دمشقيون يختزلون وقت المعارك بممارسة عاداتهم المسلية

طوال خمسة أيام من المعارك العنيفة في شرق دمشق تجاهل جوزيف مغزل (73 عاما) تحذيرات جيرانه له بضرورة الاحتماء في مكان آمن بعيدا عن القذائف والقنص مفضلا الحفاظ على عادته بلعب طاولة الزهر في الشارع.

ويقول مغزل “طيلة الأسبوع الماضي كنا نجلس ونلعب طاولة الزهر لنتسلّى والقذائف تسقط من حولنا. طلب منا الجيران اللجوء إلى مكان آمن، لكننا لم نكترث”.

ويروي “كان يمكن أن تأتي دورية الجيش وتشاهدنا نلعب الطاولة، فيقف عناصر منهم ليتابعوا معنا النتائج”.

شهدت دمشق الأسبوع الماضي معارك هي الأعنف منذ عامين اثر شن فصائل مقاتلة بينها “هيئة تحرير الشام” الجهادية هجوما مباغتا انطلاقا من حي جوبر الذي تتقاسم السيطرة عليه مع الجيش السوري.

وبعد خمسة أيام تمكن الجيش السوري الجمعة من استعادة كافة المواقع التي خسرها خلال الهجوم.

وكعادته جلس مغزلي إلى جانب صديقيه حول طاولة يلعبون الزهر في شارع فارس الخوري في حي العباسيين الذي كان قبل أيام أحد أخطر مناطق دمشق لقربه من المعارك.

يحرّك جوزيف كرسيه مع تحرك أشعة الشمس ليستدفىء بها، ثم يشير بإصبعه إلى مكان قريب ويقول “هنا سقطت قذيفة هاون لكنها لم تنفجر”.

يحول نظره إلى المنازل من حوله ويتابع، “القذائف تدخل إلى المنازل أحيانا، لذلك البقاء في المنزل لا يعني أنك في أمان من الموت”.

ويضيف “عمري 73 عاما، لم يبق لي الكثير، سأعيش ما تبقى من عمري في الاستمتاع، وليس في الخوف”.

وليس جوزيف وحده من فضل البقاء في منزله، فطوال الأسبوع الماضي وحتى اليوم شاركه صديقه خليل (76 عاما) في اللعب.

يتذكر خليل الذي يتكىء على عصاه التي يستعين بها ليمشي خطوتين أو ثلاث “كنا نلعب المحبوسة. تأخذ من وقتنا ساعة أو ساعة ونصف، نتسلّى بها بانتظار انتهاء المعارك”.

مغامرة لا بد منها

طوال النزاع المستمر منذ ست سنوات بقيت دمشق في منأى نسبيا عن ويلات الحرب والمعارك العنيفة التي شهدتها غالبية المدن السورية الكبرى.

لكن المعارك الأخيرة أسفرت عن مقتل 115 مقاتلا من الفصائل فضلا عن 82 من عناصر الجيش السوري والمجموعات الموالية له، وفق حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبرغم العنف أبقى أسامة قسطون (49 عاما) أبواب محله للبقالة مفتوحا طيلة أيام المعارك.

يزيل قسطون الغبار عن الأصناف القليلة الموجودة داخل محلّه حيث وضع صورة للرئيس السوري بشار الأسد.

ويقول “أنا البقّال الوحيد الذي أبقيت متجري مفتوحا خلال المعارك (…) شعرت بالمسؤولية تجاه تأمين الطعام والخضار لمن بقي في الحارة، فهناك أشخاص كبار في السن وآخرون لا يستطيعون الخروج”.

لم يمر الأسبوع الماضي بسهولة على قسطون خاصة لأنه كان يضطر لتأمين البضائع الضرورية تحت خطر القنص أو قذائف الهاون.

ويروي “كنا ننقل البضائع من سيارة إلى أخرى ومكان الى آخر”.

ويوضح “حين يأتي إلي صديقي ببضائع من سوق الهال كنا نضعها في سيارة تابعة للجيش لنقلها من ساحة العباسيين القريبة الى حارتنا، ثم أعيد نقلها مجددا بعربة حديدية من مدخل الحارة إلى دكّاني”.

ويختم بقوله “كانت مغامرة كبيرة، لكن لا بدّ منها”.

استراحة

يتمشّى عدد من الجنود في شارع فارس خوري ويقوم آخرون برفع حواجز وضعوها قبل أيام، ومنهم من فضل الجلوس للاستراحة واحتساء المتّة.

تمر ميرنا (34 عاما) بقربهم وتطل من شباك سيارتها لتفقد منازل جيرانها قبل أن تصل الى بيتها.

فضلت ميرنا مغادرة الحي خلال المعارك خشية على طفلتها الصغيرة.

وتقول “خرجتُ من منزلي خلال الساعات الأولى للمعارك. (…) لدي طفلة صغيرة عمرها أشهر، لم يكن بإمكاني أن أسمح لنفسي بتركها تعيش أجواء المعارك والقذائف”.

وفي شارع فرعي مجاور تغيّب عدد من الفتية عن الذهاب إلى المدرسة لليوم السابع على التوالي مفضلين لعب كرة القدم.

تحلق طائرة حربية فوق رؤوس الفتية دون أن يلتفت أحد منهم إليها، بل يكملون لعبتهم بكل بساطة غير آبهين.

يركلُ فراس الكرة باتجاه أصدقائه وقد وضع خلفه حجارة تحدد مكان المرمى.

ويقول “ذهبتُ اليوم إلى المدرسة لكنّي لم أجد سوى عشرة تلاميذ”.

ويضيف” طلبت منا المعلمة أن نعود غدا وأن نتواصل مع أصدقائنا ونخبرهم بضرورة الحضور، فقد انتهت المعركة”.

المصدر:ميدل ايست أونلاين