«داعش» باق.. باق

لا يزال تنظيم داعش يعوّل على تعزيز صورته الإجرامية وبث الرعب في النفوس، كوسيلة ناجعة، لاكتساح الأراضي وإخضاع العباد. استراتيجية التفزيع الاستباقية آتت أكلها ثمرًا شهيًا. من حزّ الرؤوس، جماعية وفردية، إلى سبي النساء وإعدام الأطفال وتصوير المجازر، عمدًا، في أكثر الأماكن الأثرية مهابة، أو بمحاذاة الشاطئ على إيقاع أصوات أمواج البحر المتدفقة. لم يترك هؤلاء فظاعات إلا وارتكبوها وصوروها وبثوها، لأجل الترهيب. التفنن أبوابه لا تغلق وابتكاراته لا تنتهي. رمضان كان مناسبة، والعيد فرحة الأطفال فرصة تنتهز، لتوظيف البراءة في جريمة نكراء تهز الوجدان.
لأول مرة، عمد التنظيم، منذ أيام، إلى بث شريط لأحد الأطفال أو من سماهم «أشبال الخلافة» وهو يذبح ضابطًا من قوات النظام، ويفصل جسده عن رأسه. استغلال صورة الطفولة، من قبل «داعش»، جاء متدرجًا، منذ سبعة أشهر ليبلغ ذروته في عيد الفطر. ثمة دماغ شيطاني يخطط لهذه البشاعات المبرمجة، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي نشر شريط يوثق لإعدام طفلين من «أشبال الخلافة» بتهمة التخابر مع الجانب الروسي، وفي مارس (آذار) رأينا الأشبال في أحد الأشرطة يمتشقون الأسلحة وهم يلعبون دور مساعدين للقتلة، ويسوقون المحكومين بالإعدام إلى مكان الذبح، لنصل منذ أيام إلى صورة الشبل القاتل، ولا نعرف ما الذي يخططه التنظيم لصغارنا في الشهور المقبلة.
وبإعلان التنظيم مقتل العقيد السعودي بوزارة الداخلية راشد إبراهيم الصفيان، على يد ابن أخته، يكون قد هزّ محرمًا آخر، بالتمهيد لترويج صورة قتل الداعشيين حتى لأقاربهم وعائلتهم، حين لا يكونوا على صورتهم. مشهد لا يختلف كثيرًا عما شهدناه مع ناصر القصبي في مسلسله الرمضاني البديع «سلفي» حين يصل الحد بالداعشي إلى قتل أبيه. فالخال الذي أردي هذه المرة في السعودية أجهز عليه عقابًا له على اختلافه لا على جرم ارتكبه.
إلى أين يمكن أن يذهب «داعش» في التصعيد الإعلامي الإجرامي، وتجاوز كل الخطوط الحمراء؟ الإمكانات وفيرة، المخيلة خصبة والجمهور يترقب، والأشرطة تبث بالعربية والفرنسية والإنجليزية وحتى الألمانية. «الفيسبوك» يخترق يوميًا للتطويع والتجنيد ونقل الرسائل، ولـ«داعش» على «تويتر» عشرات آلاف المتابعين، ومجلة التنظيم «دابق» تتكفل بما لا تقدره الوسائل الأخرى.
تقول التقديرات إن لتنظيم الدولة 50 ألف مقاتل حاليًا وعددهم إلى ارتفاع، ثلاثون ألفًا منهم في سوريا والباقي في العراق. الانسحاب الأميركي العسكري من هذا الأخير في الوقت والظرف اللذين تم بهما، وترك في عهدة جيش بلا عصب ولا كيان، فتح الباب واسعًا أمام ملء الفراغ بالدموية التي رأينا.
تستولي «داعش» اليوم وبعد أن تمددت طولاً وعرضًا على 360 بئرا للبترول في كل من العراق وسوريا، وتنتج 46 ألف برميل في اليوم. الذهب الأسود ليس المصدر الوحيد لثروة التنظيم، فقد بات سيدًا على 60 في المائة من قطن سوريا وما يقارب نصف منتجات الحبوب في العراق.
من يقدر ثروة «داعش» اليوم بملياري دولار لا يأخذ بعين الاعتبار الموارد غير المنظورة التي تصب في خزائنه، فغنائم الفتوحات للمدن والقرى، والسطو على بنوكها ومؤسساتها، أراح المقاتلين وقادتهم.
صار بمقدور «داعش» أن يدفع رواتب لا للمقاتلين وحدهم، بل أن يخصص مبالغ لزوجاتهم وأولادهم أيضًا. فمصادر المال تتعدد، من الضرائب المفروضة على مرور الشاحنات التجارية، إلى «الخوّات» التي تجبى من مهيضي الجناح، هذا غير أسعار السبايا ومدفوعات تحرير الأسرى.
ثمة دولة تتشكل، بالمعنى المالي والتنظيمي، ولو بشروطها وشذوذها. وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين لا يرى أن «المشكلة تكمن في قوة (داعش)، بل في ضعف أعدائها». أما التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة فيصفه بالناقص وغير المكتمل الرؤية، ومن يشاركون فيها ليسوا على قدر كاف من التناغم في الأهداف، كي يصلوا إلى غاياتهم».
تنظيم داعش يدرك أن الشرذمة حليفة أعدائه ودود خلّهم، يعرف أنه يملك ساحة واسعة ومدى جغرافيًا رحيبًا، يتحرك فيه، وخيرات قد لا تنفد بفضل تراخي الغرب، لمعرفته المسبقة بأنه ليس أولوية التنظيم الإرهابي في الوقت الراهن، وبمقدرته أن يستفيد منه كـ«بعبع» يخرجه من قبعته في الوقت الذي يشاء، أو يعيده إلى قمقمه متى أحب.. تأتي التصريحات مواتية لـ«داعش» ومشجعة له. بمقدور طائرات التحالف أن تقصف دون أن تقطف، ولأوباما أن يصرح بما يروق له، ولمستشاريه أن يشجعوا على تدريب قوات محلية لمقاومة الإرهابيين سنوات طويلة مقبلة. ثمة إجماع بين الخبراء على أن مقاتلة «داعش» تحتاج 150 ألف جندي مدرب ومحنك على الأرض. هناك تصريح واضح لا لبس فيه لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال ريموند أوديرنو يقول فيه: «إن هزيمة تنظيم داعش قد تستغرق عشرًا إلى عشرين سنة»، أي أكثر بكثير مما يظنه البيت الأبيض.
وبينما يختلف الكبار على تقسيم أرزاقنا وأرواحنا، يجمع «داعش» أطنانًا من الأسلحة، مرة بعد أن تخلفها الجيوش التي تهرب من ساحة المعركة، ومرة أخرى ممن لا يزالون يرونه قادرًا، مرحليًا، على تنفيذ بعض المهمات. وبعد القذائف والمدافع، وسيارات الدفع الرباعي الحديثة والرشاشات التي جمعها التنظيم، جاء دور الأسلحة الكيماوية والغازات السامة. «داعش» لم يستنفد سيناريوهات أفلام الرعب بعد، ليس لأنه قوي كما يقول هوبير فيدرين، بل لأن من يقاتلونه لم يصدقوا مدى خطره المروع بعد.
سوسن الابطح
النهار