دمشق تقبل التفتيش لتفادي «الضربة»

في خطوة ترمي الى امتصاص الضغوط السياسية وتفادي «الضربة العسكرية» التي لوحت بها ادارة الرئيس باراك اوباما، وافق النظام السوري على دخول مفتشي الأمم المتحدة الى الغوطتين للتحقيق في استخدام الكيماوي.

وفيما اعلنت الأمم المتحدة ان المفتشين سيبدأون اليوم عملهم، شككت واشنطن بصدقية الموافقة السورية التي «جاءت متأخرة»، بينما حذرت موسكو من «ارتكاب خطأ مأسوي» باعتماد الخيار العسكري ومن تكرار «مغامرة العراق»، ودعت طهران الأميركيين الى عدم تجاوز «الخطوط الحمر». وأكد قادة دول كبرى بينهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مسؤولية نظام الرئيس بشار الأسد عن «الهجوم الكيماوي».

ونقلت «وكالة الأنباء السورية» الرسمية (سانا) عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية قوله انه «تم الاتفاق اليوم (امس) في دمشق بين حكومة الجمهورية العربية السورية والأمم المتحدة (…) على تفاهم مشترك يدخل حيز التنفيذ على الفور حول السماح لفريق الأمم المتحدة برئاسة البروفسور آكي سيلستروم بالتحقيق في ادعاءات استخدام الأسلحة الكيماوية» في ريف دمشق. وأوضح المصدر ان الاتفاق تم خلال اجتماع بين ممثلة الأمم المتحدة لقضايا نزع السلاح انجيلا كاين ووزير الخارجية وليد المعلم وأنه سيتم «التنسيق مع الحكومة السورية حول تاريخ وساعة زيارة الفريق للأماكن التي تم الاتفاق عليها». وأعلنت الأمم المتحدة بعد وقت قصير على التصريح السوري ان بعثتها «تستعد للقيام بأنشطة تحقيق» اعتباراً من اليوم في المواقع التي يفترض انها شهدت هجوماً كيماوياً.

وسارعت الولايات المتحدة الى التشكيك في الموقف السوري. وقال مسؤول أميركي كبير: «لو لم يكن للحكومة السورية ما تخفيه وأرادت ان تثبت للعالم انها لم تستخدم اسلحة كيماوية، لكانت أوقفت هجماتها على المنطقة ومنحت الأمم المتحدة وصولاً فورياً اليها قبل خمسة ايام»، معتبراً ان الموافقة «جاءت متأخرة الى درجة لا يمكن تصديقها».

وأعلن عن اتصال تم الخميس بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والمعلم. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية ان كيري ابلغ المعلم انه «لو لم يكن لدى النظام السوري شيء يخفيه كما يزعم لكان عليه ان يسمح بوصول فوري وبلا عراقيل الى موقع» الهجوم المفترض.

وكان مسؤول اميركي آخر اشار في وقت سابق الى ان استخدام قوات النظام السوري اسلحة كيماوية «شبه مؤكد». وتحدث الرئيس الفرنسي عن «مجموعة من الأدلة» تفيد بأن الهجوم كان «ذا طبيعة كيماوية» وأن «كل شيء يقود الى الاعتقاد» بأن النظام السوري «مسؤول» عنه.

وابلغ هولاند الرئيس اوباما «كل المعلومات تتقاطع للتأكيد» ان نظام الأسد شن»الهجموم الكيمياوي» وفق ما أعلن قصر الاليزيه الذي قال في بيان ان «الرئيسين توافقا على البقاء على اتصال وثيق للرد في شكل مشترك على الاعتداء غير المسبوق». واعتبر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في مؤتمر صحافي في القدس المحتلة ان الهجوم بالسلاح الكيماوي قرب دمشق امر «مؤكد» وكذلك «مسؤولية» النظام السوري عنه. وقال ان «المؤشرات متقاطعة تماما حول حجم هذه المجزرة والمسؤولية المؤكدة للنظام (…) في ما يتعلق بنا، ليس هناك اي التباس حول الوقائع الملموسة ومصدرها».

وأعلن البيت الأبيض ان باراك اوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تباحثا السبت هاتفياً في «الردود المحتملة» على الاستخدام المفترض من جانب النظام السوري للسلاح الكيماوي. وقالت رئاسة الوزراء البريطانية ان «استخداماً كبيراً للأسلحة الكيماوية يستحق رداً جاداً من المجتمع الدولي». وصرح وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل الأحد ان القوات الأميركية مستعدة للتحرك ضد النظام السوري، مشيراً الى ان واشنطن ما زالت تقيم خياراتها، وإلى ان اوباما «طلب من وزارة الدفاع اعداد خيارات لكل الحالات».

في المقابل، حذر الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية الكسندر لوكاشيفيتش «من يتحدثون عن امكان شن عملية عسكرية في سورية عبر محاولتهم مسبقاً فرض نتائج التحقيق على خبراء الأمم المتحدة، الى التحلي بالعقلانية وعدم ارتكاب خطأ مأسوي».

كما حذرت روسيا من تكرار «مغامرة العراق»، وقالت وزارة الخارجية «مرة اخرى نحض بقوة (الولايات المتحدة) على عدم تكرار اخطاء الماضي وألا تسمح بأعمال تخالف القانون الدولي. اي عمل عسكري منفرد يتجاوز الأمم المتحدة سيؤدي الى مزيد من التصعيد (في سورية) وسيؤثر في الوضع المتفجر بالفعل في الشرق الأوسط بشكل مروع الى اقصى حد».

وحذرت ايران، حليفة النظام الأخرى، من «تداعيات شديدة على البيت الأبيض» اذا تجاوزت واشنطن «الخط الأحمر» في سورية، وذلك عشية وصول مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان اليوم الى طهران للتباحث مع المسؤولين الإيرانيين في شأن الأوضاع في كل من سورية ولبنان ومصر.

ودعت جامعة الدول العربية الى عقد «اجتماع عاجل» على مستوى المندوبين لمجلس الجامعة في القاهرة غداً بهدف البحث في «ما تداولته وسائل الإعلام حول الجريمة المروعة التي وقعت في منطقة الغوطة الشرقية في دمشق وأودت بحياة مئات الضحايا الأبرياء جراء استخدام السلاح الكيماوي»، في حين دعا الأردن إلى معاقبة من يثبت تورطه باستخدام اسلحة كيماوية في سورية بالتزامن مع استضافته اليوم اجتماعاً دولياً لرؤساء اركان جيوش عدد من الدول بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لبحث تداعيات النزاع السوري.

ميدانياً، اطلقت قوات الأسد امس صواريخ ارض-ارض على منطقة الغوطة الشرقية. وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» ان محافظ حماة انس الناعم اغتيل امس بسيارة مفخخة انفجرت في وسط البلاد. كما انفجرت سيارة مفخخة في منطقة السيدة زينب قرب دمشق.

في غضون ذلك، قالت مصادر المعارضة السورية إن داعميها في الخليج أرسلوا 400 طن من الأسلحة في واحدة من أكبر الشحنات التي وصلتهم منذ بدء الانتفاضة قبل عامين. وأضافت أن الشحنة، ومعظمها ذخائر للأسلحة التي تحمل على الكتف والمدافع المضادة للطائرات، دخلت إلى شمال سورية عبر إقليم هاتاي التركي في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وبدأ توزيعها.

الحياة