«داعش» و «القاعدة»: التنافس المكتوم!

خرج أسامة بن لادن متمرداً على حال قدّمته يوماً كأنه ثمرة تقاطع بين القوى المناهضة للسوفيات في أفغانستان. تحرك تنظيمه من دون حرج متظللاً برعاية تلك القوى. كان الإسلاميون العرب الذين جمعهم «مكتب الخدمات» بقيادة الشيخ عبدالله عزام، قد توافدوا إلى أفغانستان دفاعاً عن الإسلام والمسلمين من جور «المحتل الكافر»، فيما كان هدف الدول الراعية إلحاق الهزيمة بالجبار السوفياتي وتقويضه والتسبّب بانهياره، على ما بات معروفاً. تمّ للكبار ما ابتغوه، فكان أن أكمل الجهاديون سعيهم الى نيل مبتغاهم.

مثّل صدام «القاعدة» مع الغرب حتمية يمليها منطق «محاربة اليهود والنصارى». لم يبشّر بن لادن بغير ذلك منذ أفغانستان، والمسألة باتت في تغيّر الأهداف الكافرة وثبات العزم الجهادي الأصيل. على أن استراتيجية «القاعدة» في غزواته الكبرى، توسّلت استدراج الصدام الكبير بين المؤمنين والكفار، والذي ستقوم إثره دولة المسلمين المتوخاة. فقيام هذه الدولة مشروط بهزيمة الدولة الكافرة، وربما زوالها، وهو أمر لا يحتاج إلى السيطرة على الأراضي واختراق حدود الدول، على ما انتهج تنظيم «داعش»، بل إلى الضرب الموجع في عقر الدار (نيويورك، واشنطن، لندن، مدريد… إلخ)، واستهداف مواقع الكفر في الخارج (البارجة يو إس إس كول في عدن في اليمن، وسفارتا واشنطن في نيروبي ودار السلام… إلخ).

على أن تنظيم «الدولة» (داعش) ينطلق من مدارات مختلفة، عل رغم انتمائه إلى خلفية عقائدية واحدة. يخرجُ تنظيم أبو بكر البغدادي من «قاعدة» العراق، والذي دار لغط كثير حول قاعديته ومدى مباركة القاعديين له في مغاورهم الباكستانية. من ذلك اللبس الذي مثّلته قيادة أبو مصعب الزرقاوي، تناسل التنظيم بعد مقتل زعيمه (الأردني) داعشاً و «دولة» وخليفة. مثّل أبو بكر البغدادي، العراقي الجنسية، وصحبه، حالة عراقية تردُ على واقع حال عراقي. تحرّك «داعش» مستنداً الى قيادة سياسية وعسكرية عراقية، لطالما وصفها الخصوم بالبعثية. فيما تأكدت غلبة العنصر العراقي في تسيير المعارك، من دون التقليل من شأن المساهمة غير العراقية في السيطرة على مساحات ومدن ومحافظات.

ينطلقُ تنظيم «القاعدة» على أساس رومانسية حالمة تروم الصدام الأممي في كل مكان، من أجل نصر المسلمين وقيام دولتهم المبتغاة يوماً ما، فيما ينطلقُ «داعش» من حرب محلية تستهدفُ خصوماً محليين، وتستدعي الاستيلاء على الميادين والتمدّد إلى اللانهايات التي تتيحها أو تحتاجها المعارك. وفيما البعد الفقهي أصيل في انطلاق «القاعدة» تاريخياً، يبدو ذلك البعد إلحاقياً انتهازياً عند «داعش»، يحاكي غرائز المجاهدين ويراعي تعدّد جنسياتهم. وإذا ما ثبت انخراط قيادات من النظام العراقي السابق في قيادة «داعش» وصفوفه، فسيكون ذلك دليلاً آخر على ماكيافيلية الخيارات الجهادية في زواج مصلحة بين من يمثّلون علمانية ومن يمثلون تديناً.

في الطابع الهجومي العلني المباشر الواضح لتنظيم «داعش»، تفسيرٌ لرواج «دولة» البغدادي، واعتماده من جانب الجهاديين شرقاً وغرباً. وفي الطابع السرّي المتحفّظ الانتقائي ما يفسّر قابلية تنظيم أيمن الظواهري على الصمود والتمدد في مناطق من هذا العالم، على رغم السطوة الإعلامية الكبرى التي فرضها «داعش» منذ غزواته العراقية الأولى. فإذا ما كان تنظيم البغدادي يسيطرُ على مناطق في العراق وسورية وليبيا وسيناء (في مصر) ونيجيريا، فإن للقاعدة نفوذاً واضحاً في سورية واليمن وليبيا وشمال أفريقيا. وربما أن مآلات الحرب الجارية ضد الإرهاب (راقب الغارات الأميركية على قاعدة اليمن على رغم عاصفة الحزم ضد الحوثيين)، ستوضحُ أي الخيارات الاستراتيجية هي الأنجع بين ذلك الذي ينتهجه «داعش» وذلك الذي يعتمده «القاعدة».

تجاهرُ جبهة النصرة في سورية ببيعتها لقاعدة الظواهري، وهي تمثّل تحدياً قاعدياً علنياً لتنظيم البغدادي، فيما يمثّل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (بقيادة ناصر الوحيشيي المعتبر الرجل الثاني بعد الظواهري) وتنظيم أنصار الشريعة في ليبيا، نمازج لديمومة رواج تنظيم بن لادن في موسم البغدادي. على أنه من الصعب، وبسبب تراكم الظروف منذ الحرب ضد تنظيم بن لادن انتهاءً بمقتله، الجزم في طبيعة هذه التشكّلات القاعدية المنتشرة، ومدى كونها مركزية تتبعُ الزعامة في باكستان، أو أنها فصائل مستقلة متباعدة ترفعُ لافتة القاعدة وتستأنسُ بتوصيات زعيمه.

على أن قيامَ حلف إقليمي دولي لمحاربة تنظيم «الدولة» معطوفاً على ماكينة التوحش الإعلامية المتعددة اللغات التي أطلقها تنظيم البغدادي، رفع من قيمة داعش في بورصة الجهاديين، بحيث بات التنظيمُ قبلتهم سواء أتوا من الشيشان أو من بريطانيا أو من تونس. في المقابل، تراجع موقعُ «القاعدة» الإعلامي، وهو المتوجّه أساساً إلى جمهوره العربي، وأكثره يتمّ باللغة العربية التي لا تلفت الإعلام الدولي الباحث عن سبق يهمّ جمهوره. ولا ريب في أن غيابَ أي إطلالة للظواهري منذ حوالى سبعة أشهر، وأي بيان عن مركزية القاعدة منذ حوالى خمسة أشهر، يثقلُ الظلال الملقاة على نجومية القاعدة مقارنة بسطوعها الداعشي.

وما بين الظواهري والبغدادي منافسةٌ لا شك فيها لقيادة «أمة المؤمنين». يكتفي الظواهري بإطلالات نادرة يطلقُ من خلالها أحكاماً، ويعلن توصيات، ويدلي بنصائح يتأثرُ بها القاعديون في الربوع المنتشرة في سورية واليمن وشمال أفريقيا والصومال… إلخ، ويطلقون تكتيكات تتناسب مع الظروف المحلية الخالصة. أما أبو بكر البغدادي، فيتصرف بصفته خليفة المسلمين وحاكمهم، فيعطي الأوامر، ويصدر التعليمات، ويفتي بالتوجهات، لقيادة دولته المعلنة الموجودة راهناً، لا تلك المتوخاة في ذهن سيّد القاعدة.

وفي حراك الزعيمين تباينٌ، ذلك أن زعيمَ القاعدة يلزمُ مخابئه الباكستانية، ويتحركُ داخل ما يضيق في دهاليز مناطق القبائل واختراقات الأجهزة الدولية (وفي ذهنه عملية قتل بن لادن في أبوت أباد)، فيما «الخليفة» يتحرك في مساحات تتمددُ وتتراجع وفق وقائع المعارك التي تشتدّ عراقياً ولا تشتد، للمفارقة، على تنظيمه سورياً.

يمثّل «قاعدة» الظواهري و»دولة» البغدادي تقاطع مصالح كبرى لا تغيب الأجهزة عنها. يعملُ التنظيمان على خلفية الحاجة الى أدوارهما وفق أجندات خبيثة يُمليها صراع الأمم. في قلب التنظيمين تعايشٌ مشبوه بين الطهرانية العقائدية التي تغذي المقتلة الجهادية من دون كلل، والماكيافيلية التي تفسّر أحجية الموارد المالية والعسكرية واللوجيستية التي تقف وراء ديمومتهما. في تلك المعادلة، يدفع الأبرياء ثمن لعبة يلهو بها السذج والخبثاء.

 

محمد قواص

الحياة