسة أميركية- روسية على الأقل. لقد طفحت الكراهية في سورية فوق النظام والثورة، إذ أصبحت خطراً محققاً على وحدة المجتمع والدولة.

لكل جريمة في سورية مجرمون محتملون، ووحدها الجريمة هي الحقيقة بضحاياها والخراب. سورية التي لن يعرفها أهلها بعدما عاشوا في السنوات القليلة الماضية مزيجاً من حلم جميل وكابوس مرعب، لن يستطيع أي منهم التراجع عن حرب عبثية باسم الثورة أو حفظ الدولة. إنها أكثر الحروب صفاءً وافتقاداً للمعنى. حرب بلا ذاكرة ولا مستقبل، حرب من أجل القتل والتخريب أنجبت أبطالها الصم والبكم، بعدما سكت المحرّضون عن الكلام المباح.

محمد علي فرحات

المصدر: الحياة