“دويلة” الهول: قنبلة موقوتة قابلة للانفجار.. وعالم أخرس لا يرى لا يسمع لا يتكلّم

56

يعتبر مخيّم الهول عنوانا كبيرا لظلم داخلي وتواطؤ خارجي، يختصر معاناة إنسانية تجاهلها العالم باستثناء بعض المنظمات الإنسانية، وهو بؤرة لتفريخ مآسي جديدة يحملها الجيل الحالي، من حيث العنف والضياع، والتداعيات على المجتمع السوري، وتتحمّل كل الأطراف المحلية والدولية مسؤولية قسوة هذه المأساة في حين يتاجر البعض ويستغل الأطفال والنساء في المخيم لمصالحه الخاصة..

 فهل يعقل وهل من الإنسانية في شيء أن تقابَل هذه المأساة في المخيم بصمت مخزٍ من قبل الحقوقيين والمنظمات على اختلافها؟

يرى فاتح الجاموس، السياسي المعارض، في حديث مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنه مهما كان دور الأصولية الفاشية أساسا في هذه المأساة، ومن ثم دور قوى التحالف الدولي ودور الولايات المتحدة الأمريكية بصورة مركزية في ذلك، فإن الوقائع والآثار وحدود المأساة يجب أن تدفع مؤسسات الأمم المتحدة أولا إلى إنهاء كل انتهاك، واستباق تداعيات الوضع الحالي لدرء أي مخاطر محتملة مستقبلا.

وحمّل الجاموس المسؤولية لكل الأطراف بما في ذلك المنظمات والفعاليات الحقوقية في العالم، لافتا إلى أن إنقاذ الوضع في المخيم سيساهم في تحسين الحالة السورية برمتها وقضية الخروج الآمن من الأزمة والأوضاع في منطقة شمال شرقي سورية

بدوره، اعتبر العميد أحمد حمادة، في حديث مع المرصد، أن مخيم الهول هو أسوأ بقعة يسكنها الإنسان على وجه الأرض، واصفا إياه بـ” هولوكوست حقيقي يتعرض له الشعب السوري “.

ودعا حمادة الدول الفاعلة إلى تبني هذا المخيم وإدارته إنسانيا وإداريا ومن ثم النظر في الأوضاع الحقوقية وعرض أي مرتكب لأي جريمة على محاكم مختصة وعادلة أو تسليم كل أجنبي إلى بلده.

وكشف عن عمليات ابتزاز للسكان موضحا أن من يملك المال يستطيع الخروج بكل بساطة. 

واتّهم قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بالتلاعب بمصير الموجودين في المخيم، حيث لم تسعَ أي جهة منذ ثلاث سنوات إلى إنهاء معاناة سكانه.

من جهته، يعتبر الخبير الاستراتيجي ماجد القيسي، في حديث مع المرصد السوري، أن مخيم الهول ومخيم روج في القامشلي وكذلك معتقل غويران، هي أماكن لقنابل موقوتة قابلة للانفجار حيث يضم الهول حوالي 63 ألف شخص من تنظيم “داعش” سعى العديد منهم في محاولات متكررة للهروب، وقد شهد المخيم العديد  من المشاكل والجرائم الكبرى.

وأفاد القيسي بأن محاولات هروب أيضا شهدها مخيم قويران، مشيرا إلى أن “قسد” لا تملك القدرات اللوجستية والقانونية للتعامل مع هؤلاء في ظل عدم اتخاذ أي إجراءات من قبل المجتمع الدولي والدول التي ينتمي إليها الآلاف من العناصر الخطيرة التي انضمت إلى”داعش”.

وأشار إلى رفض الدول الأوروبية على غرار فرنسا وألمانيا وبلجيكا تسلّم مواطنيها بتعلة تهديدها لأمنها القومي وتجنبا لاستفزاز اليمين المتطرف داخل أوروبا وبالتالي حين دعا  الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هذه الدول إلى استعادة عناصرها وهدد بإطلاق سراح هؤلاء إذا واصلت الرفض، عبرت هذه الدول عن غضبها.

 ولفت إلى أن “قسد” تعاني  الكثير بسبب عوائل تنظيم “داعش” الذين أصبحوا قنابل موقوتة ، حيث يعتمد الشمال السوري كليا على التحالف الدولي وأساسا على واشنطن في تأمين الحماية والمراقبة، محذّرا من خطورة انزلاق  الوضع في صورة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من شمال سورية، أو انسحاب التحالف وهو أمر وارد، موضحا أن “قسد” بمفردها وبإمكانياتها الضئيلة غير قادرة على الحماية والتعامل مع هذه الأعداد  الكبيرة من التنظيم ،خاصة مع التحذيرات بإمكانية وجود موجة ثانية لـ”داعش” ضمن استراتيجية كسر الأسوار أي كسر المعتقلات وإخراج عناصره المعتقلة في شمال وشرق  سورية، وهذه الحقائق لم ينتبه لها المجتمع الدولي.

وتحدث عن تسلم بعض دول آسيا الوسطى عناصرها، وتسلم العراق بعض عناصره ووضعهم في معتقلات تحت مراقبة مستمرة.

 وأوضح القيسي أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع هذه المسألة بجدية خاصة أن الوضع في سورية مركب ومعقد مع وجود ميليشيات ودول محتلة، إضافة إلى تمركز تنظيمات متطرفة في إدلب، وهي عوامل مؤثرة على الوضع في سورية والمنطقة ككل .

وقدّم محدثنا ثلاثة خيارات لإنهاء المأساة في مخيم الهول، أولها محاكمتهم في منطقة سيطرة الأكراد وفق قانون العقوبات السوري الذي يشكل جزء منه الاختصاص الدولي من قبل قضاة سوريين من (الأكراد أو العرب) ضمن مناطق شمال وشرق سورية على أن يراعَى قيام المجتمع الدولي بإنشاء بنية تحتية للاحتفاظ بهم بعد محاكمتهم، وتقديم المشورة من قبل المجتمع الدولي عن طريق الخبراء في القانون.

أما الخيار الثاني، وفق الخبير الاستراتيجي، فيتمثّل في محاكمة المعتقلين من قبل محكمة لاهاي شرط إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي على اعتبار أن سورية لم تصادق على المحكمة الجنائية الدولية ويتم محاكمتهم أيضاً ضمن منطقة الاختصاص (سورية) على اعتبار أن الجرائم وقعت داخل الجغرافية السورية أو نقلهم إلى أماكن أخرى تكون مشابهة لـ غوانتنامو (غوانتنامو دولي).

أما الخيار الأخير، يضيف ماجد القيسي،فيتمثل في استنساخ محاكمات نورنبيرغ الخاصة بمحاكمة النازية بعد الحرب العالمية الثانية مع ملاحظة الأسباب التي أدت إلى الطعن بقرارات محكمة نورنبيرغ وخصوصاً فيما يتعلق بالأثر الرجعي للجرائم، وتشكيل فريق قضاة من جميع الدول وتتم المحاكمة”.

من جهته،يقول ابراهيم شيخو، الناطق  باسم منظمة حقوق الإنسان /عفرين، في حديث مع المرصد السوري، إنّه يصعب على إدارة مخيم الهول التعامل معهم وإعادة تأهليهم بسبب العدد الكبير للعناصر وعائلاتهم، حيث لاتزال الانتهاكات والجرائم مستمرة من بعض المتطرفين الذين يقومون بقتل الأشخاص وحرق الخيام إضافة إلى أعمال انتقامية رافضين الاندماج في المجتمع المدني المعتدل .

وتطرّق شيخو إلى تهرب بعض الدول الكبرى من مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية مما يزيد من تفاقم الأزمة في المخيم ، معبرا عن خشيته من صعوبة السيطرة عليه والتعامل معه ماقد يشكل خطرا على المنطقة بأسرها.

ولفت الحقوقي إلى أن الادارة المدنية في شمال وشرق سورية قد وجهت العديد من النداءات والدعوات إلى كل دول العالم للقيام بواجبها تجاه رعاياها وأطفالهم في مخيم الهول من أجل حل هذه الأزمة الانسانية التي أودت بحياة العديد من الأبرياء بعضهم من قوى الأمن الداخلي وإدارة المخيم الذين يشرفون على الوضع. هناك

وذكر أن العديد من العوائل الذين يحملون الجنسية السورية قد تمت كفالتهم من قبل وجهاء عشائر المنطقة وإخراجهم من المخيم وإعادتهم إلى أهليهم وهم يعيشون حياة طبيعية.

ودعا  كافة الدول إلى القيام بمثل هذه الخطوة واستعادة رعاياها إلى مجتمعاتهم الطبيعية.

 وغادرت مخيم الهول قبل أيام-7/11/2021 –  دفعة  جديدة تتألف من 48 عائلة سورية بعدد أفراد يصل إلى 194 شخصاً، من شرق الحسكة إلى مناطقها في ريف دير الزور الشرقي، وهذه الدفعة هي استكمال للدفعة التاسعة عشرة بعد مبادرة مجلس سوريا الديمقراطية وشيوخ العشائر لإخراج السوريين من المخيم

وفي الحادي والعشرين من الشهر الماضي، خرج القسم الأول من الدفعة الذي ضم 18 عائلة سورية بعدد أفراد بلغ 74 شخصاً، صوب مناطقها في ريف دير الزور الشرقي.

وفي تشرين أول/ أكتوبر من العام الماضي، قرر المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية إفراغ مخيم الهول من العائلات السورية الراغبة في الخروج.

 وبذلك تكون إدارة المخيم أخرجت منذ مطلع العام الجاري، 710 عائلة سورية من الهول.

ويبلغ عدد العائلات المتبقية في المخيم 15650 وتضم 57566 شخصاً بعد خروج هذه الدفعة، منهم 8049 عائلة عراقية، و5153 عائلة سورية.

كما يضم المخيم 2448 عائلة من نساء وأطفال عناصر ومعتقلي “داعش” الأجانب بعدد 8245 فرداً

بدوره،كشف يوسف حمود، الناطق الرسمي باسم الجيش الحر، في حديث مع المرصد السوري، عن أن أغلب سكان المخيم السوريين هم من أرياف دير الزور الشرقية من هجين والشعفة والسوسة والباغوز وشمال دير الزور، ومن بلدة الصور وأرياف الحسكة والشدادي جنوب الحسكة وريفها ومن الرقة والطبقة وعين عيسى وريفها، وهناك أيضا من منبج وريفها، و70 بالمائة من هؤلاء هم عائلات وأطفال يتبعون عناصر من تنظيم “داعش” من خارج سورية و 30 بالمائة من السوريين، لافتا إلى أن عشرات الأشخاص قضوا في مخيم الهول من قبل مجهولين منذ بداية العام 2020.

ووفقاً لتوثيقات المرصد السوري، فقد توفي في المخيم منذ مطلع العام 2019 أكثر من 752 شخص بينهم 579 طفلا أغلبهم حديثي الولادة ومنهم أطفال دون العشر سنوات، وذلك جراء نقص الرعاية الصحية، واغلبهم من عائلات “داعش”.

وأفاد حمود في تصريح حصري، بأنه تم تسليم 200 من عناصر التنظيم من قبل  التحالف الدولي و”قسد” إلى السلطات العراقية في قيادة عمليات الجزيرة على الحدود العراقية السورية في قضاء القائم غربي الأنبار” وهم عراقيون،  وتم تسليم  5 أطفال  من أصول فرنسية إلى وفد من الخارجية الفرنسية،  كما سلمت “قسد” 3 أطفال من نفس العائلة الى مبعوثين من قبل روسيا في حقل “العمر” النفطي في ريف دير الزور الشرقي . 

 ولفت حمود  إلى أن  السلطات الجزائرية تسلمت 29 عنصراً من التنظيم بينهم 4 نساء و 6 أطفال، من  “قسد” و”التحالف” بوساطة أمريكية،فيما تم تسليم 8 من عناصر التنظيم إلى الحكومة المغربية و5 أطفال سودانيين من عائلات “داعش” إلى حكومة بلادهم، وسلمت “قسد”أيضا السلطات الدنماركية طفلا من عوائل التنظيم كان في مخيم الهول بريف الحسكة الشرقي وتسلمت استراليا 8 من عوائل التنظيم المحتجزين لديها في مخيم الهول، فيما سلمت”قسد” 148 من أطفال ونساء التنظيم من الجنسية الأوزبكية، ممن كانوا موجودين في المخيم إلى الحكومة الأوزبكية.

 وأشار حمود أيضا إلى أنه تم تسليم ألمانيا 4 أطفال من قبل “قسد” والتحالف الدولي، ووصل بتاريخ 4 يوليو من هذا العام 23 طفلاً من أبناء عناصر التنظيم من مخيم الهول إلى موسكو، بعد تسلمهم من “قسد”، ومنذ منتصف العام 2019 تم تسليم 205 أطفال على عدة دفعات إلى مكتب مفوضة حقوق الطفل الروسية، وغادر 487 مواطنا عراقيا من 115 عائلة  مخيم الهول الخاضع لسيطرة ميليشيات “قسد” شرق الحسكة متوجهين إلى مخيم في محافظة نينوى بالعراق، وهي المرة الثانية هذا العام التي يغادر فيها عراقيون المخيم، حيث غادر 381 عراقياً من 95 أسرة، وأُعيدوا إلى العراق في شهر أيار الماضي.

 

ويدعو المرصد السوري لحقوق الإنسان المجتمع الدولي إلى وضع حدّ لهذه المأساة المستمرة ويطالب بجعل مخيم الهول الذي شهد ويلات ومآسي كثيرة ويعتبر    قنبلة موقوتة، ضمن الأولويات، خاصة وأن العدد لا يزال مرجحا للارتفاع بسبب الولادات الحديثة في أطر غير صحية وغير قانونية .

 ويطالب المرصد  بإيجاد حل جذري للمخيم والأطفال الضحايا الذين تتم دمغجتهم، تجسيدا للقوانين الدولية التي تدافع عن حق الطفل في الحياة الكريمة والآمنة، ويشدد على أهمية إيلاء الأهمية القصوى لمختلف المخيمات بسورية والتي تضم عناصر تنظيم الدولة الإسلامية وعوائلهم، ويؤكد على الحاجة إلى توسيع العمل الإنساني بقطع النظر عن كل  الأيديولوجيات، وتوفير الرعاية الصحية لهؤلاء الذين يسكنون أكثر الأماكن خطورة في العالم حاليا. 

 

وحذّر المرصد من تواصل ارتفاع معدلات الجريمة والعنف  داخل مخيم الهول وغيره، لافتا إلى ضرورة مكافحة التأثير المتزايد لتنظيم”داعش”والفصائل المسلحة في المنطقة ككل.

وأوضح أن تصاعد الاعتداءات، وقطع الرؤوس، والابتزاز، والسرقة، والحرق العمد، والقتل، مؤشرات خطيرة وجب التصدي لها، مشيرا إلى أن الحديث عن إعادة هيكلة أمنية كبيرة من قبل الأكراد وحلفائهم غير كاف لإيقاف خطر عناصر التنظيم، مطالبا المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف المزيد من إراقة الدماء وإنهاء المأساة المستمرة.