خلال النصف الأول من العام 2022: نحو 80 امرأة سورية قتلت بأعمال عنف.. وأكثر من 30 اعتقلت واختطفت بمختلف مناطق السيطرة

المرصد السوري يجدد دعوته لمحاسبة من أجرم بحق السوريات وتقديمهم إلى العدالة

في بلد تتقاذفه الصراعات.. نساء فقدن بهجة الحياة يبحثن عن الخلاص والسلام وسط الدم القاتم

من المؤسف أن تكون سرّ بهجة الحياة ولونها البهي بهذا الوجه الشاحب والعيون الذابلة والمستقبل الغامض، محزن حقا أن تكون بهجة الحياة أكبر متضرّر من حرب مجنونة لم تترك مكانا إلا ودمرته وجعلته بائسا حزينا تارة بلون دم شهيد وتارة أخرى بلون سحاب وغيوم شتاء حالك حزين، معاناة مستمرة تتكبّدها النساء السوريات اللائي عشن التجربة الأكثر قسوة في القرن الحالي وسط تحدّيات مجهولة وغدا لا تعرف هل ستحياه أم ستكون ضحية إلى جانب ما يزيد عن 15 ألف مواطنة فوق سن الـ18 قتلت على أيدي أطراف النزاع المختلفة، أو معتقلة بلا مصيرعلى غرار 155002 امرأة اعتقلت من قبل أجهزة النظام الأمنية منذ 2011.
لم يكن عام 2022 أفضل حالا أو أقل وطأة من سابقيه حيث تسجّل الوقائع والأحداث تباعا تصاعد معاناة النساء السوريات وتعقّد أوضاعهن في جميع مناحي الحياة بدءً من الرعب اليومي والتشرد مرورا بضيق ذات اليد وشظف العيش، والظروف الصحّية السيّئة في جو قاسٍ لا تتوفّر فيه أبسط مقومات العيش، وصولا إلى ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهن في رعاية الأطفال، علاوة على العنف المسلّط عليهن من مختلف الأطراف.. معاناة ترجمتها الأرقام التي وثّقها المرصد السوري لحقوق الإنسان وتكشف عن حجم المآسي المستمرة.
وأفادت توثيقات المرصد السوري خلال النصف الأول من العام الحالي باستشهاد 78 امرأة على أيدي أطراف النزاع المختلفة، ومن بينهن 5 نساء برصاص عشوائي واقتتالات مسلحة وغير ذلك، و4 نساء في ظروف أخرى، وسيدتان على أيدي المتطرفين، و23 امرأة في ظروف مجهولة، وخمس سيدات برصاص وقصف قوات النظام، فيما اغتيلت 15 امرأة، وتوفيت اثنتان نتيجة تردي الأوضاع، إلى جانب امرأة في قصف روسي عشوائي، و11 امرأة نتيجة مخلفات الحرب، وسبع أخريات على أيدي إرهابيي داعش، وامرأة بقصف تركي وأخرى برصاص مجهولين وواحدة على أيدي قوات سوريا الديمقراطية.
وبحسب توثيقات المرصد السوري تم تسجيل 7 حالات “انتحار” للنساء والأطفال ضمن مناطق نفوذ القوات التركية والفصائل الموالية لها، حالتان ضمن منطقة “غصن الزيتون” و5 حالات ضمن منطقة ” درع الفرات”، كما تسجيل 5 حالات انتحار لإناث ضمن مناطق نفوذ الإدارة الذاتية، فيما تم تسجيل 3 حالات انتحار لإناث في مناطق نفوذ هيئة تحرير الشام والفصائل الموالية لها بمحافظة إدلب من ضمنهم طفلة، وذلك منذ مطلع عام 2022. أغلبهن لم يعرف سبب إقدامهن على هذه الخطوة.
كذلك وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، 26 حالة اعتقال تعسفي لنساء سوريات بمختلف مناطق السيطرة خلال النصف الأول من العام 2022، 16 منهن اعتقلوا بمناطق نفوذ القوات التركية والفصائل الموالية لها، و8 بمناطق نفوذ النظام، وواحدة في مناطق نفوذ الإدارة الذاتية وواحدة بمناطق نفوذ هيئة تحرير الشام.
كما رصد المرصد السوري 5 حالات اختطاف لنساء خلال الفترة ذاتها، جميعها ضمن مناطق نفوذ القوات التركية والفصائل الموالية لها.
مآسي تتكرر يوميا في مناطق سورية المختلفة لتحمل السوريات أوزارا نسفت كل بسمة بحياتهن، وإرثا ثقيلا مأساويا.
عانت النساء في سورية من لوعة اليتم ومرارة الجوع في بلد بات على حافة المجاعة بسبب شحّ وصول المساعدات الإنسانية وإغلاق المعابر الإنسانية استنادا إلى فيتو روسي داعم لنظام الأسد، ليظل معبر باب الهوى الشريان الوحيد لإدخال الحياة إلى بعض المناطق حيث تعاني فيها النساء من شتّى أنواع الاستغلال الاقتصادي عبر تشغيلهن بأجور زهيدة لا تتجاوز الدولار الواحد في اليوم وهو ما لا يتماشى والقوانين الدولية والإنسانية، فضلا عن الزجّ بهن في أشغال شاقة لا تتناسب ومؤهلاتهن البدنية، لكنهن مكرهات على المر لتوفير القوت لأبنائهن في المخيمات، هذا إلى جانب الاستغلال الجنسي سواء من قبل أرباب العمل أو من بعض الأطراف الأخرى بهدف حصولهن على بعض المساعدات الإنسانية لسدّ رمقهن وإسكات بطون أطفال جائعة، أطفال اضطرت أمهاتهن إلى خلط الحليب بالماء من أجل البقاء،..
ولطالما حذّر المرصد السوري من مقايضة السوريات على حقهن في الحياة وشرفهن من قبل بعض الأطراف خاصة في مناطق بالجنوب .. مقايضة المساعدات بالجنس ، إنها صورة استغلال بشعة ومأساوية تداولتها أغلب المنظمات الإنسانية والحقوقية المدافعة عن النساء وحقوقهن داخل البلاد وخارجها، وما زاد الأوضاع سوءً استمرار الشبيحة في المتاجرة بأوجاع النساء عبر حرمانهن من المساعدات التي تُسرق وتباع أمام مرأى عالم لا يأبه لوضع نساء وأطفال نكّل بهم الجوع والقهر والمرض.
واقع يتحدث عن نفسه بلا مواربة، ولا يمكن قبول الدفع من قبل بعض الدول الكبرى إلى تجويع السوريات عبر فرض حزمة من العقوبات التي لم يتضرّر منها النظام ولا حتى المعارضة بل جوّعت الفئات الهشّة وجعلتها محلّ استغلال بكل أنواعه.. ضرر بالغ في واقع اقتصادي هشّ جراء الصراع المتواصل، وعدم فهم السورية لسوق الشغل لاعتبار أن ثقافة العمل في بعض الأوساط السورية جديدة ولم تكن مألوفة لكنها دُفعت مجبورة بسبب الحاجة والأوضاع المعيشية الصعبة التي زادها ثقلا أن المرأة السورية في كثير من الأحيان هي المعيل والأب والزوجة ضمن ملايين العائلات التي فقدت الأب والمعيل الوحيد نتيجة الموت أو الالتحاق بساحات القتال أو الاعتقال والاختفاء القسري.. إنّها لمأساة ووجع لن يغفره الزمن للمتسببين فيه ولن يغفره جيل كامل أُجبر على الأمية وحُرم من حقه في التعليم واللعب والعيش بأمان وسلام أسوة ببقية أطفال العالم، والسبب “كرسي حكم أعرج ثمنه كان ثقيلا وقاسيا على سورية.
ولا ننسى ضحايا الزواج القسري لبعض الفتيات اللواتي أجبرن بسبب الصراع على ترك مقاعد الدراسة وهن القاصرات، زواج برجل لا يتناسب وسنها ومؤهلاتها الفكرية.. فقط من أجل إسكات مجتمع ذكوري يرى في تزويجها ” سترة لها”، ناهيك عن استغلالهن من قبل بعض الجماعات، وهي أساليب لا يزال المتلقي يسمعها في هذا العالم نتيجة تواصل سريان قانون الغاب وغياب فرض القانون..
وفي خضم هذا الواقع المرير يجدد المرصد نداءه ومناشدته الهيئات الأممية لتكثيف حملات المناصرة عبر بياناته وتقاريره ومواقفه العملية لإبراز معاناة السوريات إلى العالم ودعمهن، انطلاقا من واجبنا كمنظمة حقوقية سورية آلت على نفسها منذ2007 أن تفضح كل الممارسات التي تطال النساء وحقوق الإنسان بصفة عامة وأن تضع أمام الضمائر الحية قصص معاناة واقعية لأناس وضعوا حياتهم ونذروا أنفسهم من أجل الحرية والسلام الإنساني الذي تبحث عنها النساء وكل أبناء سورية.
ويدعو المرصد السوري إلى توفير مقومات العيش بأمان وسلام، ويطالب المجتمع الدولي بإنقاذ السوريات والتخفيف من وطأة الحرب عبر إعادة الإعمار وتشييد المدارس التي دمّرت وبعث مواطن شغل ومشاريع تحفظ النساء وأطفالهن بشكل أوسع.