المرصد السوري لحقوق الانسان

درعا في عام: فوضى أمنية ومصالح متداخلة وصراع خفي.. والمواطنون يعانون ويلات التدخلات الخارجية والداخلية

في ظل الفوضى الأمنية التي تشهدها محافظة درعا “مهد الثورة السورية 2011″، والتي استعادها النظام السوري من أيدي الفصائل المعارضة في صيف 2018 بدعم من روسيا، يتصدر الواجهة في المحافظة حالة من الانفلات الأمني ما بين عمليات اغتيال واستهدافات وتفجيرات وخطف وما إلى ذلك، فيما يستمر نزيف الدم الذي لا تزال تتجرع درعا وأهلها مرارته منذ يونيو 2019، ناهيك عما يلحق بهما من خسائر مادية ودمار.

 

 

الأهمية الاستراتيجية لدرعا

تتميز محافظة درعا بأهمية استراتيجية ذات أبعاد سياسية واقتصادية، فهي تشكل محور استراتيجي في خريطة العمليات العسكرية السورية، كما تتميز بخصوصية سياسية وجغرافية، باعتبارها مفتاحاً لسلسلة من المناطق السورية، فهي همزة وصل بين مناطق وسط وجنوب شرق سوريا. ومن الناحية الاقتصادية تعتبر مصدرًا يعول عليه الاقتصاد السوري، فهي طريق دولي يربط دمشق ببيروت وعمان، وكانت تعتمد عليها سورية كمنفذ تجاري رئيسي مع الأردن قبل اندلاع الثورة.

 

انفلات أمني إثر تهدئة فاشلة

تفاقمت الاضطرابات الأمنية وعدم الاستقرار في درعا بسبب رغبة النظام في الانتشار العسكري، وإحكام قبضته على جميع مناطق محافظة درعا بعد استعادتها من الفصائل المعارضة، الأمر الذي أدى بدوره إلى دائرة من العنف، فيما تم إبرام اتفاق “تسوية الوضع” 2018 مع الفصائل التي رفضت التهجير، بضمانة روسية، والذي يقضي بتسليم أسلحتهم الثقيلة مقابل ضمان عدم اعتقالهم، وتأجيل التحاق المتخلفين منهم عن الخدمة العسكرية الإلزامية، في الوقت الذي عُرض عليهم التجنيد ضمن المجموعات المسلحة الموالية لـ”الأسد” أو لروسيا أو لإيران.

ولا تتوقف مظاهر الانفلات الأمني والاضطرابات في درعا، حيث عادت المظاهرات بشكل متصاعد في الآونة الأخيرة، إذ رصد المرصد السوري في 17/6/2020 مظاهرة في مدينة طفس غرب درعا، للمطالبة بإسقاط النظام وطرد الميليشيات الإيرانية من الأراضي السورية. ورصد “المرصد السوري” مظاهرتين في 12/6/2020، الأولى في درعا البلد والثانية في بلدة الجيزة، للمطالبة بـ” إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا، وإسقاط النظام السوري، والإفراج عن المعتقلين الذين يقبعون في أقبيته”.

وفيما يتعلق بالانفلات الأمني والفوضى، رصد المرصد السوري انتشار عمليات خطف الأطفال والبالغين من قبل مجهولين بشكل كبير جداً خلال الشهرين الفائتين، فقد تعرض طفل للاختطاف على الطريق الواصل بين بلدتي الغارية الشرقية والمسيفرة. وفي مطلع مايو 2020، اختطف 9 ضباط شرطة على يد مسلحين مجهولين وجرى قتلهم، فيما اعتقلت “استخبارات النظام” قياديا سابقا لدى الفصائل في مدينة جاسم ممن رفضوا إجراء “تسوية ومصالحة”.

 

 

عام من العنف

منذ يونيو/حزيران 2019، سجل المرصد ارتفاعا في أعداد الهجمات ومحاولات الاغتيال التي نفذت بأشكال عدة عبر تفجير عبوات وألغام وآليات مفخخة وإطلاق نار من قبل خلايا مسلحة، والتي وصلت إلى أكثر من 529 عملية اغتيال، فيما وصل عدد الذين استشهدوا وقتلوا إثر تلك العمليات خلال الفترة ذاتها إلى 345، هم: 86 مدنيًا بينهم 8 مواطنات و8 أطفال، إضافة إلى 169 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، و55 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا “تسويات ومصالحات” وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية من بينهم قادة سابقين، و19 من المليشيات السورية التابعة لـ”حزب الله” اللبناني والقوات الإيرانية، بالإضافة إلى 16 ممن ينتمون لما يعرف باسم ”الفيلق الخامس” الذي شكلته روسيا.

 

صراع خفي

تتصاعد حدة الصراعات بين الأطياف المختلفة للمعارضة والنظام، إلى جانب التنافس الدولي الذي يمثله التواجد الروسي والإيراني في المنطقة، حيث رصد المرصد السوري صراعا خفيا بين “الفيلق الخامس” و”الفرقة الرابعة”. ويتمثل هذا الصراع في المحاولات المستمرة من جانب كل منهما لفرض نفوذه الكامل على المحافظة، فبعد أن ثبتت قوات “الفيلق الخامس” نفوذها على الأرض، عادت الفرقة الرابعة إلى الساحة مؤخرًا.

وذكرت مصادر موثوقة أن “الفرقة الرابعة” تسعى لاستقطاب الرجال والشباب، لا سيما المقاتلين السابقين لدى الفصائل مقابل رواتب شهرية مغرية وامتيازات مادية أخرى، واستطاعت مؤخراً استقطاب دفعة تضم العشرات للزج بهم على الحواجز بعد إخضاعهم لدورات عسكرية بريف درعا الغربي. وفي المقابل، لا تزال كفة الروس راجحة عبر الفيلق الذي يضم مقاتلين سابقين لدى الفصائل ممن رفضوا التهجير إلى إدلب على الحدود التركية وأبرموا المصالحة وخضعوا للتسوية مع النظام، ما ينبئ بمزيد من التوترات في المحافظة وضواحيها، خاصة مع استمرار استهداف القوات الموالية للنظام فيها.

ولا يزال التصعيد مستمرًا، لا سيما في ظل الغياب الروسي شبه الكامل عن تسيير دوريات في تلك المناطق، أو حتى المناطق التي يتكفلون بها بعيدًا عن النظام كطفس والصنمين طبقًا للمصالحة والتسوية، إضافة إلى زيادة معدلات الاغتيالات والتفجيرات والاختطاف والعصيان المدني، وعدم خضوع كافة الأهالي في مناطق درعا لإجراءات التسوية.

وتتعدد أسباب العنف في محافظة درعا والمناطق التابعة لها، حيث لجأت كل من روسيا وإيران إلى إنشاء قوات تابعة لها في جنوب سوريا، على الحدود مع الأردن والجولان السوري المحتل، في ظل تنافس غير مباشر بينهما على النفوذ في المنطقة، ما يفاقم حالة انعدام الأمن. كما أن إخلال النظام باتفاقات المصالحة والتسوية مع فصائل المعارضة من بين أسباب استمرار العنف والانفلات الأمني، ناهيك عن فشل موسكو التي قدمت ضمانات في تلك الاتفاقات، في لعب دور الوسيط بين كلٍ من دمشق وفصائل التسوية، لمحاولة رأب الصدع ورأب الخلافات بينهما.

وبسبب خصوصية الموقع الجغرافي لمحافظة درعا ومدنها، فهي تضم حدودًا مشتركة مع الأردن والجولان السوري المحتل، اتسعت مساحة التدخل الخارجي من قبل دول الجوار، خاصة إسرائيل، في وقت تتجه فيه الأنظار الإيرانية إلى ترسيخ نفوذها في عدد من مناطق محافظة درعا، فقد استطاعت إيران تجنيد الآلاف من الشبان والرجال باللعب على الوتر الطائفي والمالي.

ومن بين أسباب التدهور الأمني، استمرار الأزمة الاقتصادية وسوء الأحوال المعيشية، ناهيك عن الخناق الاقتصادي المفروض على مناطق النظام بفعل عقوبات قانون “قيصر”. وخرج أهالي المحافظة في غير مرة للاحتجاج على الأوضاع المعيشية، فيما رصد المرصد السوري في 9/6/2020 مظاهرة في مدينة طفس للتنديد بالأوضاع المعيشية التي تمر بها البلاد، لا سيما مع تقاعس وإخفاق البلديات في المحافظة في القيام بدورها المتمثل في خدمة أهالي المنطقة على مدار عامين من سيطرة النظام. وتشهد المحافظة ارتفاعا جنونيا في الأسعار وأزمة في السلع والمواد التموينية الرئيسة كالغاز والطحين والمياه.

وتنذر الصراعات المعقدة في ظل المصالح المتشابكة بين القوى المتضادة والمتنافسة في المحافظة بمناطقها المختلفة، بمزيد من الانفلات وعدم الاستقرار، نظرًا لعدم وفاء النظام بالتزاماته تجاه مواطني درعا، إضافة إلى سعيه للاستقواء بالقوى الخارجية في خلافاته مع القوى المحلية “فصائل التسوية”، إلى جانب تعامله مع التوترات في مناطق نفوذه بعقلية أمنية قديمة، وهو ما أصبح مرفوضًا في الوقت الراهن بحكم التغيرات الداخلية والخارجية التي طرأت على البلاد، وهو ما يؤدي بدوره لتوسيع الفجوة بين الطرفين وتفاقم حدة الصراع بينهما، علاوة على ترسيخ التواجد الأجنبي، وتوليد المزيد من أعمال العنف.

التوترات الحالية في محافظة درعا تخدم الجميع باستثناء المواطنين، حيث إن المواطنين يتحملون خسائر هائلة بفعل استمرار تلك الاضطرابات، بينما تحقق القوى الإقليمية والدولية مصالحها، بما في ذلك مزيدًا من الانخراط في الملف السوري وعقد الصفقات ونشر إيديولوجيات سياسية تتوافق مع أجنداتها المستقبلية، إلى جانب تغيير خريطة الواقع السوري بما يضمن تقدمها وتوغلها في البلاد، والاستيلاء على ثروات الشعب السوري ونهبه.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول