خط إنساني ساخن بين النظام والمعارضة

27

لم يعد التوجه الدولي لإنهاء الصراع فوق الأرض السورية قيد التداول حالياً، بعدما استعيض عنه بتحرير الموصل أولاً، كأن لا علاقة له بما يحصل في سورية. ولا يبشر كلام وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري في جلسة مجلس الأمن الخاصة بالأزمة السورية، بأي بارقة أمل. ناهيك عن سخونة معارك الشمال السوري، وضياع البوصلة فيها لدى كل الأطراف المتقاتلة، والرسائل المتضاربة التي تبثها معارك متواصلة في الجبهات الداخلية.

ثم ماذا يعني وقف الاقتتال الذي كان مطروحاً بلا ملامح ظاهرة لتفاصيله الميدانية الإجرائية وخرائطه الجغرافية والديموغرافية؟ الملمح الوحيد أن سورية المقبلة لا تشبه أي سورية سابقة منذ عشرينات القرن الماضي حتى عام 2011، بل ستكون «إبداعاً» خارجاً عن المألوف، يختلف جغرافياً، وديموغرافياً، وسياسياً، وثقافياً، ولا يحتفظ من ماضيه سوى باسمه فقط.

فبعد سنوات التدجين العرقي والمذهبي والقبلي والقومي المواكب للقتل والقتل المضاد، يصعب تصوّر خريطة لسورية بوقف الاقتتال المُعَرض كل لحظة للخرق، ولو وقَع عليه مضرموه وموجهوه وممولوه وفاعلوه في الداخل والخارج، فالشرخ كبير والجروح لا تندمل بمعالجات سطحية فردية أو قبلية أو وطنية، ولا حتى بمصالحات شكلية عربية أو إقليمية أو دولية.

ربما يتجه التفكير إلى الحواضن الشعبية لإقناعها بنعمة «النسيان» وتحصينها من التطرف الذي يعشّش في كل مكان. لملمة الجراح الشعبية الفردية والقبلية والعشائرية أمر قائم حالياً بصيغ شبه تفاوضية داخلية لدى كل «حكومة» في مناطق سيطرتها. المشاكل متشابهة وبعضها متشابك بين طرفي الصراع (المفقودون، المختطفون، الفارون، الشهداء، الصراعات لأسباب كثيرة كالسرقات، والابتزاز، والتهديدات، والاعتداءات، إلخ).

في حكومة النظام وزارة تختص بالمصالحات، والحكومة الموقتة المعارضة تمارس المهمات ذاتها في مناطقها. كل تعمل داخل «حدودها». أما القضايا المتشابكة بين الطرفين (غير السياسية والعسكرية) فهذه تدمي القلوب، ولا حل لها بمعزل عن الحل السياسي الممتنع، حتى لو عالجها «وزير» مصالحة أممي كالمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الذي برهن عن «مهارة» لا نظير لها في فن التفاوض أسوة برأس مرجعيته الأممية بان كي مون الذي لا يفارقه القلق، بل هو سلاحه الوحيد في حل المشاكل الدولية!

الشارع السوري لا يألو جهداً بالبحث عن حلول عملية لمشاكله العويصة، فيقترح بديلاً لوزارات المصالحة (الموالية والمعارضة والأممية). فقط خط هاتفي ساخن محايد بين رئيسي وزارتي النظام والمعارضة لحل المشاكل المتشابكة بينهما (غير السياسية طبعاً)، يُحصِّنه الطرفان ضد الخيانة الوطنية بإبعاده من السياسة، واقتصاره على حلِّ المشاكل الإنسانية والمصالحات الفردية. ولا أحد مطلقاً يتخيله خطاً سياسياً أو عسكرياً ساخناً، فهذا يكون عادة بين رأسين لا ثالث لهما (فلاديمير بوتين وباراك أوباما مثلاً)، لا بين غابة من الرؤوس السياسية أو العسكرية. وفي أحوال بلادنا وصراعاتها «الوطنية» لا أحد يضمن عدم تحوله إلى خط لا وطني خائن، بسبب عمق المتاهات في صحراء الأزمة السورية التي غدت مفازة جرداء حتى من خفوق سراب.

هذا الاقتراح حيادي بامتياز، وليس من وحي أي قوة وطنية أو استعمارية، لأن منصب «رئيس الحكومة» لدى الطرفين ليس سياسياً، بل منصب خدمي، ومعضلات الطرفين غير السياسية من صلب اختصاصه، ويمكنه الاعتماد على من يقدمون أنفسهم قرباناً لحل المعضلات، وهم عرّابو التفاوض والتصالح والتوسّط الذين يملكون «موهبة» الوصول إلى أيّ مختطف أو مفقود لدى النظام أو المعارضات المسلحة أو مافيات الابتزاز المنتشرة على امتداد مساحة التراب السوري. وخدمات هؤلاء يحتاجها الجميع من منكوبي الجهتين، وكثيراً ما تحتاج إلى خدماتهم كل من الموالاة والمعارضة وأحياناً دول عربية أو مجاورة، وحتى البعيدة في ما وراء البحار، ممن تلوثت بالدم السوري، لذلك ينظّم الوسطاء أعمالهم (الإنسانية طبعاً) في «شركات» وليس مافيات، ويتعبون في إعداد أنفسهم ليكونوا رجال المال والأعمال في مستقبل ما يتبقى من سورية.

يلجأ المنكوبون إلى الهلال الأحمر السوري والصليب الأحمر الدولي لإدراج أسماء مفقوديهم في قوائم التبادل أو إطلاق السراح التي لم تكلل بالنجاح إلا في ما ندر. وغالباً يظهر تأثيرها في حال تدخل طرف دولي خارجي من أطراف الصراع، وسرعان ما يعود زمام «المبادرة» إلى مافيات التوسط والتصالح، وهم بالتأكيد ليسوا وسطاء التفاوض الدولي ذي المصالح الأممية الاقتصادية والسياسية العابرة للقارات، والتي «تفخر» سورية باختيارها ساحة لصراعاتهم، وحقلاً لتجارب صناعاتهم التدميرية، فالسوريون كرماء بالمال والروح والدم والتشرد والضياع في سبيل تأمين مصالح الآخرين السياسية والاقتصادية.

المسألة الأكثر أهمية في مستقبل سورية هي الأرضية الثقافية التي يصعب على «الخط الساخن» أن ينقلها من طرف إلى آخر، وإذا غامر وحاول نقلها فتلك هي الطامة الكبرى التي قد تفجره، باعتباره إما كافراً أو إرهابياً أو خائناً، ولا تقبل منه ادعاءات «الحياد الإيجابي»، بينما التطرف ليس في حاجة إلى الانتقال من طرف إلى آخر، فهو موجود يسرح ويمرح في الحواضن الثقافية أمام نظر الجميع محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، بانتظار حملات التغيير الديموغرافي، وليس التغيير الثقافي.

عادل يازجي

المصدر: الحياة