“داعش” وشيخوخة الجامعة العربية

لم يعد بالإمكان تصور أن الجامعة العربية، وقد ناهز عمرها السبعين، وهي أولى المنظمات الإقليمية في العالم المعاصر، قادرة على الإسهام المباشر في تحقيق أمن عربي مستقر وراسخ ولا حتى في تنمية عربية مستدامة، رغم وجود معاهدة الدفاع العربي المشترك والمجلس الاقتصادي العربي، ووفق ما تتطلبه واجبات ومسؤوليات المنظمات الدولية الأخرى . وتنحصر خلافاً لذلك وظيفة المنظمة كونها تجمعاً بروتوكولياً لقادة الدول العربية في تظاهرة سنوية تقليدية استعراضية يفرش فيها السجاد الأحمر وتحجز الفنادق الفارهة والقصور الخاصة ثم يتبادل فيها المؤتمرون أجمل عبارات الود وتقدم الهدايا الثمينة ثم تترى الكلمات بالتعاقب ويتلى في النهاية البيان الختامي المتضمن تقديم أسمى معاني الشكر للضيافة الكريمة، وأخيراً تطوى التوصيات والنتائج لتوضع في أدراج مغلقة لا تصلها الأيادي بعد ذلك، يتلوها الإعداد إلى مؤتمر مماثل للعام القادم وهكذا دواليك .
وربما (الحسنة) الوحيدة والجريئة التي تسجل للجامعة العربية وعبر تاريخها الطويل هي أنها ساهمت مساهمة جادة وفاعلة وبجهود نوعية من قبل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في عزل العراق عن محيطه العربي منذ العام ،1990 ومن ثم احتوائه وإضعافه تمهيداً لإسقاطه بعد إقدامه على احتلال الكويت، ثم انتهى بها الأمر إلى حد الوقوف على التل كي تكتفي بالتفرج على أطلال العراق وعلى المذابح الجماعية والفوضى العارمة التي حصلت فيما بعد، فضلاً عما يحصل الآن فيه من قتل وتهجير وترويع، وعما يحصل في سوريا وليبيا واليمن، ولاحقاً ما في جعبة الولايات المتحدة و”إسرائيل” ضد دول عربية وإقليمية أخرى .
الجامعة العربية وبعمرها المديد شاخت إلى الحد الذي يتطلب فيه الأمر إفساح المجال لقيام منظمة جديدة قد تكون أكثر استجابة لمتطلبات التحول في البيئتين الدولية والإقليمية والمحلية، منظمة عربية قادرة على احتواء الظرف العصيب الذي تمر به الأمة في راهنها ومستقبلها .
ظروف ولادة منظمة فاعلة مهيأة في الوطن العربي، ومثلما كانت الظروف الدولية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مهيأة لولادة حلفين أو منظمتين فاعلتين وأساسيتين في مرحلة الحرب الباردة، فهي اليوم أكثر من مهيأة في الوطن العربي، فالأحلاف الدولية عادة ما تنشأ لتلافي تهديد جاد ونوعي، تهديد يلامس الوجود بشكل خطر، ولا نعتقد أن هناك أكثر من “داعش” تهديداً لأمن الأمة سوى وجود “إسرائيل” اللقيطة .
إنها دعوة للعقول الخلاقة كي تسهم مساهمة جادة في إرساء دعائم منظمة جديدة لا تعنى سوى بشؤون الأمن القومي العربي من دون المنظمات ال 22 التي احتوتها الجامعة العربية الحالية، منظمة واحدة فاعلة وجادة على غرار منظمة حلف شمال الأطلسي الذي ظل فاعلاً حتى بعد زوال تهديد الاتحاد السوفييتي، وهنا لا بد من الانصراف إلى تحديد ملامح ذلك الحلف العربي الجديد وأبعاده الموضوعية .
ففي البعد التأسيسي، لا بد من وضع ديباجة أساسية شاملة جامعة لأمن الدول العربية تتحدد بموجبها طبيعة التهديدات الداخلية والدولية وسبل مواجهتها وفي هذا الاستهلال لا تنصرف تلك الديباجة إلى واقع الاختلاف النظمي في الوطن العربي، بل إلى المهام الأمنية ومن دون الانصراف إلى مهام أخرى .
أما في البعد الوظيفي، فينبغي أن يتولى قادة الفكر في الوطن العربي تحديداً، ومن دون سواهم من القادة السياسيين، تحديد المهام الوظيفية بدءاً من التسمية وصولاً إلى الهدف، وتحدد وفقاً لذلك محاور التأسيس لذلك الحلف ومن دون مساس بجوهر الأحلاف الفرعية القائمة وإلى حين .
أما في البعد اللوجستي، فيتم وفقاً لذلك بناء منظومة عسكرية رصينة بالاستعانة بخبرات عربية عسكرية نوعية وخبرات عالمية تماهياً مع مبدأ النهوض بقوة عسكرية فاعلة في المنطقة العربية، وتترتب بموجب هذا البعد التزامات مالية تُقر وفقاً لإمكانات الدول المشاركة على أن تخضع الأراضي والمياه والأجواء العربية إلى وحدة مكانية استراتيجية .
أما في البعدين الإقليمي والدولي، فينبغي مراعاة الاستقلالية في الأداء الوظيفي الذي ينبغي بموجبه الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة العربية فقط، ومن دون مسمى آخر، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة القائمة وتوجهاتها الفكرية والإيديولوجية، وهنا لا بد من الإشارة إلى المهمة الأساسية الراهنة وهي المحافظة على ما تبقى من نظم عربية مستقرة وراسخة، وعدم التفريط فيها تماهياً مع ما فعله “داعش” في دول عربية أخرى، ومن ثم ينبغي أن تتضمن أولويات الحلف الوقوف بوجه الاعتبارات التي تتحدث عنها الدول المهيمنة في النظام الدولي التي أوصلت الأمة العربية إلى حال الرجل المريض الذي أطلقته على الدولة العثمانية والتي ترتب بموجبها اتفاقية “سايكس بيكو” الجائرة .
فلكل أمة من الأمم نواميسها وشرائعها الدينية والاجتماعية والسياسية، مستحضرين ما فعلته شعارات الدول الكبرى المخادعة من اندفاع الشباب العربي صوب الفوضى العارمة التي نشهدها اليوم بدواعي الحرية والديمقراطية التي لم تجن منها الدول العربية بربيعها المزيف سوى مزيد من الفوضى والدما

الكاتب: د.جسين حافظ
المصدر: صحيفة الخليج