دوافع العدوان الروسي على سوريا وتداعياته

■ إن قيام روسيا بدخول الحرب الدائرة على الأراضي العربية، بين الشعوب العربية المطالبة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين انظمة الاستبداد المتحالفة مع أعداء الأمة، لإجهاض ثورات الربيع العربي، وتشويه الإسلام دين التسامح والعدالة والمساواة، يعلن عن بدء مرحلة جديدة، في هذه الحرب، التى أصبحت، حرباً دولية بإمتياز، من حيث أطرافها واهدافها،
إن ما تقوم به روسيا هذه الأيام، من غارات مكثفة على الأراضى السورية، بشكل علني ومباشر، وبذريعة محاربة داعش والإرهاب، بينما هي تستهدف المقاومة السورية المعتدلة بشكل خاص، وتقتل المدنيين وتهجرهم، وتحرق الأرض وتدمر الممتلكات، دعماً لنظام الأسد، ومحاربة للشعب السوري، والقضاء على ثورته من أجل التحرر والإنعتاق، إنما هو عدوان روسي سافر، على الشعب السوري والأمة العربية والإسلامية، طبقاً لجميع المبادىء والمواثيق الدولية، ولا يمكن تبرير هذا العدوان بالقول إنه جاء إستجابة لطلب من نظام الأسد، أو إنه لمحاربة الإرهاب.
لأن نظام الأسد لم يعد نظاماً شرعياً، فهو نظام طائفي مستبد، جثم على كاهل الشعب السوري عقوداً طويلة، مارس خلالها أبشع الجرائم المدانة دولياً، وإنتهك جميع حقوق الإنسان السوري، وخاصة خلال السنوات الأربع الماضية، حيث قتل مئات الآلاف من السوريين، واستعمل ضد شعبه الأسلحة المحرمة دولياً كالبراميل المتفجرة والمواد الكيماوية، ودمر المتلكات وحرّق الأراضى، وهجّر نصف الشعب السوري في الداخل والخارج.. وما مأساة المهاجرين السورين الذين نراهم يومياً على شاشات التلفاز، خلف الأسلاك الشائكة في أوروبا، او في قوارب الموت عبر المتوسط، أو جثثاً ملقاة على الشواطىء، كجثة الطفل «إيلان شنو» إلا شهادة على فقدان الشرعية والإنسانية لهذا النظام.
فهو فاقد الشرعية بشهادة العالم اجمع، ويعتبر الأسد سفاحاً بشهادة وتصريح قادة دول غربية، ولا يمكن ان يكون له دور إيجابي في مستقبل سوريا، ولا أن يكون طرفاً في أي حل سياسي، ثم ان نظامه لم يعد يسيطر إلا على 20٪ او أقل من الأراضي السورية، وبقوة السلاح، بينما تسيطر قوى المعارضة المختلفة على مجمل الأراضى السورية،
ومن هنا، لا تستطيع روسيا ان تدعي أنها جاءت بناء على طلب من نظام شرعي، بل هي تعتبر على ارض الواقع، وطبقا للقوانين والمواثيق الدولية، معتدية على الشعب السوري، ومشاركة في جرائم النظام السوري، ومرتكبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان، ضد الشعب السوري، طبقاً لنظام المحكمة الجنائية الدولية.
أما ادعاء روسيا أنها تحارب الإرهاب، فهو ذريعة واهية ومفضوحة امام العالم اجمع، الذى اصبح يعي تماماً، أنه وفي غياب الاتفاق على تعريف قانوني دولي للإرهاب، فإن محاربة الإرهاب ليست سوى تبرير سياسي للعدوان على الدول والشعوب، وخاصة العربية والإسلامية منها، من اجل الهيمنة الإقتصادية، وترسيخ التبعية، وحماية أمن إسرائيل، لا بل أن ما تقوم به روسيا هو الإرهاب الحقيقي، فهي تقوم بغارات جوية وحشية ومكثفة ضد الشعب السوري، تقتل المدنيين وتدمر الممتلكات، وتستهدف المقاومة السورية المعتدلة، وخاصة مواقع الجيش الحر، وهي في ذلك، تضع نفسها في جبهة واحدة، مع نظام فاقد الشرعية، يمارس جميع الجرائم المدانة دولياً، ضد الشعب السوري، ومن ورائه شعوب الأمة العربية والإسلامية.
إن عدم قدرة أو رغبة بقايا النظام الرسمي العربي على ردع العدوان الروسي، أو التنديد به او إتخاذ أي تدابير في مواجهته، وإن عجز جامعة الدول العربية في التعبير عن إرادة ومشاعر الشعوب العربية، وفشل منظمة المؤتمر الإسلامي في حمل مسؤولية الأمة ورسالتها السمحاء والدفاع عنها، وحتى إن دعم وتأييد بعض الأنظمة العربية، سراً وعلناً، للعدوان الروسي على الشعب السوري، بهدف إجهاظ ثورات الربيع العربي، وحماية أنظمة الإستبداد، ومحاربة الإسلام، كل ذلك، يجب ألا يخدع قادة روسيا ومفكريها وسياسيها والرأى العام فيها، لقبول وتبرير وإستمرار، جريمة العدوان الروسي على الأمة العربية والإسلامية من جديد، وعلى الأرض السورية، متجاهلين او ناسين ان العدوان على أفغانستان، كان من اهم أسباب إنهيار الاتحاد السوفيتي،
إن توريط روسيا في حرب جديدة في سوريا، وحتى لو كان ذلك بسبب ضعف الولايات المتحدة، او ترددها، او تواطؤها، أو كان ذلك بتشجيع من إسرائيل، والصهيونية العالمية، أو بتمويل من الصناديق وبنوك وشركات الإستثمار الدولية، أو بسبب الفراغ الناتج عن الضعف والتناحر العربي، وتحجيم دور الدول الإسلامية مثل تركيا وباكستان واندونيسيا والضغط عليها سياسياً واقتصادياً، كل ذلك، يجب ألا يحجب عن روسيا الجديدة، أنها، وبعدوانها على الشعب السوري، وارضه، ومحاولة القضاء على ثورته، وأمله في التحرر من طغيان وظلم واستبداد نظام الأسد، إنما هي تعلن الحرب على الأمة العربية والإسلامية جمعاء، وأن ملاحم العرب الأفغان، قد تتكرر من جديد وبشكل أكثر حدة وضراوة، واوسع نطاقاً، ضد المعتدين الروس، وخاصة ان روسيا الحديثة مجاورة لعدد من الدول أو بالأحرى الشعوب الإسلامية، وأن الوجود أو الثقل الإسلامي في المجتمع الروسي، سيكون له دور فاعل ضد قرار العدوان على الشعب السوري العربي المسلم.
لقد تورطت روسيا في حرب عدوانية جديدة، ضد الشعب السوري، وضد الأمة العربية والإسلامية، وقد تكون هناك دوافع منها، دعم نظام الأسد، الحليف والصديق التقليدي، وربما الوحيد لروسيا في المنطقة، أو إيجاد مواقع جديدة لروسيا في المنطقة العربية، او الحفاظ على مواقع ونفوذ مهدد بالزوال، أو مواصلة المواقف المعادية لثورات الربيع العربي، وفوق ذلك كله، العداء التاريخي للإسلام، والخوف من تنامي القوى الإسلامية الموجودة في الأقاليم الروسية نفسها، وخاصة في الشيشان وداغستان وعموم القوقاز،
ولكن على روسيا ان تعي ان تداعيات هذا العدوان السافر على سوريا، قد تكون أيضاً، مؤامرة معدة بإحكام من قبل من يعتقدون أنهم يملكون خيوط التحكم بمصائر الأمم والشعوب، وأنهم بدهائهم ومكائدهم يستطيعون، وبحجر واحد، ان يجهضوا الثورة السورية، ويقضوا على روسيا الفتية في معارك بعيدة عن الساحة الأوروبية.
على الدب الروسي أن يعي أن رائحة الدماء التى دفعته كالثور الهائج إلى الحلبة السورية، ليست سوى «مصيدة» أُعدت له بإحكام، وأنه سيواجه بصيادين للدببة ومصارعين للثيران، متمرسين في اصطياد الدببة منذ حرب افغانستان، وماهرين في مصارعة أقوى الثيران، وخاصة تلك التى انكسرت قرونها في العراق وأفغانستان وغزة ولبنان، وقبل ذلك في فيتنام.
٭ دبلوماسي ليبي سابق

سالم قواطين

القدس العربي