خندق تركيا في الأراضي المحررة بداية تقسيم سوريا؟

مؤشرات غير مطمئنة ظهرت مؤخرا على الساحة السورية. إذ شرعت السلطات التركية بحفر خندق كبير يفصل المناطق المحررة (منطقة إدلب وتبلغ مساحتها حوالي 10 آلاف متر مربع ويقطن فيها حوالي 4 ملايين نسمة) عن المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام على تخوم الحدود السورية التركية ما أثار مخاوف سكان القرى التي تقع على خط الخندق المرسوم.
حماية الحدود من عمليات التهريب
السلطات التركية صرحت أن حفر الخندق هدفه حماية الحدود من عمليات التهريب والمفخخات التي انتشرت في المنطقة، ومصدرها مناطق سيطرة النظام، وهذا ليس بجديد فمثل هذه العمليات مستمرة ومثل هذا الخندق لن يوقفها.
أهالي قرية تادف على مقربة من مدينة الباب قاموا بمحاولات عدة لمنع الحفر اعتراضا على الخندق، ووقفوا وقفة احتجاج واعتصام.
وقد بدأ العمل في الخندق من قرية السكريات مرورا بقرية تادف على بعد ثمانية كيلومترات. مسار الخندق يقضم الكثير من الأراضي الزراعية ويبعد عن خطوط الاشتباك مع النظام (نحو 1.5 كيلو متر عمقا و 10 كيلومرات طولا)، وتقدر الأراضي التي سيفقدها الأهالي حوالي 3000 هكتار من الأراضي الزراعية المأهولة.
وهذا ما يؤثر مباشرة على الفلاحين في المنطقة ويحرم المزارعين من استثمار أراضيهم الزراعية، وجني المحاصيل، بل وخسارة أراضيهم (جزء كبير من قرية تادف وأريافها، والمزارع القريبة منها). بل في بعض المناطق سيقسم القرى إلى قسمين (جنوب خط م 4 بحوالي 3 كيلومترات) وهذا سيؤثر تأثيرا مباشرا على الأهالي التي ستجد نفسها مضطرة للنزوح مرة أخرى إلى داخل المناطق المحررة إذا تم التخلي عن هذه الأراضي للنظام السوري.
تغيير مسار الخندق
ومنذ فترة والأهالي يطالبون الجانب التركي بتغيير مسار الخندق منعاً لتقسيم القرى إلى قسمين، دون تجاوب من الجانب التركي، ما استدعى بالأهالي للقيام باعتصام بالقرب من قرية البطوشية وقالوا:” لا نريد أن نفقد أراضينا التي حررناها بالدماء”، والتي يتواجد فيها أكثر من 2000 عائلة مهددة بالنزوح ( حوالي 15 ألف شخص).
ولم تتضح إلى الآن الأهداف الحقيقية لحفر هذا الخندق، إذ أن ادعاءات السلطات التركية أن الخندق هو لحماية الأراضي المحررة لم تقنع أحدا، بل يقول البعض إن هناك اتفاقات سرية لترسيم الحدود رسمت مع النظراء الروس والإيرانيين ضمن اتفاقيتي أستانا وسوتشي.
والدور التركي في شمال غرب سوريا ( منطقة إدلب ) يتنامى بشكل مطرد فسكان المنطقة يتعاملون بالعملة التركية، ويطالب بعض السكان بالحصول على هوية تركية، وهناك بداية لتعليم الطلبة اللغة التركية، وإشارات المرور تكتب بالتركية، كما أن هناك عدة مرافق عامة تدار من قبل الأتراك (مستشفيات وإدارات محلية)، وتشرف السلطات التركية على المجالس المحلية التابعة للحكومة السورية المؤقتة وتمولها.
وتقوم حاليا ببناء مدن جديدة ( مشروع مدينة الأمل)، خاصة وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد صرح أن تركيا تقوم ببناء آلاف الوحدات السكنية في عملية تحضيرية لعودة مليون لاجئ سوري في تركيا إلى المناطق المحررة، وهناك ربط بين اقتصاد المنطقة والاقتصاد التركي عبر شبكات استيراد وتصدير.
وكانت القوات التركية قد دخلت الأراضي السورية في العام 2016 بعد عملية “درع الفرات” وسيطرت على مناطق واسعة ومدن كبيرة كجرابلس وأعزاز والباب وريف حلب الشمالي وسواها، وتقدر بعض مراكز البحوث أن تركيا تسيطر حاليا على ربع سكان سوريا (4 ملايين لاجئ في تركيا، و4 ملايين نسمة في المناطق المحررة).
شرق ضفة الفرات: استقلال ذاتي
تزامن حفر الخندق التركي مع قرار الإدارة الأمريكية رفع عقوبات قانون قيصر عن المناطق الكردية الواقعة شرق نهر الفرات.
وتعتبر قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أن المناطق التي تسيطر عليها الواقعة شرق الفرات إلى الحدود العراقية هي مناطق محررة من النظام السوري أيضا ( مساحتها تبلغ تقريبا 25 ألف كم مربع ويعيش فيها حوالي 2,5 مليون نسمة ) وأقامت عليها حكما ذاتيا بتحالف مع حزب العمال الكردستاني (بي. ك. ك) الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية.
وتدعم واشنطن “قسد” ضمن ما يسمى التحالف الدولي لمواجهة “داعش”. منذ أيام وفي قرار مفاجئ قامت الإدارة الأمريكية بإصدار قرار يستثني مناطق “قسد” من عقوبات قيصر “لتهيئ لها فرصة للانفتاح الاقتصادي، وتحسين البنية التحتية”.
وتوجه القائد العام لقوات “قسد”، مظلوم عبدي، بالدعوة إلى الشركات المحلية والعربية والدولية، للاستثمار في مناطق “قسد”، وعد الخطوة بمثابة دعم لترسيخ عمليات وجهود استقرار مستدامة (حكم ذاتي دائم بطعم الانفصال). رئيس هيئة الاقتصاد بالإدارة الذاتية سليمان بارودو أكد أن قسد بصدد سن قانون استثماري لمواكبة الإعفاءات الأمريكية على مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شمال شرقي سوريا. كما شمل الإعفاء الأمريكي مركز محافظة الرقة وبلدتي الطبقة وعين عيسى، باستثناء نواحي معدان والمنصورة لتبعيتها لقوات النظام، ومركز محافظة دير الزور وجميع المناطق الخاضعة لنفوذ سيطرة النظام، لتبقي على ريفها الشرقي والشمالي الخاضع لنفوذ حلفائها “قسد”” أما محافظة الحسكة، وشملت الجزء الخارج عن سيطرة النظام، مدينة القامشلي بالكامل وريفها الغربي بلدتي عامودا والدرباسية، إضافة إلى ريفها الشرقي، ويضم بلدات المالكية (ديريك) الحدودية ورميلان النفطية وقبور البيض.
القرار الأمريكي بدعم “قسد” في هذا التوقيت له دلالته، فلماذا لم تعفها منذ صدور “قانون قيصر”، وماذا دفعها لتصدر قرار العفو في هذا التوقيت؟ يتضح أن وحدة التراب السورية التي ينادي بها الجميع لفظيا لا تنطبق على الواقع، فروسيا من جانبها التي تحتل مناطق واسعة من طرطوس لسلامة قاعدتها البحرية، وحميميم لسلامة قاعدتها الأرضية هي أيضا تقوم بعملية احتلال غير مستعدة للتخلي عنها.
أما إيران وحليفها حزب الله فتحتل مناطق متعددة وخاصة على الحدود السورية اللبنانية ومنطقة القلمون دون الإعلان عنها كمناطق مستقلة أو محررة.
أما النظام فيسيطر سيطرة كاملة على مدن رئيسية في دمشق وحمص وحماة وقسم من حلب، وشبه كاملة في السويداء، ودرعا ومنطقة حوران.
كاتب سوري

 

رياض معسعس

المصدر: القدس العربي

الآراء المنشورة في هذه المادة تعبر عن راي صاحبها ، و لاتعبر بالضرورة عن رأي المرصد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد