«داعش» والعنف حيال دروس من التاريخ

28

في مقالته في «الحياة» (الأحد، 18/1/2015)، كتب زميلي حازم الأمين عن عنف «داعش» في العراق وسورية. وتبدأ المقالة بوصف ولد من الكازاخ يُعدم جاسوسين روسيين مزعومين اعتقلهما التنظيم، وصوّر اعترافاتهما قبل إعدامهما. ويتحدّث المؤلّف عن «مستويات من العنف لم يبلغها غيره من تنظيمات الإرهاب»، ويطرح وجهتي نظر حول فعاليّة هذا العنف، تفيد الأولى بأنّه وسيلة نجحت في بثّ الرعب في خصوم «داعش» وتعبئة الآلاف من داخل المنطقة وخارجها، بعدما لفتتهم قوّة هذا العنف. وتقول وجهة النظر الثانية إنّ العنف اللامتناهي للتنظيم سيفشل في النهاية ويبقى بلا مستقبل، علماً أنّ الأمين، في استنتاجه هذا، يميل إلى أنّ «داعش» يستقي نجاحاته من العنف اللامتناهي ومن سياسة التوحّش التي يعتمدها.

ويعطي الأمين «داعش» وعنفه أهمّية بالغة، ويوصله تشاؤمه إلى الاستنتاج بأنّ التنظيم المذكور نجح في نشر ثقافة العنف. وفي الواقع، ليس «داعش» سوى لاعب صغير، إن قارنّاه بالوحشيّة التي اختبرتها الحضارات البشريّة خلال القرن العشرين، إذ وجدت «تنظيمات إرهاب» أعظم شأناً، مارست الإرهاب الجماعي، ووصلت إلى السلطة، وخسرت في النهاية بسبب انبهارها بالعنف وخوضها حرباً شاملة. وفي التاريخ الحديث، ما من منظّمة ارتكبت جرائم جماعيّة ونجحت في الصمود لوقت طويل في السلطة.

ومع أنّ دور العنف كان محورياً في الحضارات البشريّة، وما من حضارة سلميّة صمدت بجوار دولة عدائيّة، خضعت ممارسات الحروب، على مرّ التاريخ، لرقابة ثقافيّة وبقي نطاقها محدوداً. وبرّر جون كيغان، المؤرّخ العسكري البريطاني المرموق، الأمر بأنّ مفهوم «الحرب الشاملة» ظاهرة حديثة عموماً، نشأت في أعقاب الحروب النابليونية، عندما سمحت مؤسسات الدولة الحديثة بتعبئة جيوش حاشدة، وإبان الثورة الصناعيّة والحروب في سبيل الديموقراطيّة، حيث بات أيّ رجل بارع قادراً على استعمال الأسلحة الناريّة بعد فترة تدريب قصيرة.

لقد تمّ اعتماد مفهوم «الحرب الشاملة» مرّتين في أوروبا، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي تُعتَبر من أكبر الحروب الأهلية الأوروبية. أمّا النتائج فجاءت كارثيّة، لأنّ الدول المشاركة فيها، والتي عُلّق فيها النشاط السياسي واقتصر أمره ببساطة على المذابح المتواصلة، إمّا انهارت أو خرجت من الصراع مُضعَفة. وفي أعقاب الحرب الأولى، انهارت الإمبراطوريات النمساويّة الهنغاريّة والروسيّة والعثمانيّة. وبعد انتهاء الحرب الثانية، خسر البريطانيّون والفرنسيّون مستعمراتهم.

في أعقاب حروب القرن العشرين، ظهر نوع جديد من الوحشيّة، في عمليات الإبادة الجماعيّة لدول بحقّ قسم من مواطنيها. وكان الأتراك العثمانيّون أوّل قوم لجأ إلى عنف جماعي كهذا، باستلهام العقيدة القوميّة، ومارسوه بحقّ مدنييّهم في المجتمعات الأرمنيّة والأشوريّة واليونانيّة، لتكون أوّل إبادة جماعيّة في القرن العشرين. كذلك استخدمت دول أخرى سياسات إبادة بحقّ شعوبها، فكثر الكلام عن ألمانيا النازيّة ومحرقة اليهود. ولاحقاً، شهدنا إبادة الخمير الحمر للشعب الكمبودي، وإبادة التوتسي في رواندا.

والقاسم المشترك أنّ جميع الأنظمة التي مارست القتل الجماعي سرعان ما هُزمت. لقد انهارت الإمبراطوريّة العثمانيّة، وحتّى الآن تحارب الدولة التركيّة التي خلفتها ميليشياتٍ كرديّة على أراضٍ سكنها سابقاً الشعب الأرمني. وبدورها، تعرّضت ألمانيا النازيّة للهزيمة في سنوات قليلة، بعدما احتلّت مجمل أرجاء أوروبا، كما أطاحت القوات الفييتناميّة بالخمير الحمر، ومَثُل قادتهم أمام قضاة دوليّين. وحتّى في رواندا، وبعدما قتل نظام الهوتو ما بين 500 ألف ومليون مدنيّ من التوتسي، هزمته القوات المتمردة. وحتّى نظام ستالين، الذي استند بدوره إلى العنف الجماعي ومخيّمات الاعتقال في سيبيريا، والذي كان قوّة خارقة، ما عاد قادراً على الصمود وتعرّض للانهيار، لحظة أزال غورباتشوف عامل الخوف.

وأودّ ذكر مثالين من منطقتنا، الشرق الأوسط، ومن حقبتنا، أوّلهما الاجتياح الأميركي للعراق، الذي جاء بدوره مرفقاً بغطرسة النفوذ وبمفهوم الحرب الشاملة، لكن أعظم قوّة عسكريّة في التاريخ تكبّدت الفشل في النهاية. ثم تسبّبت حرب بشار الأسد الشاملة على المعارضة السوريّة بتدمير البلاد، مع أنّها تبقى عاجزة، حتّى الساعة، عن بلوغ هدفها السياسي.

لا، ليس «داعش» أعظم وحش عرفناه. فقد سبق أن رأينا وحوشاً أكبر. لقد أودت الحرب العالمية الأولى بـ16 مليون نسمة، بينهم 6 ملايين مدني، والحرب الثانية، بما بين 50 و75 مليوناً، معظمهم مدنيّون لم يقاتلوا. وحتّى بعد انتهاء الحرب، لا يزال كثيرون في أوروبا يتذكّرون فظائعها ويكررون: «لن نعيد الكرّة أبداً!».

أمّا في الشرق الأوسط، فنميل إلى الاحتفاء بالعنف. والمؤكّد أنّ معظم الأبطال الشعبيّين ما كانوا ليصمدوا لو أرغِموا على المثول أمام قضاة في محكمة دوليّة. والواقع أنّ الرأي العام عندنا لا يتذكّر ضحايا الحروب العديمة المعنى، ولا يضغط على القادة ليجيبوا عن تصرفاتهم. فمن يذكر عدد الضحايا الهائل لحرب العراق وإيران في الثمانينات؟ من يسأل إن كان التسبّب بمليون ضحيّة لتحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي أمراً يستحق العناء؟ هل من أحد يعطي جواباً في شأن الحرب اللبنانيّة؟ هل أمكن تجنّب هذه الحروب وتفادي هذا العدد الكبير من الضحايا الأبرياء؟

سأختتم بأحدث مثال مأخوذ من الدولة التركيّة النافذة، حيث يُحتفى بالماضي العثماني بطابع مهرجانيّ متزايد. والواقع أنّ الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، قرر الاحتفال بالذكرى المئة لـ «النصر» في معركة «غاليبولي» (كناكالي بالتركيّة)، مع أنّه، وعلى رغم تصدّي القوات العثمانيّة لهجمات الحلفاء عند مضائق غاليبولي، فإنها خسرت جميع المعارك الأخرى، وخسرت الحرب، والإمبراطوريّة. وبدلاً من التساؤل حول حكمة القادة العثمانيّين من مشاركتهم في الحرب إلى جانب ألمانيا، اختار أردوغان إحياء هذه الذكرى في 24/4، أي اليوم الذي يتذكّر فيه باقي العالم كيف أطلق الأتراك العثمانيّون مخطّطهم الهادف إلى التخلّص من 1.5 مليون أرمنيّ في مجتمعهم. وبالتالي، يريد أردوغان، شأنه شأن قادة كثيرين، أن يتذكّر شعبه انتصاراً واحداً، بدل العودة بالذاكرة إلى خسارة الحرب، وطبعاً إلى جريمة الإبادة الجماعية التي اقترفها.

والعنف سيفٌ ذو حدّين، يقتل الخصم، لكنّه يسمّم حامله في النهاية. وإن استعمله أحد الأطراف، من شأن منافسيه أن يستعملوه بدورهم. والعنف فعّال متى كان استعماله محدود النطاق، وكان هدفه إحباط حرب شاملة، وليس خوضها. لقد كانت الحضارات القديمة تعرف ذلك جيّداً، وتصرّ على التحكّم بالحروب والحدّ من دمارها. وبدورها، توصّلت أوروبا إلى استنتاج، في أعقاب حربين مدمّرتين، وفهمت أنّ العنف يقيّد الإنتاجيّة، وأنّ السلام يجب أن يُبنى على شكل حضارة ومؤسسات.

 

فيكين شيتريان

المصدر : الحياة