دستور روسيا لكم يا عرب فاقرأوه

إنها سابقه تاريخيه وخرقا فاضحا للنظام الدولي، فروسيا لم تعلن للأمم المتحدة بموجب الميثاق بأنها تحتل سوريا، أو أن سوريا مستعمرة لها حتى تقوم بكتابة دستور لها . ولا مفهوما أن تطرح مثل هذا المشروع والسوريين للتو قد دخلوا في مرحلة تثبيت وقف النار كأولوية، وللتو قد أعلنوا عن توجههم الى طاولة المفاوضات …، فكيف ولماذا الجلوس على تلك الطاولة وقد وضع أمام المتفاوضين دستور كان مفترضا أن يكون خلاصة للتفاوض السوري — السوري. فعن أي وقف للنار وتثبيته نتحدث، ولأية مفاوضات نذهب.

كل الجهات السورية نظاما ومعارضه أصبحت الأن ترى حجمها ووضعها السياسي الحقيقي على الارض عندما لا يكون من حقها ولا مسموحا لها تمثيل الشعب السوري، وعندما لا يكون للشعب السوري الذي خلق القانون بأرضه أن يقرر مصيره بنفسه أو أن يكتب دستوره لنفسه .

لقد باتت النوايا خلف الشعارات التي يتقاتل على خلفيتها النظام والمعارضة ويدمرون سوريا على مذبحا على محك الاختبار، وهي ترى بأن اقتتالها واستجارتها بأي جهة أجنبية لم يكن في مصلحة شعاراتها ، بل السبيل للقضاء عليها وعلى ما خلفها،  فلا عروبة لسورية في مخيلة المجتمع الدولي وحلفائك أيها النظام، ولا اسلام لسوريا في مخيلة المجتمع الدولي وحلفائك أيتها المعارضه، ولا دولة موحدة وديمقراطية أيها السوريون والعرب .

قد يتساءل البعض عن الغاية من وراء دس عبارات تلغي العروبة والاسلام من دستور دولة يشكل العرب 97% من سكانها والمسلمون 95 %. وليس عندي للأن تفسيرا لذلك الا وسيلة تفاوضية لتمرير مشروع تفتيت سوريا وشعبها من خلال مشروع الفدرالية والحكم الذاتي في دولة ما كان شعبها يوما بحاجة لذلك ولا مناديا به . بل أن كل دولة اجنبية أو عربية ركبت موجة النزاع في سوريا كانت تدعي المحافظة على سوريا موحدة وديمقراطية. فلماذا القفز للفدرالية قبل أن يؤخذ رأي المتفاوضين باسم الشعب السوري.

لقد كنا متأكدين من سوء النوايا ونتوقع هذه النتيجة لسوريا، لكننا لم نتوقع طرحها ابتداء على طاولة المفاوضات، بل كنا نتوقع أن تساق عملية التفاوض للوصول لتلك نتيجة احتراما لعقول الناس بحسن الاخراج.

إن الغاية من طرح الغاء كلمات العروبة والاسلام من مشروع الدستور جاء في سياق سياسة حل الأزمات لتمرير وتثبيت الهدف الحقيقي من افتعال او ركوب الأزمة برمتها. بمعنى خلق أزمة جديدة وعميقه لمجرد التفاوض عليها ثم حلها مقابل القبول بالهدف الحقيقي المطلوب لخالق تلك الازمة الجديده والمصطنعة.

أما وقد أطاح المجتمع الدولي ممثلا بروسيا الراعيه لعملية حل الازمة السورية واعادة اللحمة للوطن والشعب السوريين، اقول إن المنطق الذي يَفترض صدق واخلاص هذه الاطراف السورية لشعاراتها يفترض الأن رفضها الحازم من حيث المبدأ لمجرد أن يجلس اجنبي بينها وهي تكتب دستورها لتستفتي به شعبها.

وهنا إذا افترضنا حسن نوايا الاطراف السورية من نظام ومعارضه فسيكونوا في غاية السذاجة إذا وافقوا على جعل التسامح الروسي في تثبيت كلمات العروبة والاسلام في الدستور المقترح ثمنا لتثبيت تجزئة سوريا وشعبها بالفدرالية التي تُفصَل لنا ورأينها في العراق . بل نكون خونا لشعبنا ووطننا إذا سمح لأية جهة أجنبية أن تتدخل في كتابة دستور لنا.

الطوائف والاديان والاعراق  تغص بها تركيا وايران وروسيا وفرنسا وبكل اوروبا، لكن  وحدة اوطانهم وشعوبهم ومصالحهم تبقى مقدسة ومصانة بالديمقراطية، ومصانة حتى بالدكتاتوريات الوطنية . أما في بلداننا فرغم انعدام بعض التنوع في معظمها وضألة بعضه الاخر فيما تبقى من دولنا، فقد استدعى الأمر احتلال واستعمار بلداننا وتفتيتها  واستهداف ثقافتنا ومقدراتنا. وما كان لهذا أن يحدث لولا الدكتاتوريات العربية وهمالة شعوبنا. نعم ان الديمقراطية مسألة حياة او موت لنا ولغيرنا واخترنا الموت.

فلا روسيا ولا أمريكا ولا تركيا ولا ايران تدفع اموالها ودماءها بالمجان لمصلحة الأخر ولا دساتيرها تجيز لها ذلك . فهل يتخلى النظام السوري عن الاستئثار بالسلطة وعن اللجوء للأجنبي، وهل تتخلى المعارضة عن رفع السلاح بوجهه ، وهل يلتقي الطرفان على الالتقاء لمصلحة الوطن وشعبه، وهل تصبح الجامعة العربية وسيطا ممثلة بأمانتها لا بدولها. الأمل في هذا ضعيف بالمعارضة وفصائلها، وأضعف بالنظام وحلفائه الروس والايرانيون الذين يبدوا أنهم استبقوا الدستور باتفاقيات مع النظام تخل بمبدأ سيادة الدولة على اراضيها ومواردها.

كانت الصهيونية وحدها من يستفيد من ضعفنا، لكن تراجُعِنا أمامها واستسلامنا لها وتسليمها فلسطين وقبولنا الذل بصداقتنا لها كشف للأخرين بأننا شعب لا نستحق اوطاننا ولا الحياه. فاتسعت المؤامرة علينا  في مشاركة دولية للصهيونية على كل ما تبقى. إنها ليست المرة الأولى التي غدرت بنا فيها روسيا . إنها مؤامرة الاقوياء وتقاسمهم المصالح في تركة أمة تحتضر . لا شرقية ولا غربية هناك، إنما ….و ……

إن مشروع الدستور السوري ليست روسيا وحدها وراءه، وليست سوريا مستهدفة به وحدها . كلاما نكتبه لا ينتج ثمن الحبر الذي يكتب به، ولكني لن اقول عظم الله اجركم الأن ، فهناك القادم اعتى واكبر وبعدها نقول…..

فؤاد البطاينة

المصدر: رأي اليوم