«داعش» إذ يستوعب كارهي المثليين

صحيح أن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) تبنى الهجوم ضد ملهى للمثليين في فلوريدا الأميركية، لكن دافع المنفذ عمر متين، وفق المعلومات التي كشفها والده وصديقه وطليقته، اكتسب بعداً فردياً. فعمر سريع الانفعال، كان يضرب زوجته لأسباب تافهة، غضب من مشهد اثنين يقبلان بعضهما أمام عائلته، واندفع لتنفيذ غزوته. علاقته بداعش انحصرت بالميول، وبعض البيانات على الإنترنت، وباتصال أعلن خلاله مبايعته للتنظيم قبل دقائق من الهجوم. لم يجرِ إعداد الرجل أو التخطيط للعملية. تم الأمر بمحض إرادة شخصية.

ربما تقاطع عداء منفذ الهجوم للمثليين وكراهيته لهم، مع ارتكابات «داعش» الإجرامية بحق هؤلاء في الرقة والموصل، فبات جزءاً من النموذج من دون الانتساب إليه، وفي ذلك وجه خطِر من وجوه التنظيم. فهو ليس بحاجة إلى أن يجند مقاتلين وانتحاريين، ويدربهم ويعبئهم. يكفي أن يستعرض أحكامه ليحاكي حساسيات فردية منتشرة في العالم، ويدفعها إلى تنفيذ عمليات كراهية ضد الأقليات.

بهذا المعنى، التنظيم يقترح علاجات مدمّرة للمصابين بشروخ في علاقتهم مع قيم المجتمعات التي يقيمون فيها، وينقلهم من ألم الفصام إلى حالة من الانسجام تتوج بعملية وحشية تلغي موضوع الفصام نفسه، وتحوله إلى فرصة لاستبدال الذات المضطربة بسبب احتكاكها بقيم المجتمع الأميركي، بأخرى طهرانية غيبية.

والأهم، أن هذا العلاج لا يتطلب جهداً: عمر لم يحتج إلى خطاب تعبوي ليفرّغ رصاصاته في أجساد أناس اختاروا لأنفسهم هوية جنسية مغايرة له، كل ما احتاجه غضب وانفعال واتصال للمبايعة.

ذلك يعني أن «داعش» كما لعب على حساسيات طائفية في المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسورية، لعب على حساسيات فردية – ثقافية في العالم، لكن ليس ضمن سياق تخطيطي مدبّر، إنما انطلاقاً من كونه نموذجاً استيعابياً يمتص كل عملية تحتذي بنموذجه، ويضمها إلى سجله. التنظيم يمس ما وصفه الرئيس الأميركي باراك أوباما حين تحدث عن حادثة فلوريدا، بـ «التطرف المحلي»، أي الذي ينتج عن سوء تفاهم بين الجماعات، وهنا يتمظهر سوء الفهم بين مسلمي أميركا ومثلييها.

الأرجح، أن «الدولة الإسلامية» تبنت الاعتداء الوحشي بعد تنبهها إلى حساسية مرضية جديدة يمكن الاستثمار فيها، تتمثل في نبذ المثليين وقتلهم. سبق للتنظيم أن نكّل بهؤلاء ضمن حدود كيانه المزعوم، لكن الآن تجاوز الأمر قواعد الأحكام المتبعة في «دولة الخلافة» ليكتسب بعداً استيعابياً عالمياً يجذب كل من هو قريب من فكر التنظيم ويكره المثليين.

هذا التوسع في عالم «داعش» الذهني أخطر من توسعه الميداني الآيل إلى التقلص النسبي بفعل الحرب الدولية التي تشن ضده، تلك الحرب التي لا يلحظ رعاتها قدرة التنظيم على التقاط التناقضات الطائفية في المنطقة، والقيمية في العالم، ويكتفون بما هو عسكري.

عمر كره المثليين، فنفذ عملية وحشية، سارع «داعش» إلى إدخالها في سجله، وربما كان ذلك مقدمة لأشخاص آخرين يجدون أنفسهم أمام علاج سريع لفصامهم وتناقضهم مع جماعات مختلفة. وهذا ما يؤشر إلى قدرة التنظيم على التمدد من تناقضات طائفية وأهلية تتعلق بفوضى المنطقة وصراع جماعاتها إلى تناقضات أكثر شمولاً تتصل بما هو ثقافي.

علاء رميا

الحياة