دوافع قوى الثورة المضادة اجتمعت لتنظيم الدولة

فجأة بدأ الاهتمام الجدي على الصعيدين الاقليمي والدولي بالتصدي لـ «الدولة الاسلامية» او ما يسمى «داعش»، بعد عام كامل من اجتياحها العراق وسيطرتها على اغلب مناطقه السنية. ديفيد كاميرون يطلب تفويضا من البرلمان لشن ضربات جوية على داعش، والمجلس الاسلامي البريطاني يقود حملة كبيرة للتوعية ضدها، وحكومات الخليج تعيد تقييم سياساتها ازاء «الدولة الاسلامية». لماذا هذا الاهتمام، وما الجديد الذي طرأ ميدانيا للدفع بهذا الاتجاه؟ فعنف ما يسمى «الدولة الاسلامية» ليس جديدا، وان تطورت اساليبه شكلا (من الاعدام الجماعي الى الذبح وحرق الضحايا احياء وصولا لتفجير الضحايا باسلاك توصل في ما بينهم، الى الإغراق في صناديق حديدية الى تفجيرهم بالقذائف في السيارات الى صعقهم بالكهرباء). ربما بدأت هزة الضمير تلامس هذه القوى بعد حرق الطيار الاردني، معاذ الكساسبة، قبل خمسة شهور، الامر المؤكد ان التحرك الحالي لم ينطلق حين اقدمت قوات داعش على اعدام اكثر من 1500 جندي عراقي بقاعدة «سبايكر» قبل عام واحد. فهل الدوافع الجديدة ترتبط بانماط القتل وفظاعة اساليب التصفية؟ ام بالتمدد الجغرافي لتلك المنظمة؟ ام باقترابها من حدود اوروبا؟ ربما يرتبط الامر بهذه الامور مجتمعة، ولكن ما لا يمكن فهمه عدم توقع هذه القوى ما حدث ليس من توسع داعشي فحسب، بل بتغير خطابها وشمول استهدافها كافة الجهات السياسية ليست المنافسة لها فحسب، بل حتى داعميها. ربما بدأت داعش بالتحرك ضمن خطاب طائفي دغدغ عواطف الغالبية العظمى من المسلمين الذين يشتركون معها في الانتماء المذهبي، ولكن ما الذي ستستفيده تلك الغالبية من توسع منظومة سياسية لم تخف هويتها او اهدافها منذ انطلاقها. فاذا لم يكن المنطلق الطائفي مرفوضا مبدئيا من منطلقات دينية او اخلاقية او سياسية، فان القبول به من اهم اسباب التمهيد لما يواجهه عالم المسلمين اليوم وما يهدد غيرهم كذلك.
ربما اعتبرت القوى التي دعمت المجموعات المسلحة ابتداء ان الطائفية انما هي الصاعق الضروري لتحريك الظاهرة الداعشية، لاعتبارات عديدة، منها ما يرتبط بتداعيات تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر قبل اربعة عشر عاما من قبل تنظيم «القاعدة»، ومنها يتصل بالتغيير السياسي الكبير الذي حدث في العراق في 2003، ومنها ما له علاقة بحربي 2006 بين الكيان الاسرائيلي وحزب الله و2008 بين قوات الاحتلال الصهيوني ومنظمتي حماس والجهاد الاسلامي، ومنها ما هو مرتبط بتداعيات الربيع العربي في 2011. فما الجامع لهذه التطورات؟ فلكل من هذه التطورات رمزية خاصة وجهات معنية بشكل اكبر من غيرها. هذه الجهات جمعها في نهاية المطاف اعتبار مشترك دفع باتجاه دعم المشروع الداعشي الذي بدا انه يلبي حاجاتهم جميعا. فتنظيم القاعدة بزعامة اسامة بن لادن تحول الى عدو لا يطاق من قبل الغرب خصوصا الولايات المتحدة في إثر التفجيرات غير المسبوقة 2001. فكان من مصلحة امريكا عمل اي شيء يقضي على «القاعدة»، وبدا المشروع الداعشي مغريا لواشنطن ولندن وبقية العواصم الغربية. ولحق ذلك التغيير الذي حدث في العراق بعد اقل من عامين، الذي اسقط نظام صدام حسين ومنظومة البعث. ويبدو المشروع الداعشي اليوم، متصلا بشكل متين، بعناصر الامن العراقي ذات الخبرة العالية في التمدد السري والتأثير الحزبي الواسع، والدوافع المنبعثة على اساس الانتقام لما فعله الغربيون ومن شاركهم في مشروع التغيير من العراقيين، خصوصا الشيعة الذين استعادوا مواقع نافذة في النظام السياسي الجديد. وهنا يبدو المشروع الطائفي من الناحية الواقعية، جاذبا وفاعلا، برغم ان حزب البعث علماني وغير متصل بالدين في جوهره. لكن كوادره يملكون من القدرة على التلون ما جعلهم قادرين على تقمص اللباس الديني لكسب الشرعية وتوسيع دائرة التعبئة. اما حربا «اسرائيل» على لبنان وفلسطين فقد كشفتا ضرورة التصدي للمجموعات التي تتبنى عقيدتها السياسية التصدي للاحتلال الاسرائيلي كاولوية لامتي العرب والمسلمين، وبالتالي فان اية محاولة لاضعاف تلك القوى سيكون خيارا جاذبا للكيان الاسرائيلي. فماذا يضير «اسرائيل» ان تلتهم نار الطائفية هذه الامة وتضعف شوكتها وتعيد اتجاه بوصلتها؟ اما الربيع العربي فيمثل ذروة التحدي لانظمة الاستبداد العربية التي رأت فيه ليس تحديا حقيقيا لوجودها فحسب، بل طريقا لصعود قوى «الاسلام السياسي» القادرة من حيث القدرة على توفير بدائل سياسية لمنظومة الحكم العربية. وهنا اصبح التحدي اوسع، لانه يتصل باعادة حرف مسار طوفان بشري هائل خرج في ميادين العواصم العربية ساعيا للتغيير وتجديد دماء المنظومة السياسية في العالم العربي بعد عقود من الجمود. هنا ادركت قوى الثورة المضادة ان الحل الوحيد اشغال الشعوب بقضايا هامشية ليست من صلب اهتماماتها اساسا، فتم ترويج الطائفية درعا ضد ما تمثله وحدة الشعوب من طوفان بشري يطيح باعتى الانظمة. فما جرى في تونس ومصر كان كافيا لاشعار كافة الانظمة بضرورة تفتيت وحدة هذه الشعوب بما لا طائل فيه. وانفقت المليارات على الاعلام وعلى شراء المواقف وتوجيه فعاليات المؤسسات والمنظمات لتسير جميعا بشكل متناغم باتجاه واحد: تفتيت الامة من داخلها.
هذا العرض السريع يمكن ان يفسر بعض اسباب التحالف بين قوى متعددة تجمعها هموم مشتركة وتتفق لتحقيق الاهداف التالية: اولها ضرب تنظيم «القاعدة» بزعامة اسامة بن لادن، باختراقه وتغيير اتجاهه بعيدا عن استهداف مصالح الغرب. وكان ذلك متيسرا بعد ان تم فصل رأس التنظيم الذي حوصر في جبال تورا بورا بأفعانستان عن جسده الموزع في بلدان عديدة. ومع استحالة التواصل بين الرأس والجسد تدخلت تلك القوى لتمزيق الجسد أشلاء تم تسييرها ضمن مشروع التفتيت الذي يخدم القوى جميعا. فانتهت  القاعدة تدريجيا. وامعنت هذه القوى باستهداف هذا التنظيم، حتى تمكنت من تسليط داعش عليه في عقر داره. وفي الاسبوع الماضي تمكنت داعش من السيطرة على مناطق واسعة في شرق افغانستان، وطردت قوات طالبان منها. وكانت داعش قد اعلنت مؤخرا عدم جواز وجود «خليفتين» للمسلمين، في اشارة واضحة الى ضرورة قيام الملا عمر بمبايعة البغدادي. ويتوقع ان يستهدف من بقي من قيادات «القاعدة» خصوصا ايمن الظواهري الذي ينحصر نفوذه تدريجيا مع اشتداد التوتر بين اشلاء «القاعدة» وتنظيم داعش.
اما الفصل العراقي من الملحمة الداعشية فقد بلغ ذروته بعد ان انهك المناطق السنية بالعنف والاضطراب الامني والنزوح الجماعي. وليس هناك افق لتوسع نفوذ داعش الا بتقسيم العراق ثلاثيا، الامر الذي يطرح التساؤل الجوهري عمن يقف وراء مشروع تقسيم المقسم.
ومن افغانستان الى فلسطين. فقد فشل الاسرائيليون في حربين لكسر شوكة مقاومة الاحتلال، وبقيت منظماتها اشواكا بعين الصهاينة، خصوصا حماس والجهاد الاسلامي. ولكن الوضع قد يتغير في غزة بعد ان دخلت داعش على الخط وهددت بمواجهة حماس. قد تبدو المواجهة مؤجلة ولكن يتوقع اندلاعها في اية لحظة. وفي ذلك تغيير لموازين القوى لغير صالح المقاومة. فالعالم يعرف ما تمثله المقاومة الفلسطينية من رمزية لصمود الامة في زمن التراجع والاستسلام، ولا يمكن فصل استهدافها عن مشروع قوى الثورة المضادة الهادفة للتطبيع مع الاحتلال واعتباره جزءا من المنظومة السياسية الشرق اوسطية. يضاف الى ذلك ان خط «الاسلام السياسي» الذي تمثله الحركات الاسلامية المعتدلة كالاخوان المسلمين مستهدف بقوة. وسواء وقف الاخوان مع منظمات العنف او ضدها، فان الصراع بين هذه المجموعات في جوهره يهدف لتغيير الواقع العربي الاسلامي الذي تبلور بعد الثورة الاسلامية في ايران، ويسعى للقضاء على مصادر التهديد لهذا الواقع، ليبرالية ام اسلامية. ويمثل الاخوان المسلمون وامتداداتهم المكون العربي لمشروع التغيير، ولذلك كانت الحملة ضدهم شنيعة.
هل يستهدف الغربيون حقا المجموعات المسلحة كداعش والنصرة وسواهما؟ الوقائع لا تؤيد ذلك. فمثلا حين استهدف تنظيم القاعدة بعد حوادث سبتمبر لم يستطع التنظيم شن عمل ارهابي كبير لأنه استهدف عسكريا وسياسيا وامنيا من قبل ما سمي «التحالف ضد الارهاب». بينما الامر مختلف تماما مع الزعم بوجود تحالف غربي ضد داعش. وثمة ادراك لعدم وجود جدية حقيقية لوقف مسلسل التداعي في جسد الامة، لأن ذلك لا يخدم مصالح القوى المذكورة المستفيدة من التناحر البيني الذي تقوده داعش. فما معنى القتل العبثي الذي يحدث في كافة البلدان ؟ ما الهدف الذي يحققه قتل السياح في تونس؟ وما مغزى قيام مجموعة بوكو حرام (داعش – فرع نيجيريا) الاسبوع الماضي يقتل 145 شخصا بينهم 48 كانوا ينتظرون أذان المغرب بالمسجد؟ الغربيون اليوم ينسبون العنف للاسلام، ويستخدمون لوحات التصويب لتدريب كوادر مواجهة العنف وعليها رموز الاسلام، كهدف للغرب، وليس رموز داعش. بعد هذا العرض اليس مطلوبا اعادة تقييم المواقف والسياسات لانقاذ ما يمكن استنقاذه بعد سنوات اربع عجاف؟ ان حدث ذلك فقد يكون هناك مخرج من الازمة، والا فالعذاب يحاصرنا جميعا.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

القدس العربي